ينقل لنا جيسون بورك، مراسل صحيفة «الجارديان» في أفريقيا، بالتعاون مع عبد العال أحمد مؤمن في مقديشو، تفاصيل المأساة التي يعيشها المهاجرون من جميع أنحاء أفريقيا على الحدود، والموانئ، وفي مخيمات العبور في أعقاب إغلاق الحدود بين الدول بسبب تفشي فيروس كورونا المُستجد.

مهاجرون في كل مكان

يشير الكاتب في بداية مقاله إلى أن عشرات الآلاف من المهاجرين محاصرون في ظروف خطيرة على الحدود، والمناجم، والموانئ، ومعسكرات العبور في جميع أنحاء أفريقيا بعد أن أغلقت الدول حدودها في محاولة لوقف تفشي فيروس كورونا المُستجد.

تخلى المهربون عن بعض المهاجرين بعد أن عجزوا عن نقلهم لأماكن أبعد في رحلاتهم إلى أوروبا أو أماكن أخرى. وعاد آخرون إلى ديارهم أو تنقلوا عبر القارة بحثًا عن عمل عندما اُغلقت الحدود في شهر مارس (آذار) الماضي. ومن بين هؤلاء المهاجرين أعداد كبيرة من الطلاب التشاديين العالقين في الكاميرون، وحوالي 1800 عامل نيجيري عالقين في مناطق التنقيب عن الذهب في بوركينا فاسو، وأكثر من ألف مهاجر من مالي والسنغال محاصرين في موريتانيا.

دولي

منذ شهر
«امتلك سلاحًا أو احفر قبرًا».. هذه أبرز مناطق الحرب المشتعلة في أفريقيا

وفي شرق أفريقيا، تقطعت السبل بحوالي 2300 مهاجر في جيبوتي بعد أن تخلى عنهم المهربون. كان معظمهم يأمل في عبور البحر الأحمر إلى اليمن، ثم الوصول بعد ذلك إلى المملكة العربية السعودية وشبه الجزيرة العربية، لتحقيق هدف رئيس هو: البحث عن عمل. 

يُعْتَبَرُ المهاجرون من بين الجاليات المهمشة الأكثر عرضة للإصابة بجائحة فيروس كورونا المُستجد، وكثير من هؤلاء من النساء والأطفال.

ويذكر الكاتب أن أفريقيا سجلت أكثر من 46 ألف حالة إصابة بالمرض و1800 حالة وفاة. ومع ذلك يُعتقد أن الأرقام تمثل جزءًا صغيرًا من الحصيلة الحقيقية حتى الآن، مما يسلط الضوء على تحذير صدر حديثًا عن منظمة الصحة العالمية بأن القارة التي يبلغ عدد سكانها 1.3 مليار نسمة يمكن أن تصبح المركز التالي لتفشي المرض في العالم.

عالقون بين خيارين كلاهما مر

في هذا السياق، قال محمد علي ناجي، وهو مهاجر صومالي يبلغ من العمر 29 عامًا، إنه عالق في جيبوتي منذ شهر فبراير (شباط). وأضاف: «انتظرنا المهربين، لكنهم قالوا: لا أحد يستطيع السفر بسبب فيروس كورونا المُستجد. أنا قلق للغاية لأنني لا يمكنني مواصلة رحلتي، وأيضًا لا يمكنني العودة إلى الصومال الآن لأن معدل تفشي فيروس كورونا المُستجد هناك سيئ أيضًا». 

أما عبد الفتاح حسن جدي، البالغ من العمر 25 عامًا، فقال إنه والمهاجرين الآخرين في جيبوتي عالقون بين «مطرقة وسندان»، وكل الخيارات مرة. وأضاف جدي: «إن الحكومة قاسية على المهاجرين، لا يمكننا العمل، والحياة هنا الآن مكلفة للغاية.. ولكن الأسوأ إذا أُصبنا بالفيروس هنا، وليس لدينا أي شخص يدعمنا. وإذا حاولنا مواصلة رحلتنا، فلن يكون هناك قارب متوفر لهذه المهمة».

تجشم المخاطر للهروب إلى أوروبا

دفعت الجائحة بعض المهاجرين إلى تجشم مخاطر هائلة في المراحل الأخيرة من رحلتهم للوصول إلى أوروبا.

وهناك تقارير تفيد بأن المهربين ينقلون المهاجرين على متن قوارب غير صالحة للإبحار في رحلات طويلة عبر البحر الأحمر إلى شواطئ نائية في اليمن. وعلى الحدود الشمالية للنيجر، يضطر المهاجرون إلى استخدام طرق نائية في الصحراء، ويسافرون في مجموعات صغيرة لتجنب اكتشافهم، ليعبروا من النيجر إلى ليبيا أو الجزائر.

أدى الجمع بين المخاطر المتزايدة وطلب رشاوى أكبر من جانب حرس الحدود الفاسدين إلى رفع رسوم النقل للرحلة عبر البحر الأحمر من 500 دولار أمريكي قبل الجائحة، إلى ألف دولار أمريكي (ما يوازي 800 جنيه إسترليني)، في حين ارتفعت رسوم عبور الحدود الصحراوية من النيجر إلى ليبيا من حوالي 80 دولارًا إلى نحو 300 دولار.

المنظمة الدولية للهجرة تحاول جاهدًة المساعدة

يقول الكاتب، الذي قام بتغطية عديد من القصص والأحداث الدامية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وأوروبا، وجنوب آسيا: غالبًا ما تجد مجموعات كبيرة من المهاجرين أنفسهم تخلى عنهم المهربون في مواقف محفوفة بالمخاطر. ففي أواخر شهر مارس، ترك المهربون 256 مهاجرًا من غرب أفريقيا في الصحراء على الحدود مع ليبيا، على بعد مسيرة يوم واحد من أقرب مستوطنة.

إلى جانب المئات الذين طُردوا قسرًا من الجزائر بين منتصف شهر مارس ومنتصف شهر أبريل (نيسان)، وأصبحوا عالقين الآن في مراكز العبور وعبر النيجر. ويعيش البعض في ظروف قاسية في مخيمات الحجر الصحي المؤقتة في مدينة أجاديس، الواقعة في شمال النيجر والتي كانت تاريخيًا مركزًا للمهاجرين. وتشتمل هذه المخيمات على الأطفال، والنساء الحوامل، وكبار السن.

ويُعد برنامج العودة الإنسانية الطوعية الذي تديره المنظمة الدولية للهجرة (IOM) هو خيارهم الوحيد للعودة إلى الوطن. وتحاول المنظمة الدولية للهجرة التفاوض للتوصل إلى ممر إنساني عبر الحدود المغلقة للسماح للعالقين بالعودة إلى الوطن في ظل تصاعد التوترات في مراكز العبور.

وينقل الكاتب عن محمد، البالغ من العمر 24 عامًا، من تشاد، قوله: «نعلم أن هناك أزمة، ولكن يؤلمني أن نعرف أنه كان من المفترض أن نغادر الأسبوع الماضي. كان لدينا حتى التذاكر». وأضاف «أتمنى أن يتغير الوضع قريبًا. أريد العودة إلى بلدي».

وقالت رئيسة بعثة المنظمة الدولية للهجرة في النيجر، باربارا ريجكس: إن المنظمة بذلت أقصى إمكاناتها، خاصة وأننا لم نتلق تمويلًا جديدًا حتى الآن. وأضافت: «أثناء انتظارنا عودة آلاف المهاجرين الموجودين في مراكز العبور الخاصة بنا إلى بلدانهم الأصلية، يواصل مهاجرون جدد المجيء من بلدان مجاورة، ناهيك عن المهاجرين الذين تخلى عنهم مهربوهم في الصحراء؛ مما يزيد من عدد الأشخاص المحتاجين إلى المساعدة».

هناك 2462 مهاجرًا في النيجر في مراكز العبور، ومواقع الحجر الصحي، وأنواع أخرى من أماكن الإقامة. وتابعت باربارا: «بالإضافة إلى ذلك، وصلت جميع مراكز العبور بالفعل إلى أقصى طاقتها، ولم يعد بمقدورنا قبول مهاجرين جدد، على الرغم من ارتفاع الطلب».

كما أن هناك مخاوف بشأن آلاف الأشخاص العالقين في ظروف سيئة داخل أماكن إقامة مكتظة بالسكان أو في مراكز احتجاز في ليبيا، حيث يكونون عرضة للإصابة بفيروس كورونا المُستجد. فهناك حوالي 1500 شخص عالق في مراكز احتجاز رسمية في بلد غير مستقر (ليبيا)، يعانون من ظروف صحية سيئة، وطعام محدود، وخطر دائم من التعرض للإساءة، والاغتصاب، والعمل القسري، والاتجار بهم.

فيروس كورونا المًستجد يفاقم الاتجاهات السلبية

قالت أخصائية الهجرة في مجلس اللاجئين الدنماركي ومقرها تونس، هارا كاراكوستاس: «إن فيروس كورونا المًستجد فاقم الاتجاهات السلبية المتزايدة التي شهدناها على مدى خمس سنوات». وأضافت «لا يقتصر الأمر على توقف الحركة فحسب، بل توقف العمل أيضًا. لذلك لا يستطيع الناس مواصلة رحلتهم، لكنهم لا يستطيعون البقاء حيث علقوا».

أما بالنسبة لأولئك الذين ليس لديهم محل إقامة موثوق به، فإن حظر التجول المفروض لمحاربة فيروس كورونا المًستجد يعني الخوف المستمر من التعرض للاعتقال، والابتزاز من جانب قوات أمن معدومة الضمير. كما أصبح المهاجرون عالقين بسبب إغلاق الحدود في جنوب ووسط أفريقيا. ومُنعت إحدى المجموعات من دخول أوغندا من خلال جمهورية الكونغو الديمقراطية.

في كل عام يسافر الآلاف أيضًا على طول الساحل الشرقي للقارة للوصول إلى جنوب أفريقيا، حيث الاقتصاد المتقدم نسبيًا؛ ويمرون عبر سلسلة من المهربين الذين يستخدمون قوارب متهالكة، وشاحنات مكتظة، وطرق وعرة عبر مناطق الأدغال النائية لعبور الحدود.

وتجلت مخاطر الطريق – وأعداد الأشخاص الذين يستخدمونه – عندما عُثر على 64 شخصًا، يُعتقد أنهم من إثيوبيا، ميتين في حاوية متصلة بشاحنة في موزمبيق في شهر مارس الماضي. أوقفت الشرطة وسلطات الهجرة الشاحنة وهي في طريقها من مالاوي في إقليم تيت، الذي يحده مالاوي من جهة وزيمبابوي من جهة أخرى. وقال السائق لوسائل الإعلام المحلية إنه تلقى مالًا في مالاوي مقابل نقل المهاجرين إلى موزمبيق.

واعتُرِض سبيل آخرين أثناء توجههم مرة أخرى إلى زيمبابوي. وفي موسينا، المدينة الأخيرة في جنوب أفريقيا قبل الحدود، تجمع مئات الأشخاص في ظروف تزداد قسوة. وفي هذا الصدد، قال جاكوب ماتاكاني من مركز موسينا للاستشارات القانونية: «الناس يعانون حقًا. وليس لديهم ما يكفي من الطعام. إنهم عالقون. لا حركة (على الإطلاق)، والشرطة تُسَيِّر دوريات».

ويشير الكاتب إلى أن المهاجرين في موسينا لا يحق لهم الحصول على منح الإغاثة الطارئة التي أعلنها مؤخرًا رئيس جنوب أفريقيا، سيريل رامافوسا، لكنهم يفتقرون إلى الغذاء، الأمر الذي دعا ماتاكاني إلى مناشدة المنظمات غير الحكومية الدولية والحكومات لتقديم المساعدة.

ويخلص الكاتب إلى أن ظاهرة رهاب الأجانب الناتجة عن الجائحة تسببت في مشاكل حقيقية للمهاجرين – القانونيين وغير القانونيين – في كل مكان.

ففي الشهر الماضي اعترف القبطان وأعضاء الطاقم الستة لناقلة حمولات سائبة مسجلة في بنما بالذنب في اتهامات بمحاولة القتل في كيب تاون، بعد أن زُعم أنهم أجبروا اثنين من التنزانيين المسافرين خلسة (المتهربين) على القفز في البحر؛ لأنهم كانوا يخشون من إصابتهم بفيروس كورونا المُستجد.

وجرفتهما الأمواج على متن طوافة يدوية الصنع قبالة الساحل الشمالي لكوازولو ناتال قبل أن يرسوَا في نهاية المطاف على الشاطئ. 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد