يقول الخبراء إن العالم لم يواجه مطلقًا أزمة غذاء عالمية وحالة طوارئ ناجمة عن الجوع مثل الأزمة الراهنة، التي قد تؤدي إلى مضاعفة أعداد الأشخاص الذين يتضورون جوعًا لتصل إلى 265 مليونًا بنهاية هذا العام.

حول هذه الأزمة التي يعاني منها الكثير حول العالم، نشرت جريدة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا لمجموعة من مراسليها حول العالم، استهل التقرير من كايبيرا، أكبر الأحياء الفقيرة في العاصمة الكينية نيروبي، حيث تهافت الناس المستميتون للحصول على الطعام على قافلة تبرعات وصلت إليهم مؤخرًا تحمل الدقيق وزيت الطهي تهافت الفراش على النار، مما أدى إلى إصابة العشرات ومقتل شخصين. 

دولي

منذ 3 شهور
جنوب السودان يودع الحروب.. لكن مهلًا هل سيودع الجوع أيضًا؟

وانتقل التقرير إلى الهند، حيث يقف الآلاف من العمال مرتين يوميًّا في صفوف للحصول على الخبز والخضروات المقلية لسد رمقهم. ثم جاب طول كولومبيا وعرضها، حيث ترفع العائلات الفقيرة راياتٍ وأعلامًا حمراء من نوافذها وشرفاتها في إشارة إلى أن الجوع عضَّها بنابه.

تقول بولين كاروشي، التي فقدت عملها في محل مجوهرات في نيروبي، وتعيش في غرفتين مع طفلٍ لها وأربعة أقارب آخرين: «لم يعد لدينا أي أموال، والآن نحتاج إلى مواصلة الحياة، وهذا يعني الاقتصاد في تناول الطعام».

فيروس المساواة

ويوضح الكاتب أن جائحة فيروس كورونا تسببت في جوع الملايين من الناس حول العالم. كما تؤدي عمليات الإغلاق الكامل وتدابير التباعد الاجتماعي على المستوى الوطني إلى الفَقْد التدريجي للعمل والدخل، ومن المرجح أن تؤدي إلى تعطيل الإنتاج الزراعي وطرق الإمداد؛ مما يترك الملايين فرائس للقلق بشأن الحصول على ما يكفي لسد جوعهم. 

ويُطلق على فيروس كورونا أحيانًا اسم «فيروس المساواة» لأنه أمرض الأغنياء والفقراء على حد سواء، ولكن القواسم المشتركة تنتهي عندما يتعلق الأمر بالطعام. فالفقراء، بما في ذلك قطاعات كبيرة من الدول الأكثر فقرًا، هم الذين يعانون الآن من الجوع ويواجهون خطر تفاقم الأمر إلى مستوى المجاعة.

تقول آشا جعفر، وهي متطوعة ضمن الفريق الذي حمل الطعام إلى العائلات في حي كايبيرا الفقير في نيروبي بعد التدافع المميت: «لم يكن فيروس كورونا سوى فيروس مساواة كبير. لقد كان كاشفًا عظيمًا للمستور؛ إذ إنه أماط اللثام مرةً أخرى عن الانقسام الطبقي وأوضح المدى الذي بلغه عدم المساواة في هذه البلاد».

وقال عارف حسين، كبير الخبراء الاقتصاديين في برنامج الغذاء العالمي، وهو وكالة تابعة للأمم المتحدة: إن 135 مليون شخص يواجهون بالفعل نقصًا حادًّا في الغذاء، ولكن في ظل وجود الجائحة الآن، ربما يعاني 130 مليون آخرين من الجوع في عام 2020. وإجمالًا، يمكن أن يُدفَع ما يقدَّر بنحو 265 مليون شخص إلى حافة المجاعة بحلول نهاية هذا العام.

وأضاف حسين: «لم نرَ شيئًا كهذا من قبل. ولم تكن الصورة جميلة لنبدأ بها، ولكنها تضع المنطقة في ظروف غير مسبوقة، وكأنها غير موجودة على الخريطة».

أزمة عالمية

يلفت التقرير إلى أن العالم تعرَّض لأزمات الجوع الحاد من قبل، ولكن تلك الأزمات كانت إقليمية وناجمة عن عامل واحد أو آخر؛ طقس عنيف أو انكماش اقتصادي أو حروب أو عدم استقرار سياسي. بينما يقول الخبراء إن أزمة الجوع الحالية عالمية وناجمة عن عديد من العوامل المرتبطة بجائحة فيروس كورونا وما أعقب ذلك من توقفٍ للنظام الاقتصادي: الخسارة المفاجئة في الدخل لملايين لا تعد ولا تحصى ممن كانوا يعيشون على الكفاف بالفعل، والانهيار في أسعار النفط، والنقص الشديد في العملة الصعبة بسبب التوقف التدريجي للسياحة، والعمالة الأجنبية التي لا تتحصل على دخلٍ يُمكِّنها من العودة إلى أرض الوطن، والمشكلات المستمرة مثل تغير المناخ والعنف وتشريد السكان والكوارث الإنسانية.

Embed from Getty Images

معونة غذائية تركية وصلت كينيا في 2017 

ومن هندوراس إلى جنوب أفريقيا إلى الهند، اندلعت الاحتجاجات وأعمال النهب وسط إحباط من الإغلاق الكامل والمخاوف بشأن الجوع. ومع إغلاق الصفوف الدراسية، فقد أكثر من 368 مليون طفل الوجبات المغذية والخفيفة التي يتلقونها عادةً في المدرسة.

وحتى الآن، لا يوجد نقص في الغذاء على الصعيد العالمي أو مجاعة جماعية جرَّاء الجائحة. لكن يوهان سوينن، المدير العام للمعهد الدولي لأبحاث سياسة الغذاء في واشنطن، يقول إن المشاكل اللوجستية في الزراعة والحصاد ونقل الأغذية ستؤثر سلبًا على البلاد الفقيرة في الأشهر المقبلة، وخاصة تلك البلاد التي تعتمد على الواردات. وأضاف أنه في حين يُنظَّم توزيع الأغذية وتجارة التجزئة ويُشغَّل آليًّا في الدول الغنية، فإن الأنظمة في البلدان النامية «تتطلب عمالة كثيفة»، مما يزيد من إمكانية «تعرُّض سلاسل التوريد هذه للمخاطر المترتبة على مرض كوفيد-19 وقواعد التباعد الاجتماعي».

واستدرك المراسل قائلًا: لكن، وحتى لو لم تحدث زيادة كبيرة في أسعار المواد الغذائية، فمن المرجح أن تتدهور أوضاع الأمن الغذائي للفقراء تدهورًا ملحوظًا في جميع أنحاء العالم. وينطبق هذا خاصة على اقتصادات مثل السودان وزيمبابوي التي كانت متأزمة قبل تفشي المرض، أو مثل إيران التي تستخدم عائدات النفط على نحو متزايد لتمويل السلع الأساسية كالغذاء والدواء. وفي فنزويلا، يمكن أن توجِّه الجائحة ضربة مدمرة لملايين الأشخاص الذين يعيشون بالفعل في أكبر انهيار اقتصادي في العالم في غير زمن الحرب.

ينتقل التقرير إلى حي بيتاري الفقير مترامي الأطراف في ضواحي العاصمة الفنزويلية كاراكاس، حيث فَقَد فريدي باستاردو وخمسة آخرون في منزله وظائفهم بسبب الإغلاق الكامل للبلاد. ونفدت منذ فترة طويلة الحصص التموينية التي تقدمها الحكومة للمواطنين، والتي كانت تصل مرة واحدة فقط كل شهرين قبل اندلاع الأزمة. 

ويقول السيد باستاردو، البالغ من العمر 25 عامًا ويعمل في وظيفة حارس أمن، «نفكر بالفعل في بيع أشياء لا نستخدمها في المنزل حتى يتسنى لنا أن نسد رمقنا. أعرف أن بعض جيراننا لا يجدون الطعام، ويساورني القلق من أنه إذا بدأت الاحتجاجات، فلن نتمكن من الخروج من منازلنا».

كما تتزايد حالة عدم اليقين بشأن الغذاء في الهند، فالعمال الذين يعملون مقابل أجر يومي، ويتمتعون بشبكة أمان اجتماعي بسيطة أو ليس لديهم مثل هذه الشبكة، يواجهون مستقبلًا يمثل فيه الجوع تهديدًا فوريًّا أنكى من الفيروس. يقول أميتاب بيهار، الرئيس التنفيذي لمنظمة أوكسفام إنديا، إنه مع التوقف التدريجي للأجور، يُقدَّر أن نصف مليون شخص غادروا المدن عائدين أدراجهم إلى منازلهم، مما أدى إلى «أكبر هجرة جماعية في البلاد منذ الاستقلال». 

مجتمع

منذ 9 شهور
«تايم»: 5.5 مليون لا يصلهم غذاء كاف.. لماذا تعجز أمريكا عن إطعام كبار السن؟

وفي إحدى الأمسيات مؤخرًا، جلس المئات من العمال المهاجرين، الذين ظلوا عالقين في مدينة نيودلهي بعد فرض إغلاق كامل في مارس (آذار) دون سابق إنذار، تحت مظلة أحد الجسور ينتظرون وصول الطعام. وكانت حكومة دلهي قد أقامت مطاعم للفقراء (حيث يُقدَّم الطعام مجانًا)، لكن العمال مثل نيهال سينج يشعرون بالجوع بعد زيادة الحشود في هذه المراكز زيادة كبيرة في الأيام الأخيرة.

يقول السيد سينج، الذي كان يأمل في تناول أول وجبة له في اليوم: «سيقتلنا الجوع، وليس فيروس كورونا. لقد تعارك المهاجرون الذين ينتظرون في الصفوف للحصول على الطعام مع بعضهم البعض بسبب طبق من الأرز والعدس». وهو يشعر بالخجل من التسول للحصول على الطعام، ولكن ليس لديه خيار آخر. وأضاف: «لقد سحق الإغلاق الكامل كرامتنا بكلتا قدميه».

الفئات الأكثر تضررًا

وتوقع التقرير أن يكون اللاجئون والأشخاص الذين يعيشون في مناطق النزاع هم الأكثر تضررًا. وحظر التجول والقيود المفروضة على الحركة تسحق بالفعل الدخول الضئيلة للنازحين في أوغندا وإثيوبيا، وتوصيل البذور والأدوات الزراعية في جنوب السودان وتوزيع المساعدات الغذائية في جمهورية أفريقيا الوسطى. 

Embed from Getty Images

وأفادت لجنة الإنقاذ الدولية أن إجراءات احتواء العدوى في النيجر، التي تستضيف ما يقرب من 60 ألف لاجئ فرُّوا من الصراع في مالي، أدَّت إلى ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية. ونقل التقرير عن كورت تجوسيم، نائب الرئيس الإقليمي لشرق أفريقيا في لجنة الإنقاذ الدولية، قوله: إن الآثار الناجمة عن القيود المفروضة «قد تتسبب في معاناة أكبر من التي يسببها المرض نفسه». 

وقال أحمد بيوش، وهو عامل بناء كان قد نزح إلى محافظة إدلب في شمال سوريا: إنه وكثيرون آخرون وقَّعوا على طلبات لتلقي الغذاء من منظمات الإغاثة، لكن الغذاء لم يصل إليهم بعد. وأضاف: «أتوقع أننا سنعاني من جوع حقيقي إذا استمر الحال على هذا النحو في الشمال».

وتؤدي الجائحة أيضًا إلى إبطاء الجهود المبذولة للتعامل مع وباء الجراد التاريخي الذي دمَّر الشرق والقرن الأفريقي. وهذا التفشي هو أسوأ ما شهدته المنطقة منذ عقود، ويأتي في أعقاب عام يتسم بالجفاف الشديد والفيضانات. ويقول سيريل فيراند، رئيس فريق الصمود بمنظمة الأغذية والزراعة في شرق أفريقيا، إن وصول مليارات الأسراب الجديدة من الجراد يمكن أن يُعمِّق من أزمة انعدام الأمن الغذائي.

وأضاف السيد فيراند أن حظر السفر وإغلاق المطارات يقطع الطريق أمام إمدادات المبيدات التي يمكن أن تساعد في الحد من أعداد الجراد وإنقاذ المراعي والمحاصيل. وفي حين يضرب الجوع كثيرين، ينتشر القلق في عدد من البلاد من أن نقص الغذاء سيؤدي إلى تنافر اجتماعي. 

ففي كولومبيا، بدأ سكان ولاية لا جواجيرا الساحلية إغلاق الطرق بغرض لفت الانتباه إلى حاجتهم إلى الطعام. وفي جنوب أفريقيا، اقتحم مثيرو الشغب أكشاك الطعام في الأحياء ودخلوا في مواجهات مع الشرطة.

وحتى قوافل الطعام الخيرية يمكن أن تُعرِّض الناس للإصابة بالفيروس عندما تلتقي الحشود للحصول على الطعام، كما حدث في مدينة كيبيرا المكونة من الأكواخ في نيروبي في وقت سابق من هذا الشهر. تقول فالنتين أكينيي، التي تعمل في مكتب حكومة المقاطعة حيث يُوزَّع الطعام: «اتصل الناس ببعضهم البعض وانطلقوا. لقد فَقَد الناس وظائفهم، وهذا يوضح لك إلى أي مدى وصل بهم الجوع».

إجراءات للتخفيف من آثار الأزمة

وأفاد المراسل أنه للتخفيف من آثار هذه الأزمة، تُثبِّت بعض الحكومات أسعار المواد الغذائية، وتُقدِّم الطعام مجانًا وتضع خططًا لإرسال تحويلات مالية إلى العائلات الأكثر فقرًا. ومع ذلك، فإن المجتمعات في جميع أنحاء العالم تواجه هذه المشكلات بنفسها. ويجمع البعض الأموال من خلال منصات التمويل الجماعي، بينما يبدأ البعض الآخر في برامج لشراء وجبات للعائلات الفقيرة.

Embed from Getty Images

وبعد ظهر أحد الأيام، مضت السيدة آشا جعفر ومجموعة من المتطوعين في طريقهم عبر كايبيرا، حيث قدَّموا أشياء مثل السكر والدقيق والأرز والفوط الصحية إلى عشرات العائلات. وتقول السيدة آشا، وهي من سكان المنطقة نفسها، إنها بدأت حملة توفير الطعام بعد سماع العديد من القصص من العائلات التي قالت إنهم وأطفالهم ينامون جوعى.

واختتم المراسل تقريره موضحًا أن حملة توفير الطعام نجحت في الوصول إلى 500 عائلة حتى الآن. ولكن مع كل دعوات المساعدة التي تتلقاها، قالت آشا: «هذا مجرد نقطة في محيط».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد