نشرت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية مقالًا لدارون أسيموغلو، وهو اقتصادي تركي أمريكي، استهجن فيه انقضاض ترامب على المؤسسات الأمريكية، مؤكدًا أن «الخبرة المستقلة هي أولى ضحايا انحسار الديمقراطية».

وفي مستهل مقاله، ذكر الكاتب أن رد فعل حكومة الولايات المتحدة على جائحة فيروس كورونا المستجد كان مربكًا، وغير متناسق، وذا نتائج عكسية. منذ فبراير (شبّاط)، أظهرت البيانات التي أعلنتها الصين وكوريا الجنوبية وإيطاليا، بوضوح أن الفيروس ينتشر بسرعة في المناطق التي لا تلتزم بالتباعد الاجتماعي، وأن الإجراءات البسيطة لعزل الناس بعضهم عن بعض يمكن أن تبطئ من معدل الإصابة الجديدة على نحو كبير.

دولي

منذ 7 شهور
هل يشهد «عالم ما بعد كورونا» تفكك الاتحاد الأوروبي؟

لكن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تُنسِّق لتطبيق أي تباعد اجتماعي. وحتى بعدما اكتظت المستشفيات الإيطالية بالحالات الخطيرة، بذلت الإدارة الأمريكية جهودًا قليلة لدعم نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، أو لزيادة عدد أجهزة التنفس الصناعي في المستشفيات، أو لإجراء اختبارات الإصابة بالفيروس على نطاق واسع.

ويُحمِّل كثيرون الرئيسَ مسؤولية هذه الإخفاقات؛ إذ إنه هو الذي قلل في البداية من شأن خطورة الأزمة. ففي 4 مارس (آذار)، أصر ترامب على أن كوفيد-19، المرض الناجم عن فيروس كورونا المستجد، ليس أسوأ من الإنفلونزا. وبعد مرور أسبوع، زعم أن نظام الرعاية الصحية الأمريكي على استعداد جيد لتفشي الفيروس. ونظرًا لتشجيعه الأمة على المضي قدمًا دون قصدٍ أو وعي في طريق الأزمة، يستحق ترامب اللوم بالفعل. ولكن الأمر الأكثر مدعاةً لإلقاء اللوم على الرئيس هو انقضاضه على المؤسسات الأمريكية، والذي بدأ قبل فترة طويلة من ظهور فيروس كورونا المستجد، وسيتضح للعيان بعد وقت طويل من انتهاء الأزمة.

ومن خلال هجومه بلا هوادة على معايير الاحترافية والاستقلالية والخبرة التقنية، وإعطاء الأولوية للولاء السياسي قبل كل شيء، أضعف ترامب البيروقراطية الفيدرالية إلى حد أنها أصبحت الآن تشبه «صحيفة ليفياثان»، وهو مصطلح اقتصادي سياسي استخدمه الكاتب جيمس روبنسون لوصف الدول الاستبدادية، التي لا توفر سوى مساحة ضئيلة للمساهمة الديمقراطية أو انتقاد الحكومة؛ ونتيجةً لذلك، تُظْهِر هذه البيروقراطية الفيدرالية كفاءةً ضئيلةً كالورقة الرقيقة في صنع السياسات.

واعتاد البيروقراطيون في هذه البلدان على كَيْل المديح لمستويات القيادة العليا، والموافقة على ما يقولون، وأخذ الأوامر منهم بدلًا من استخدام خبراتهم لحل المشكلات. وكلما زاد عدد البيروقراطيين الأمريكيين الذين يُشبِهون التابعين المؤيدين على طول الخط للاستبداديين، قلَّت ثقة المجتمع بهم، وقلَّت فعاليتهم في لحظات مثل هذه الأزمات.

Embed from Getty Images

كيف تموت الديمقراطية؟

وأوضح الكاتب أنه في غضون ما يزيد بقليل على ثلاث سنوات في منصبه، قلب ترامب العديد من المعايير السياسية رأسًا على عقب، والتي كانت سابقًا أساس عمل النظام السياسي الأمريكي، لا سيما التوقعات بأن الرئيس لن يُدلي بأكاذيب صارخة، ولن يتدخل في القضايا المرفوعة في المحاكم، ولن يُعيق تحقيقات تنفيذ القانون، ولن يغض الطرف عن العنف الذي يُحدِثه الغوغاء، ناهيك عن تشجيعه، ولن يتربح – أو يسمح لعائلته بالتربح – من سلطته وامتيازاته التنفيذية، ولن يمارس التمييز ضد المواطنين على أساس الجنس أو العِرق أو الدين.

ولمَّا فرَّغ ترامب هذه المعايير من مضامينها، عَمِل بذلك على تسريع وتيرة الاستقطاب في السياسة الأمريكية؛ وهو توجُّه مُدمِّر خاضَ غماره سابقوه، لكنه اشتد أثناء وجوده في السلطة. وتكاليف الاستقطاب واضحة ليس فحسب في قسوة الخطاب السياسي، ولكن أيضًا في عدم قدرة السياسيين على المواءمة لحل المشكلات الأساسية، مثل: قلة الرعاية الصحية للملايين، والوضع المتداعي للبنية التحتية العامة غير الموثقة أو المتدهورة، أو حتى منع تعطيل الحكومة الفيدرالية الأمريكية دوريًّا.

يضيف الكاتب أن فترة حكم ترامب أكثر كارثية لواحدةٍ من أهم الركائز المؤسسيَّة التي قيَّدت السلطة التنفيذية خلال القرنين الماضيين، وهي: الخدمة المدنية. ومن المؤكد أن مَنْح الرئيس سلطات شاملة لإجراء التعيينات في المناصب العليا ستكون نتيجته أن المؤسسات السياسية الأمريكية لن تجعل من السهل بالنسبة لأهل الخبرة والاحترافية غير الحزبيين ترسيخ أقدامهم في الوكالات التنفيذية.

ولكن حتى في ظل الإدارات ذات الأولويات وجداول الأعمال السياسية المختلفة للغاية، تمكَّنت معظم الإدارات من العمل بفعالية، واتباع سياسات سليمة في مجالات متنوعة كالتعليم والبيئة، والتجارة والملاحة الجوية والفضاء، والسيطرة على الأمراض بالطبع. ومن خلال التمسك بالقواعد والإجراءات غير الحزبية والاعتماد على الخبرة التكنوقراطية، يعمل البيروقراطيون المحترفون، الذين يخدمون تحت إدارة سياسيين مُعيَّنين، كحواجز حماية للإدارات، مما يمنع تنفيذ السياسات الأكثر تطرفًا، أو السياسات الحزبية السافرة. وكانت الخدمة المدنية المهنية هي آخر وأقوى حائط صد ضد الكوارث الطبيعية وحالات الطوارئ الصحية.

ولم تفشل إدارة ترامب فقط في الحفاظ على البنية التحتية الصحية الحرجة، التي تحمي الشعب من الأمراض المعدية فحسب – على سبيل المثال، حلَّ ترامب وحدة الاستعداد للوباء التي كانت جزءًا من مجلس الأمن القومي حتى عام 2018 – ولكنها أيضًا أضعفت الخدمة المدنية بفاعلية. وأجبر عداء الرئيس لأهل الخبرة المحايدين، العديد من الموظفين الفيدراليين الأكثر قدرة وخبرة، على الاستقالة، ليحل محلهم الموالون له فقط. كما أن هجومه المستمر على أولئك الذين يناقضون أكاذيبه أو يشيرون إلى وجود مشكلات في سياسات إدارته أوجدت أجواءً من الخوف تمنع البيروقراطيين من رفع أصواتهم.

Embed from Getty Images

مؤتمر صحافي مشترك، الرئيس ترامب وأنتوني فوسي رئيس المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية الأمريكي

يوضح الكاتب أن هذا التحفظ يفسر جزئيًّا، الاستجابة الأولية البطيئة والصامتة وغير الفعالة لتفشي فيروس كورونا المستجد من طرف وكالات الصحة الفيدرالية؛ مثل مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها. وأظهر الرئيس أنه على استعداد للانقضاض علنًا ​​على الموظفين المدنيين الذين أغضبوه، كما فعل مع الكولونيل ألكسندر فيندمان، الموظف السابق في مجلس الأمن القومي، الذي أدلى بشهادته في تحقيقات عزل ترامب، وبذلك أصبح الدافع جارفًا نحو الالتزام بما يقوله هو، أو على الأقل عدم مخالفته علانيةً.

وعلى أي حال، دقَّ بعض المسؤولين، مثل أنتوني فوشي، مدير المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية، ناقوس الخطر. ولكن حتى فوشي اعترف قائلًا: «أنت لا تريد خوض حربٍ مع رئيس… ولكن عليك أن تسير في توازن دقيق للتأكد من أنك تستمر في قول الحقيقة».

يقود هجوم ترامب على البيروقراطية الفيدرالية الولايات المتحدة نحو السير في طريق الانحلال المؤسسي، وهو المسار الذي سلكته العديد من الدول التي كانت ديمقراطية يومًا ما، وأصبحت الآن استبدادية. من الأرجنتين في عهد خوان بيرون في منتصف القرن العشرين، إلى المجر تحت حكم فيكتور أوربان، وتركيا في عهد رجب طيب أردوغان اليوم، كانت نقطة التحول في كل هذه المآسي تقريبًا فقدان الاستقلالية في مجالي الخدمة المدنية والقضاء.

وغالبًا ما تبدأ الحكاية المتكررة بمؤسسات الدولة المليئة بالمستبدين المحتملين، إلى جانب الموالين الذين يرددون كالببغاوات ما يريد الزعيم سماعه. ومن ثم تأتي الأخطاء الحتمية المتعلقة بالسياسات، حين تتغلب الأيديولوجية والتزلف على النصيحة الصادقة. ولكن دون الاستقلال والالتزام بالخبرة، يضاعف السياسيون والبيروقراطيون الكبار والقضاة أخطاءهم، ويهمِّشون أي شخص يتكلم ضدهم. ومع تضاؤل ​​ثقة الجمهور في مؤسسات الدولة وفقْد موظفي الخدمة المدنية إحساسهم بالمسؤولية أمام عامة الناس، يمكن أن يتبدل حال الولايات المتحدة سريعًا ليصبح كحال «صحيفة ليفياثان».

لم يفُت الأوان بعد

وشدد الكاتب على أن الأوان لم يفُت بعد لتحويل دفة الأضرار التي ألحقها ترامب بالمؤسسات الأمريكية والبيروقراطية الفيدرالية. والخطوة الأولى نحو فعل ذلك هي: التخلي عن الأسطورة الخطيرة القائلة بأن الدستور، الذي صاغه الآباء المؤسسون ببراعة، يمكن أن يحمي الديمقراطية الأمريكية حتى من رئيس نرجسي لا يمكن التنبؤ بأفعاله، واستقطابي، واستبدادي.

إذ أعلن جيمس ماديسون في البند 57 من «الأوراق الفيدرالية» أن: «الهدف من أيِّ دستور سياسي هو، أو يجب أن يكون، التوصُّل أولًا إلى حكَّام يتمتعون بجُلِّ الحكمة للتمييز، وبجُلِّ الفضيلة لمواصلة العمل، وبالصالح العام للمجتمع؛ وفي المقام التالي، يلزمهم اتخاذ الاحتياطات الأكثر فعالية ليظلوا فضلاء، بينما يستمرون في الاحتفاظ بثقة العامة فيهم». ويتساءل الكاتب: «لقد فشل دستور الولايات المتحدة تمامًا في الشِّق الأول؛ لماذا إذن يجب على أي شخص أن يثق في نجاحه في الشِّق الثاني؟».

Embed from Getty Images

لا يمكن لأي قدر من الضوابط أو التوازنات الدستورية كبح جماح هذا الرئيس أو آخرين أمثاله؛ إذ إن الفصل بين السلطات لم ينجح في ذلك. وإذا افترضنا أنه جرى احتواؤه بقدرٍ ما، فالفضل في ذلك يرجع إلى وسائل الإعلام والمجتمع المدني والناخبين. صحيح أن مجلس النواب وقف ضد العديد من أسوأ سياسات ترامب، حين ذهب إلى حد محاكمته وعزله، لكن الناخبين هم الذين أجبروا مجلس النواب على هذا التصرف، من خلال الإفصاح عن تفضيلاتهم في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.

وبالمثل، عندما تصرف القضاء – على سبيل المثال عن طريق تجميد قرار ترامب بحظر السفر الذي كان يستهدف الدول ذات الأغلبية المسلمة – فعل القضاء ذلك غالبًا بسبب الدعاوى القضائية، والإجراءات التي رفعتها منظمات مثل اتحاد الحريات المدنية الأمريكية. ومع فشل الدستور في تقييد الرئيس، وتَعرُّض الخدمة المدنية للهجوم من جانبه، سيتطلب الأمر مشاركة مجتمعية في السياسة، وكذلك في القيادة من جانب حكومات الولايات والحكومات المحلية، والشركات الخاصة لإعادة بَعْث المؤسسات الأمريكية. ولن يكون كافيًّا انتخاب رئيس جديد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020. ويجب أن يشمل العمل الجاد المجتمع المدني والمؤسسات الخاصة التي تعمل مع الدولة، لمعالجة المشاكل المؤسسية والاقتصادية الرئيسية.

واختتم الكاتب مقاله مؤكدًا أن هذا التحالف سيحتاج من الجهات الفاعلة نفسها إلى النظر إلى الولايات المتحدة من منظور أزمة فيروس كورونا المستجد. وقد تحرك البيت الأبيض أخيرًا، لكن ما يفعله ما يزال كافيًا. وأجهزة التنفس الصناعي وأجهزة الاختبار غير متوفرة حتى الآن في أي مكان بأعداد تقارب الأعداد اللازمة، ويبدو أنه لا توجد خطة متماسكة للحفاظ على التباعد الاجتماعي أو تنشيط الاقتصاد مرة أخرى، (وهو أمر ضروري لتجنب الانهيار الاقتصادي) في الوقت نفسه.

ومع فشل الإدارة والبيروقراطية الفيدرالية في إحراز تقدم، يجب على المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والخبراء خارج الحكومة ممارسة ضغوط إضافية على الإدارة، وفي الوقت نفسه العمل على تحسين الأوضاع بأنفسهم؛ تلك التي فشل غيرهم في تحسينها. والأمر صعب بلا شك، لكن تايوان تقدم نموذجًا لكيفية مساعدة المجتمع في تطوير حلول تستكمل جهود الحكومة لإبطاء انتشار الفيروس والحد من عدد ضحاياه. وسيتعين على الولايات المتحدة أن تفعل المزيد لتقوية نظام الرعاية الصحية الفاشل، وإعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة.

دولي

منذ 7 شهور
«الإندبندنت»: ماذا لو أصيب ترامب بفيروس كورونا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد