باتت جثامين العراقيين تُكدَّس داخل مقبرة واحدة يطلق عليها اسم «وادي السلام الجديدة»، أو «مقبرة كورونا»

ألقت جائحة فيروس كورونا المستجد بوطأتها الثقيلة على العراقيين؛ فغيّرت حتى طريقتهم في الحداد على موتاهم. لم يعد بمقدورهم أن يمارسوا الشعائر الجنائزية الشرعيّة، التي تتيح لهم فرصة تفريغ بعض مخزون حزنهم على ذويهم الراحلين، وباتت الجثامين تُكدَّس داخل مقبرة واحدة يطلق عليها اسم «وادي السلام الجديدة»، أو «مقبرة كورونا»… حكاية مؤلمة ترويها الصحافية أليسا يوهانسن روبن لقراء صحيفة «الإندبندنت» البريطانية. 

لا توجد لافتات تدلك على الطريق إلى مقبرة «وادي السلام» الجديدة، أو كما يسميها العراقيون «مقبرة كورونا»، لكنك لن تجد صعوبة  في الوصول إلى بُغيتك. كل ما عليك فعله هو أن تتبع السيارات. فليست هناك وجهة أخرى يقصدونها عبر هذا الطريق الصحراويّ الوعر. 

انشقت الأرض عن هذه المقبرة الواقعة في جنوب العراق قبل أربعة أشهر. والآن يوجد هناك 3200 مقبرة، ولا تزال الحفارات تعمل كل ليلة لشق أخاديد جديدة في قلب التربة الرملية، بحسب التقرير.

«لا نستطيع حتى لمس جثمانها»

كان علي راضي، وهو مواطن عراقي من الناصرية يبلغ من العمر 49 عامًا، يقف إلى جوار سيارته عند بوابة المقبرة، تلفحه أشعة شمس الصيف الحارقة التي رفعت درجة الحرارة عند الظهيرة إلى 46 درجة مئوية. يقول راضي: «نحن في انتظار (جثمان) والدتنا. رحلت عن عالمنا قبل يومين، ولم نستطع نقلها بأنفسنا، بسبب كورونا، وعلينا الانتظار حتى تحملها سيارة الإسعاف».

Embed from Getty Images

ويضيف بصوت خفيض، وعيناه معلقتان بالطريق تحسبًا لظهور سيارة الإسعاف التي تحمل جثمان والدته في أية لحظة: «هناك بعض الشعائر التي كان يجب علينا أن نقوم بها، لكن في ظل فيروس كورونا لا نستطيع حتى لمس جثمانها، أو إقامة شعائر الجنازة».

مرارة العجز عن تكريم الموتى

قبل الجائحة، كان المسلمون الشيعة، على اختلاف مسقط رأسهم في العراق، يحملون النعش على أكتافهم ويطوفون به حول ضريح الإمام علي في مدينة النجف، ويصلون على الميت خارج أبواب الضريح، ثم يرافقون النعش إلى مقبرة وادي السلام، إحدى أكبر وأقدم المقابر في العالم، ليواروه الثرى. 

وكان المسلمون السنة يقيمون شعائر جنازاتهم بالقرب من منازلهم، ثم يرافقون الجثمان إلى مقبرةٍ قريبة، حيث يتولى متعهد الدفن (الحانوتي) رفع جثمان المتوفى في كفنه الأبيض من النعش، ويواريه الثرى، بعد توجيه رأسه صوب القبلة، وهي الشعائر التي يقوم بها المسلمون الشيعة أيضًا. 

لكن راضي وغيره ممن دفنوا أحباءهم في مقبرة وادي السلام الجديدة أُجبِروا على التخلي عن جميع هذه الشعائر الأساسية، وهو ما يغرس في قلوبهم شعورًا بالمرارة كما لو كانوا ارتكبوا خيانة في حق ذويهم الراحلين؛ بعدما عجزوا عن تكريم موتاهم للمرة الأخيرة بطريقة لائقة.

ينقل التقرير قول رجل الدين توفيق مهدي من النجف، المتأهب دائمًا للتخفيف عن كاهل العائلات المنكوبة بوفاة ذويها: «إنهم لا يستطيعون دفن أقاربهم بالطريقة المعتادة، وهذا يصُبُّ الحزن في قلوبهم صبًا. ويتمثل دورنا في تخفيف حزنهم، ومواساتهم بكلمات من قبيل: هدئ من روعك. هذه الجائحة التي تفشت هي التي منعتك من أن تكون بالقرب منهم كما كنت من قبل، لكننا سوف نرفع أكف الضراعة بالدعاء لك». 

هكذا ولدت فكرة «مقبرة كورونا»

بدأ الفصل الأول من قصة هذه المقبرة عندما طرق الموت باب أول ضحايا فيروس كورونا المستجد في بغداد في شهر مارس (أذار) الماضي. بوغتت السلطات الدينية والصحية بالوصمة التي ألحقها المرض بالمصابين، فضلًا عن الخوف من أن تؤدي جثامين المرضى إلى الإصابة بالعدوى. 

Embed from Getty Images

يذكر التقرير أن المقابر رفضت استقبال جثامين من لقوا حتفهم جراء الإصابة بمرض كوفيد-19؛ لأن أقارب الأشخاص الذين ماتوا لأسباب أخرى لا تتعلق بفيروس كورونا ضنُّوا بذويهم أن يُدفنوا إلى جانب شخص مات بسبب كوفيد-19. 

وينتقل التقرير إلى الشيخ طاهر الخاقاني، المشرف العام على فرقة الإمام علي القتالية، واحدة من أوائل المليشيات التي تشكلت لمحاربة «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، قوله: «بدأت أرى هذه المشاهد على شاشات التلفاز – لا زلت أذكرها – عندما ألقي سبع أو ثماني جثامين خارج مشرحة المستشفى وتركوا هناك».

يلفت التقرير إلى أن فرقة الإمام علي – على عكس بعض المليشيات المقربة من إيران –  ترتبط برجل الدين الشعي المعتدل، آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني، الذي يمد جسور التواصل مع الجميع من مختلف الأطياف. 

من هنا جاءت الفكرة إلى الخاقاني بأن الحل يكمن في بناء مقبرة جديدة مخصصة لمن ماتوا بسبب فيروس كورونا. وتشارو بشأن المقترح مع محافظ النجف والسيستاني ورئيس ديوان الوقف الشيعي في العراق، المسؤول عن جميع الأمور المالية والعقارية الشيعية.

لا فرق بين مسلم سني وشيعي

في غضون أيام حصلوا على رقعة أرض مساحتها 1500 فدان على بعد 20 ميلًا من مدينة النجف، مخصصة لدفن ضحايا كورونا. وتطوعت فرقة الإمام علي القتالية لإدارة المقبرة. وتولت فرقها الطبية مهمة استقبال الجثامين، وتطهير أكياس الجثث التي وصلوا فيها، ثم غسل الموتى. 

وتولت مجموعات أخرى مسؤولية حفر القبور ودفن الموتى، فيما قام آخرون بدور المرشدين لمساعدة أفراد الأسرة عندما يأتون إلى المقبرة للعثور على قبور أقاربهم، من بين آلاف القبور الممتدة في قلب الصحراء. مع العلم، أن الزيارات العائلية يسمح بها بعد انقضاء 10 أيام من الدفن.

ويضيف التقرير أن هناك توجيهات بأن تفتح المقبرة – ولو كان الشيعة هم الذين يديرونها – أبوابها لاستقبال الموتى على اختلاف عقائدهم وأطيافهم، وأن يكون الدفن بالمجان، دون تحميل ذوي الموتى أي تكاليف. 

«ملائكة في إهاب بشر».. مرافقة الموت دون شكوى

ولذلك يصف المزارع محمد قاسم، الذي يزرع الخضر والنخيل في بغداد، هؤلاء الأشخاص القائمين على حفر القبور والاهتمام بتغسيل الموتى وإقامة شعائر الدفن بأنهم «ملائكة في إهاب بشر». ويضيف: «نعم، هؤلاء هم أنبل الناس الذين التقيت بهم على الإطلاق. كيف لا يمكن أن يكونوا أنبل الناس وهم يرافقون الموت على الطاولة ذاتها التي يتناولون عليها طعام الإفطار والغداء والعشاء، ومع ذلك لا تصدر عنهم أدنى شكوى».

Embed from Getty Images

ينتقل التقرير إلى آري ساهاك ديرتال، وهو مسيحي أرمني يبلغ من العمر 33 عامًا، يحكي عن الألم الذي لا يزال يشعر به منذ دفن والده يوم 1 يوليو (تموز). يقول: «ذهبت على الفور إلى الكنيسة الأرمينية الأرثوذكسية في بغداد؛ لأنني كنت أعرف أن والدي يريد أن يدفن هناك، لكني فوجئت عندما قالوا إنهم لا يستطيعون دفنه هناك».

مسيحي في مقبرة المسلمين

فما كان منهم إلا أن توجهوا بالجثمان إلى «مقبرة كورونا». وفي الطريق إلى هناك، أجرى الابن بعض الاتصالات على عجل لمعرفة الصلوات التي يتعين عليهم تلاوتها أثناء الدفن. يقول إنه ما زال يشعر بغُصَّة في حلقه لأن أحدًا من الكنيسة الأرمينية الأرثوذكسية لم يرافقه لمواراة أبيه الثرى. 

عند وصوله إلى المقبرة، استقبله الشيوخ المسؤولون عنها، وأخبروه بأن والده يمكن أن يُدفَن في أي مكان. فقال لهم: «أريد أن يكون قبر والدي بعيدًا عن الآخرين. وبالفعل دفن على بعد كيلو متر من قبور المسلمين».

يقول الابن إن متعهدي الدفن الشيعة بذلوا قصارى جهدهم من أجل تكريم والده، وأرسلوا له شريط فيديو يوثق مراسم الدفن، حتى أن أحد أفراد الطاقم الطبي الشيعي كان يرتدي ملابس واقية ويشير بعلامة الصليب على جثة والده. 

يتابع التقرير: هذه الطقوس مألوفة أكثر للمسلمين السنة، وبالتالي كانت لحظة الوداع أسهل، وأكثر حميمية. دُفِن المئات من المسلمين السنة هنا. لكن الدفن بعيدًا عن المنزل لا يزال صعبًا. لم تقبل المقبرة السنية الرئيسة في بغداد استقبال جثة والد المرتضى أحمد جاسمين، على الرغم من أنها تواري جثامين جميع أفراد أسرته. 

يقول المرتضى البالغ من العمر 22 عامًا: «طوال الطريق إلى مقبرة وادي السلام الجديدة، كنت أناجي والدي وأقول له: سامحني لأنني لم أستطع تنفيذ وصيتك بأن تُدفَن وسط الراحلين من أبناء عائلتك». ولكن بعد وصوله إلى المقبرة، «ذهب كل التعب والغضب؛ لأنه وجد «مقبرة نموذجية»، على حد وصفه، وكان بمقدوره زيارة والده في أي وقت. وأضاف: «شعرت بارتياح كبير، وقلت في نفسي: «لا بد وأن الله يحب والدي لأنه اختار له هذا المكان ليدفن فيه».

Embed from Getty Images

تشييع الراحلين بالدعاء والدموع

مع غروب الشمس، رصد التقرير وصول المزيد من العائلات برفقة سيارات الإسعاف، لتبدأ مراسم الدفن من الساعة السادسة مساء وحتى صلاة الفجر. يقف الآباء والأمهات والأخوة والأخوات والأبناء والبنات على حافة المقبرة، حيث يمنعهم حبل ممتد من الدخول لضمان بقائهم بعيدًا عن الجثث، وحمايتهم من أي عدوى محتملة. 

يختم التقرير بمشهد أخٍ وأخت في منتصف العمر يقفان سويًا في عتمة الليل الحار. تهب الريح فتتطاير عباءة المرأة وتلتف حولها، بينما يرفع الرجل ذراعيه إلى السماء داعيًا. ويخاطب والده المتوفى قائلًا: «أودعكَ في رعاية الإمام عليّ». بينما تنهمر دموع أخته، في مهب الريح.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد