توفي 25 من العاملين في الخدمات الطبية بسبب (كوفيد-19) في مصر، والكثيرون من زملائهم يقدمون استقالاتهم أو يهددون بالإضراب احتجاجًا، وفي ضوء هذه الأوضاع التي يمر بها القطاع الصحي المصري، نشر موقع «ميدل إيست آي» البريطاني تقريرًا لمراسله من القاهرة يسلط الضوء على أوضاع العاملين في القطاع الصحي. وفيما يلي الترجمة الكاملة لنص التقرير:

محلات مغلقة وشوارع خالية، ذلك هو المشهد خارج مستشفى العباسية للحجر الصحي في القاهرة. فالعلم بأنه بات مقرًا لعلاج مئات المرضى المصابين بفيروس كورونا فرض حالة من الصمت على هذه المنطقة التي كانت في العادة تعج بالناس.

لم يبق متواجدًا في المكان سوى قلة قليلة من موظفي المستشفى الذين أصابهم الإعياء، وقد جاءوا يتزودون بالطعام في واحد أو اثنين من مطاعم الوجبات السريعة التي بقيت مفتوحة.

عربي

منذ 7 شهور
«هآرتس»: فيروس «كورونا» قد يتحول إلى كارثة بالنسبة لمصر

ومن بين هؤلاء محمد عبد اللطيف طبيب الأمراض الصدرية البالغ من العمر 34 عامًا، والذي أخذ استراحة من عمله ليتناول شيئًا من الطعام قبل أن يعود للعمل حيث يغطي مهام زميله الذي أصيب بفيروس كورونا قبل خمسة أيام، وبات واحدًا من أعداد تتزيد بشكل سريع من العاملين في القطاع الطبي ممن وقعوا ضحية لمرض كوفيد-19 في مصر.

جلس عبد اللطيف على قارعة الطريق وقد أزاح جزئيًا الكمامة التي يضعها على وجهه حتى يتمكن من تناول سندويتش.

قال عبد اللطيف في تصريح لميدل إيست آي: «حوالي 20 من خريجي دفعتي أصيبوا بالفيروس حتى الآن. هناك آخرون ممن يفكرون بالاستقالة من العمل في القطاع الحكومي وبالتقدم لدراسة الماجستير ومغادرة البلاد. ولكن في نهاية المطاف، إذا قرر الأطباء الهرب من أمام هذا التحدي، فسوف تسقط البلد في الفوضى، وذلك ما لا تفهمه وزارة الصحة».

وكان عبد اللطيف نفسه قد خالط زميلًا له أصيب بالعدوى، ولكن نظرًا لأن الفحوصات التي تجريها الدولة غير متاحة لمعظم العاملين في القطاع الصحي المصري، فقد نصحته إدارة المستشفى بعزل نفسه ذاتيًا لمدة أسبوعين.

ولكن بدلًا عن حرمان الخطوط الأمامية من طبيب صحيح البدن، دفع عبد اللطيف 5 آلاف جنيه مصري (315 دولارًا أمريكيًا) لإجراء اختبارين لفيروس كورونا كانت نتيجتهما سلبية، ثم عاد إلى عمله. وعن ذلك يقول عبد اللطيف: «لحسن الحظ أن عائلتي لديها القدرة المادية على إجراء الاختبارات في مستشفى خاصة. بينما هناك الآلاف من الأطباء ممن لا قبل لهم بذلك».

Embed from Getty Images

توفي حتى الآن 25 من العاملين في القطاع الطبي بعد إصابتهم بفيروس كورونا. يرى العشرات من الأطباء في مختلف أنحاء مصر، بما في ذلك عبد اللطيف، بأن وزارة الصحة اتخذت قرارات تعسفية وأخلت بواجبها تجاه العاملين في القطاع الطبي نظرًا لعدم توفير الفحوصات اللازمة وبسبب النقص المزمن في وسائل وأدوات الوقاية.

كما دعت الأمم المتحدة هي الأخرى الحكومة المصرية إلى إحداث زيادة كبيرة في عدد الاختبارات التي تجريها.

دفعت هذه الإخفاقات الظاهرة الأطباء إلى تقديم استقالات جماعية، ونجم عنها صدور تنديدات عن نقابة الأطباء المصرية، والتي اتهمت الوزارة بعدم توفير الحماية للعاملين في القطاع الطبي والذين يعانون من نقص التجهيزات ومن كثرة الأعباء وانخفاض الرواتب.

في المقابل حفز هذا السخط والتهديد بالإضراب عن العمل وسائل الإعلام الموالية للدولة والمسؤولين في الحكومة إلى اتهام الأطباء بالتخريب. وكما هو معهود في حال كل من ينتقد الحكومة المصرية، وجهت لهؤلاء الأطباء تهم بأنهم يشكلون خلايا لجماعة الإخوان المسلمين المعارضة.

من الجيش الأبيض إلى الإخوان المسلمين

في بداية الأزمة وُصف العاملون في القطاع الطبي بأنهم «جيش مصر الأبيض».

وبادرت العديد من القنوات التلفزيونية التابعة للمخابرات المصرية وكذلك الأحزاب السياسية الموالية للحكومة إلى إنتاج وبث العديد من مقاطع الفيديو التي تشبه ما يقوم به العاملون في القطاع الطبي بالجيش والشرطة، وهما الجهازان اللذان يحظيان بالإشادة.

ظهرت في مقاطع الفيديو مجموعات من الأطباء والممرضين وهم متواجدون داخل المستشفيات والعيادات قبل أن تنتقل الصور إلى ضباط الجيش والشرطة وهم ينفذون عمليات أمنية. واشتملت بعض هذه المقاطع على أغاني تشيد بالرئيس عبد الفتاح السيسي. وفي وسائل الإعلام، كرست العديد من المقالات الصحافية والتقارير الإخبارية التلفزيونية لتمجيد العاملين في القطاع الطبي.

ثم بعد ساعات قليلة من ظهور الدعوات للإضراب والاستقالة، وكذلك الانتقادات التي وجهتها نقابة الأطباء، وجد العاملون في القطاع الطبي أنفسهم في مرمى النيران وقد اتهموا بأنهم «دمى يحركها الإخوان المسلمون».

وخصت صحيفة الأهرام المملوكة للدولة بالذكر طبيبًا استقال من مستشفى المنيرة بعد أن مات زميل له، منددة به باعتباره عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين.

في تلك الأثناء، اتهم موقع اليوم السابع الموالي للجيش ياسين أقطاي، مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بتنسيق سخط الأطباء، بينما اتهم موقع آخر، هو صدى البلد، المقاول المصري المنشق محمد علي بأنه «ينفذ أوامر صدرت له من أجهزة مخابرات أجنبية للتحريض على الغضب بين الأطباء».

وفي تصريح لموقع «ميدل إيست آي» قالت ميساء عطوة، عضو لجنة القوى العاملة في البرلمان المصري: «جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية هي من يحرض الأطباء ويروج لمطالبهم».

وعندما طُلب منها تقديم الدليل على أن الجماعة هي التي تقف وراء الدعوات للإضراب، قالت البرلمانية الموالية للحكومة: «العديد من الحسابات والمواقع الموالية للجماعة الإرهابية تعطي الانطباع بأن الدولة لا تقدر جيش مصر الأبيض وأن الأطباء تم التخلي عنهم من قبل الشعب والحكومة».

وحول الدعوات للإضراب وللاستقالة، قالت ميساء: «سوف تعامل هذه الدعوات على أنها خيانة عظمى». وأضافت إن «خدمة البلد في مثل هذا الوقت الحرج دور وطني لا ينبغي أن يتخلى عنه أحد».

في هذه الأثناء قلل مصدر في نقابة الأطباء من أهمية الاتهامات الموجهة للأطباء بأنهم «يخضعون لجماعة الإخوان المسلمين» وقال إنها ليست جديدة. وقال المصدر في تصريح لموقع «ميدل إيست آي»: «تستخدم الدولة هذه التهم لنزع المصداقية عن أي انتقاد، حتى لو كان هذا الانتقاد من أجل مصلحة المواطن».

وأضاف: «إن مطالب الأطباء مشروعة وليست مسيسة. نحن بحاجة إلى حماية وإلى فحوصات كوفيد-19 وإلى مرافق للحجر الصحي، ومن الطبيعي أن تكون الأولوية في ذلك للعاملين في القطاع الطبي لأن طبيبًا مصابًا واحدًا يمكنه أن ينقل العدوى إلى عشرات المرضى وإلى عشرات من زملائهواستدرك المصدر إن الوضع الحالي حرج جدًا والمستشفيات تكاد تكون ممتلئة تمامًا.

وأوضح: «ترفض العديد من المستشفيات استقبال المرضى، ليس بسبب قرار الوزارة عدم إجراء الفحوصات وإنما بسبب عدم توفر الأسرة. ونحن نطالب الحكومة والناس بالتفكير بطريقة براغماتية. إذا ما أصيب عدد كبير من الأطباء فمن ذا الذي سيعالجنا إذا مرضنا؟».

باتت المستشفيات عاجزة

بالنسبة لأحد كبار الأطباء في مستشفى الدمرداش العام، يعتبر الإضراب عن العمل أصغر المشاكل التي تواجه الحكومة.

وفي تصريح لموقع «ميدل إيست آي»، قال الطبيب الذي اشترط عدم الكشف عن هويته نظرًا لحساسية الموضوع: «يكمن الخطر الحقيقي في توقف الأطباء عن الحضور إلى أماكن عمليهم إما لأنهم توفوا أو لأنهم مرضى أو لأنهم يخشون على أنفسهم من انتقال عدوى الفيروس إليهم».

وحذر من أن ثمة احتمالًا حقيقيًا بأن مئات الأطباء الذي تخرجوا حديثًا، والذين يجري توزيعهم على المستشفيات الحكومية في مختلف أرجاء البلد «قد يقررون عدم الحضور إلى العمل حماية لأنفسهم وعائلاتهم بسبب الأوضاع الفاضحة التي نشهدهاوأضاف: «وأما بالنسبة لمن هم على رأس عملهم حاليًا، فلسوف يخلون مواقعهم إذا ما رأوا أن الحكومة تبدي اهتمامًا أكبر بإجراء فحوصات لمشاهير التلفزيون وأعضاء البرلمان وأفراد الجهاز القضائي».

وفي تصريح لموقع «ميدل إيست آي»، قالت سامية، الطبيبة البالغة من العمر 29 عامًا، والتي تعمل في مستشفى العجمي في الإسكندرية: «لا يحتاج الأطباء إلى الأغاني والدعايات والشعارات التي تصفهم بأنهم جيش، لأنهم إنما يقومون بعملهم بالرغم من أنهم يتقاضون رواتب متدنية وتثقل كواهلهم بالأعباء. إنهم بحاجة للحماية البدنية، والتي في حد ذاتيها تعتبر جزءًا أساسيًا من الجهود التي تبذل لمكافحة الفيروس».

وأعربت عن استيائها لقيام الدولة بحركات بهلوانية تمثلت بإرسال الكمامات ومعدات الحماية الشخصية إلى الولايات المتحدة، وبريطانيا، وإيطاليا، بينما تضطر هي وزملاؤها إلى شراء نفس هذه المعدات عبر الإنترنت ومن السوق السوداء. وقالت: «يتم تزويدنا بكمامتين جراحيتين يوميًا وببعض القفازات. بعض المرضى يتوفر لديهم كمامات 95، بينما لا تتوفر لدينا».

وتساءلت: «كيف يمكن لدولة لديها شح شديد في التجهيزات اللازمة لمكافحة الفيروس، والتي يضطر الممرضون والأطباء فيها إلى ارتداء أكياس القمامة لحماية أنفسهم، أن ترسل مجانًا معدات وقاية شخصية إلى البلدان الثرية المتحالفة مع الحكومة؟».

بينما تجاوز عدد حالات الإصابة المؤكدة في مصر 19 ألف حالة، توقع المستشار الرئاسي للشؤون الصحية محمد عوض تاج الدين أن يصل الوباء ذروته خلال أسبوعين من الآن. فيما يسعى البلد حاليًا إلى فتح بعض الفنادق السياحية والمصانع والمحاكم والمؤسسات العامة والخاصة.

بدأ المصريون في تخفيف بعض الإجراءات الاحترازية، وكثيرون منهم باتوا يتجاهلون إجراءات التباعد الاجتماعي ولا يلتزمون بحظر التجول، وبدأت المحلات التجارية والبنوك والمطاعم والأسواق تشهد عودة الحشود إليها.

صحة

منذ 6 شهور
«نيويورك تايمز»: 10 دول أفريقية لا تمتلك أجهزة التنفس الصناعي لمواجهة كورونا

في هذه الأثناء، قال أحد كبار الأطباء في مدينة الفيوم إنه والعاملين معه يضطرون في المستشفى الذي يعمل داخله إلى رفض استقبال العشرات من الناس، بما في ذلك بعض العاملين في القطاع الطبي، وذلك بشكل يومي، فالمستشفيات ممتلئة ولم يعد فيها مجال لاستقبال المزيد من المرضى.

وقال: «إذا ما استمرت الحكومة في تجاهل مطالب الأطباء وإذا ما مضت في خطواتها نحو فتح البلاد من جديد، فسوف يسود الهلع وتعم الفوضى، حيث إن المستشفيات ستصبح عاجزة، وسيؤدي ذلك إلى العنف والمحسوبية».

وأضاف: «كل المعدات العسكرية وكل الجنود في العالم لن تجدي نفعًا إذا لم يكن لديك طبيب معافى قادر على علاجهم عندما يعجزون عن التنفس. سوف نضطر بهذا المعدل إلى الاختيار بين من نفصل عنه أجهزة التنفس ومن نبقيه على قيد الحياة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد