يستعرض هذا التقرير الذي أعده تيرينس مكوي وهلويسا تريانو قصص من انتقال الناس من كافة أنحاء البرازيل من أجل العمل في الغابات من أجل الذهب، مدفوعين بغلاء أسعار جنوني وتزايد في نسبة البطالة وتراخ حكومي في تنفيذ القوانين.

أليساندرو سوزا صياد الذهب، الذي يطارده في عمق أراضي السكان الأصليين المحمية في غابة الأمازون المطيرة؛ إذ يسافر أيامًا بالقارب، ومشيا على الأقدام، ولا يعود إلا وجيوبه ممتلئة. أحيانًا يغيب سوزا شهرين، وأحيانًا ستة، لكنه بالتأكيد سيعود لأن التنقيب عن الذهب عمله، وهذا العمل يزدهر.

أرسل سوزا «بورصة اليوم» إلى مجموعته على «واتساب» «منقبو الذهب بلا حدود» قائلًا: ارتفع سعر الذهب إلى 1800 دولار للأوقية تقريبًا، مع سهم مرتفع للسماء.

وكما ذكر التقرير أن فيروس كورونا قد دمر البرازيل؛ إذ أصيب أكثر من 4 ملايين شخص بالفيروس، وتوفي أكثر من 130 ألف. لكن الجائحة تسرع أكبر عملية إنتاج للذهب في الأمازون منذ سنوات، ويصاحب ذلك إمكانية حدوث عواقب طويلة الأمد على الغابات المطيرة.

دولي

منذ شهرين
«واشنطن بوست»: لماذا تزداد شعبية رئيس البرازيل في خضم أزمة كورونا؟

الذهب والبطالة

ينتقل الناس من كافة أنحاء البلاد إلى مئات من مواقع التعدين غير القانونية بسبب الارتفاع الجنوني في أسعار الذهب، وتزايد نسبة البطالة، وتراخي الحكومة المشتتة في تنفيذ القوانين، مستولين على أراضي السكان الأصليين المحمية، ومسببين تعرية لمساحات شاسعة من الغابات الجرداء، وتسميم الأنهار بالزئبق، وغسيل أموال الذهب غير القانوني، ومع ذلك فإنهم يفلتون من العقاب إلى حد كبير.

يتركز جزء كبير من هذا النشاط في ولاية بارا الواسعة والواقعة تحت الرقابة، حيث يسكن سوزا في مركز التعدين النائي في مدينة إيتايتوبا، حيث زادت صادرات الذهب بشكل كبير هذه السنة، بحسب التقرير. وبينما نقلت البرازيل تركيزها إلى الوباء، فإن الصادرات قد تضاعفت أربع مرات لتصل إلى 245 مليون دولار خلال الستة أشهر الأولى لهذا العام.

وفي مقابلات أجراها كاتبا التقرير مع مسؤولي تنفيذ القانون وقادة السكان الأصليين والمفتشين الفيدراليين وحتى مع المنقبين عن الذهب، قالوا فيها إن إدارة الرئيس جايير بولسونارو قد أهملت مسؤوليتها كقائم على الأمازون.

وفي الوقت الذي قال فيه العلماء إن إزالة الغابات تسبب زعزعة في استقرارها على نحو خطر، فإن الرئيس بولسونارو ضغط من أجل شرعنة التعدين في أراضي السكان الأصليين وللحد من تطبيق القانون.

استخدم الرئيس الرازيلي بولسونارو – وهو عسكري سابق – الجيش لاتخاذ إجراءات صارمة فيما يخص التدمير البيئي، لكن الأمر لم يكن فعالًا، إذ تم تقييد وكالة الحكومة الرئيسة لإنفاذ القوانين البيئية إيباما بسبب انتقادات بولسونارو واقتطاعات الميزانية وعدم سد الشواغر، بحسب التقرير.

كيف يحرك فيروس كورونا عجلة الذهب غير القانونية في الأمازون؟

وتم الحد من تدمير معدات التعدين التي وجدت في حفر ذهب غير قانونية – وهو تكتيك يقول المدافعون عنه أنه رادع أساسي – وقللت هذه العمليات من الجريمة في الأمازون.

وقال سيرجيو ليتاو المدير التنفيذي لمؤسسة تشويسز؛ المنظمة البيئية المختصة بتعقب تعدين الذهب خلال الوباء: «هذه اللحظة مختلفة»، وأضاف: «إن تقييم الذهب وأعداد الأيادي العاملة التي تعمل مقابل لا شيء تقريبًا، والحد من إنفاذ القانون، وحكومة تشجع المزيد من تعدين شرعي للذهب يعد بمثابة عاصفة مثالية».

الحكومة و أزمة البيئة

وكما ذكر التقرير أن حكومة بولسونارو رفضت طلب التعليق على الأمر، إذ وافق وزير البيئة ريكاردو ساليس في بادئ الأمر على إجراء مقابلة لكنه تراجع لاحقًا. أما وزارة الدفاع فقد دافعت عن رد الحكومة، إذ صرح الوزير في خطاب له قائلا: «تتهم البلد زورا أنها لا تهتم بالمنطقة»، ونوه في خطابه على عمليات إنفاذ القانون الأخيرة وعلى التعقيدات في حراسة غابة وصفها أنها «ذات أبعاد قارية».

وكما جاء في التقرير أن سوزا الذي بحث عن الذهب في كافة أنحاء الأمازون بدون ترخيص وعلى أرض محمية، قال إن الفقر والبيروقراطية لم يتركا له خيارًا، وأضاف: «لا نملك خيارات أخرى».

قام سوزا بما في وسعه لئلا يمسك به، لأن الحفرة القادمة ستكون عميقة جدًا في غابة السكان الأصليين – ستة أيام بالقارب وعلى الأقدام – ولا يتوقع أن يصادف أحدًا سوى الغابة والذهب. لا يعد تعدين الذهب غير الشرعي إلا جزءًا بسيطا من إزالة الغابات في الأمازون – أقل بكثير من الممارسات الزراعية – لكن تأثيره أسوأ.

ويعد الزئبق أداة أساسية في عملية التعدين، إذ يستخدم لجمع وتطهير آثار الذهب الموجودة في التربة، وتترسب سمّيته في التربة والهواء والماء، ويسبب دمار البيئات البحرية، وتسميم مجتمعات السكان الأصليين، وبعد أعوام من التعدين تصبح الأرض قاحلة لا حياة فيها.

قالت ماريلين ناسيمنتو وهي طباخة في مواقع تعدين غير قانونية خارج إيتايتوبا: «ينتهي الأمر بقتل الطبيعة»، وأضافت: «النهر لم يعد كالسابق والسمك يموت، ولأعوام متتابعة لن يعود شيء لطبيعته». وبعد عمل سنوات في مواقع الحفر، أصبحت ناسيمنتو مترددة بشأن عملها؛ إذ لا تستطيع أن تنسى الدمار البيئي الذي رأته، وأقسمت العام الماضي أنها لن تعود لهذا العمل، لكن فرص العمل الأخرى قد تلاشت بعد اشتعال الوباء.

الاتهامات تلاحق عمال التعدين

كيف يحرك فيروس كورونا عجلة الذهب غير القانونية في الأمازون؟

بحسب التقرير فقد اتصل بناسيمنتو صديق يسألها إذا كانت ترغب بجني بعض المال، والحصول على 30 جرامًا من الذهب شهريًا مقابل عملها طاهية في معامل التعدين. قامت ماريلين بحسابات سريعة لأسعار الذهب في ذلك اليوم وذهلت بالنتيجة؛ ستحصل على أكثر من 1200 دولار؛ مما يعني أكثر بكثير مما كانت تجني العام الفائت و10 أضعاف ما يمكن أن تجنيه في المدينة.

علقت ماريلين: «من الصعب أن ترى البيئة تتدمر، لكنك تجني الكثير من المال». لطالما كانت الغابة تعتبر شبكة آمنة للبرازيليين، فخلال الانكماش الاقتصادي في الثمانينات نزل حوالي 100 ألف شخص إلى المنجم المعروف باسم سيرا بيلادا، ثم تلتها موجة أخرى في الأزمة المالية العالمية عام 2009 ومرة أخرى في 2013.

أصبح عامل مناجم الذهب نموذجًا برازيليًا أصيلًا؛ يتجول في الغابة مع أكثر بقليل من أرجوحة شبكية وأمل، لكن هذا ليس عامل اليوم، ففي العقد السابق كان تعدين الذهب مصنعيًا واحترافيًا، وكانت الشبكات ذات التمويل الجيد تزود العمال بمعدات بناء باهظة وثقيلة، مثل الجرافات وشاحنات الإنشاءات، وتوفر عند الحفر النائية أجهزة لتوصيل الإنترنت (واي فاي) وأجهزة تلفاز ومواقد غاز، حتى أن بعض السكان الأصليين قد أغرتهم التكنولوجيا واستعملوها، كما جاء في التقرير.

بولسونارو ابن عامل التعدين في منجم سيرا بيلادا والذي انتخب عام 2018، كان قد وعد بتوسيع أعمال التعدين أكثر، وصرح أن عمال التعدين ليسوا مجرمين، بل عمالًا يكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة، ورحب بهم في اللقاءات وانتقد إيباما لتدميرها معداتهم.

وذكر التقرير أن الوكالة حرقت فقط 72 آلة تعدين ثقيلة – حوالي ثلث ما دمرته في 2015 – وقد فصل المسؤولون المشرفون عن إحدى العمليات، ولغى الجيش عملية أخرى ومنع إيباما من استخدام طائرات الهليكوبتر التابعة لها.

قال كبار المفتشين في وكالة إيباما، والذين تحدثوا شريطة عدم كشف هوياتهم خوفا من الانتقام، أن خطابات وسياسات بولسونارو قد شجعت منقبي الذهب، وقالوا إنه عن السماح للمحققين بالخروج فإن عمال المناجم غير القانونيين يسخرون منهم، وأن لا شيء سيوقفهم لأن الذهب سيخرج من الغابة بطريقة أو بأخرى، لأن بولسونارو بجانبهم.

وأضاف أحد المسؤولين: «نحن نتعرض لكثير من الضغط السياسي، ومن المستحيل عمليًا أن نخرج إلى الميدان، فنحن نتعرض للاعتداءات بشكل مستمر، ولا يتم معاقبة الناس».

إن الأمر يعد شائعًا في إيتايتوبا، البلدة التي يسكنها 100 ألف في عمق الأمازون، حيث يسيطر الذهب على المكان ويستخدم كعملة، كما ذكر التقرير. وقالت السلطات إن الشركات على طول روا دو أورو «شارع الذهب» تشتري الذهب المستخرج بطرق غير قانونية ثم تقوم بغسله في أسواق التصدير.

التشجيع على احترام القانون

وبحسب التقرير فإن المحافظ وهو عامل تعدين أيضا، أقام مؤخرًا نصبًا تذكاريًا لتعدين الذهب، وحتى الصحافيين المحليين لا يتظاهرون بالموضوعية، إذ يقول مورو توريس المحرر في موقع أخبار محلي: «أكثر من 70% من التعدين غير قانوني، لكن أنا مع تعدين الذهب»، ويضيف بعبارة تقليدية: «مع كل فيديو لبورسونارو أكون فخورًا أكثر بصوتي».

يرى العديد من عمال التعدين بولسونارو بطلًا، فقد دافع عنهم أمام أنصار البيئة والمنظمات غير الحكومية والمدافعين عن السكان الأصليين وأمام الضغط من القادة الأجانب والحكومة نفسها.

لسنوات قالوا إن السلطات البرازيلية شجعت التعدين في الغابات وحق التعدين مكفول في الدستور، لكن الحكومة فيما بعد جعلت التسجيل شاقًا جدًا وقامت بحماية الكثير من الأراضي، وكما يقول عمال التعدين أنهم جعلوا العمال الشرفاء مجرمين بحق البيئة.

وقال المحامي المحلي البارز خوسيه أنتونيس والذي يمثل عمال التعدين: «لا يوجد فقر في إيتايتوبا، ولم يكن قط، لكن الناس تأتي هنا للهرب من الفقر».

هذا هو أمل رونالدو دوس سانتوس البالغ من العمر 30 عامًا والذي قطع مسافة ألف ميل من لاغو داس بيدراس في ولاية مارانهاو إلى إيتايتوبا، إذ قال إنه إما أن يسلك هذا المسلك، أو يترك أطفاله الأربعة يتضورون جوعًا في أفقر ولايات البرازيل، أما الآن فإنه يجني آلاف الدولارات في الشهر؛ يعدن الذهب صباحًا وينام في أرجوحة في الغابة ليلًا.

وكما ذكر التقرير أن دوس سانتوس لا يقلق كثيرًا، لا على الأضرار البيئية، ولا القانون، ولا الاستيلاء على أرض السكان الأصليين، بل قال إن التعدين هناك أفضل و«أرض السكان الأصليين حيث تجد الذهب الجيد، ومن السهل العثور عليه فيها».

ذلك هو المكان الذي يتجه إليه سوزا، لكنه لا يتطلع إليه، فهو يكره أنه يكون بعيدًا عن أبنائه وزوجته لأشهر، لكنه لا يملك سوى القليل من الخيارات، وقال: «إذا بقيت في المدينة لمحاولة إيجاد عمل لن أستطيع وضع أولادي في المدرسة؛ لأنه لا يوجد عمل»، ويتمنى سوزا لو يستطيع إخبار عائلته إلى متى سيبقى بعيدًا، وأضاف: «عامل التعدين يعلم أنه سيغادر، لكنه لا يعلم متى سيعود».

البيئة

منذ سنة واحدة
غابات الأمازون تحترق.. سياسات «ترامب البرازيل» تخنق «رئتي الأرض»

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد