كتبت أستاذة الجغرافيا ومديرة مركز الدراسات الحضرية في جامعة ولاية سان دييجو، باسكال جواسرت – مارسيلي، تقريرًا في مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية حول الاقتصاد غير الرسمي، والعمالة غير الرسمية التي تعاني كثيرًا في ظل حائجة فيروس كورونا، ليس في العالم النامي وحده، بل أيضًا في الدول الصناعية، ولا سيما الولايات المتحدة التي شهدت على مدى العقود الأربعة الماضية تحولا كبيرا من العمالة الرسمية إلى العمالة غير الرسمية بقرارات من مؤسسات منتخبة في البلاد. 

ألحق فيروس كورونا المستجد دمارًا بالاقتصاد العالمي، إذ أدى إلى إغلاق الشركات، وعطَّل سلاسل التوريد، وتسبب في فقدان ملايين البشر لوظائفهم. ولكن الجائحة كانت مدمرة على نحوٍ خاص بالنسبة لملياري عامل أو نحو ذلك من العمالة غير الرسمية، الذين يشكلون ما يقارب 60% من قوة العمل العالمية، ويكسبون في الغالب أقل من دولارين في اليوم. هؤلاء العمال، لا سيما في الدول النامية، يواجهون كارثة اقتصادية تلوح نذرها في الأفق، حسبما تحذر الكاتبة. 

مجتمع

منذ شهر
مترجم: كيف تبدو الصحة النفسية للناس بعد كورونا؟ انظر إلى الهند

وخلافًا للعمال في الاقتصاد الرسمي، الذين يستفيدون من الحماية القانونية والاجتماعية، يكسب العمال غير الرسميين معاشهم بدون شبكات أمان. وهم في الغالب من النساء، وممن يعملون لحسابهم الخاص، إذ ينخرطون في مهن متنوعة مثل البيع في الشوارع والأعمال المنزلية والنقل وجمع القمامة. وبعضهم أيضًا يعملون عمالًا غير مسجلين، باليومية، في المصانع والمزارع وبعض مجالات الأعمال الرسمية التي لا توفر الحقوق الكاملة أو سبل الحماية لكل موظفيها. 

ويحذر المقال من أن الإجراءات التي اتخذتها العديد من الدول لمكافحة الجائحة – بما فيها الإغلاق الذي طُبِّق دون تقديم مساعدة كبيرة لأولئك الذين تأثرت وظائفهم – تهدد معاش العمال غير الرسميين، وتدفعهم أكثر إلى الفقر والجوع والتشرد. وخلال فترة لا تزيد عن بضعة أسابيع، فُقِدَت الملايين من الوظائف غير الرسمية، كما وعرضت ملايين أخرى للخطر.

التداعيات الاقتصادية على الاقتصاد غير الرسمي تطرق أبواب الدول الغنية

توضح باسكال جواسرت – مارسيلي أن الأزمة التي ابتلي بها الاقتصاد غير الرسمي لا تؤثر فحسب على الدول الفقيرة، بل تضر أيضًا بالدول الغنية. ما يقارب نحو خمس العمال في الولايات المتحدة هم عمال غير رسميين، وهم معرضون على نحو خاص للتهديدات الصحية التي يمثلها فيروس كورونا المستجد، وكذلك عواقبه الاقتصادية.

وقد تكون الصورة الشعبية للعامل الأمريكي غير الرسمي هي الآن عامل في «اقتصاد الأعمال الحرة» gig economy المدعوم بالتكنولوجيا – مثل سائق في أوبر أو ليفت – ولكن التحول نحو اقتصاد غير رسمي أكبر بدأ في ظل الرئيس الأمريكي رونالد ريجان. 

وبدأت النظم الخاصة بأرباب الأعمال تتراخى بعد عام 1980، لتسمح للشركات تدريجيا بالتخلص من المخاطر، وإسنادها إلى مقاولي الباطن وعمال اليومية والعمالة الأخرى المرنة. والافتقار إلى سبل حماية العامل الآن يجعل أزمة فيروس كورونا حادة على نحو خاص في الولايات المتحدة: إنها ليست أزمة صحية فحسب، ولكن أزمة اجتماعية أعمق من ذلك تشكلت خلال عقود. 

Embed from Getty Images

صعود العامل غير الرسمي

يضيف المقال: في كل أنحاء العالم النامي، كشفت الجائحة عن أوجه راسخة من انعدام المساواة. ففي الهند، حيث يعد ما يزيد على 90% من الوظائف غير رسمية، تقدر منظمة العمل الدولية أن أكثر من 400 مليون عامل من المرجح أن يسقطوا في هوة الفقر الشديد (أي الذين يجنون أقل من دولارين في اليوم) بسبب الإغلاق الوطني الذي أعلن في 24 مارس (آذار). 

كذلك يزيد وجود اقتصاديات غير رسمية كبيرة في العديد من الدول الفقيرة من فرصة انتشار (كوفيد-19)، المرض الناجم عن فيروس كورونا المستجد، بين العمال المحنتاجين، الذين يعتمدون على الكسب اليومي، ولا يمكنهم التوقف عن العمل. ويواجه العمال غير الرسميين بالفعل ظروفًا صحية صعبة، مثل سوء التغذية والافتقار للصرف الصحي، بالإضافة إلى الأمراض المزمنة المرتبطة بتلوث الهواء والمياه.  

وليس من المدهش أن يقود العمال غير الرسميين الاحتجاجات التي تطالب بالمساعدة الطارئة العامة في كولومبيا، ومالاوي، وأوغندا، وفي أماكن أخرى. واتخذت بعض الحكومات خطوات صغيرة لدعم العمال غير الرسميين أثناء الأزمة. على سبيل المثال في بيرو، حيث تعد ثلاثة أرباع الوظائف غير رسمية، قدمت الحكومة لأفقر العمال دفعة مالية واحدة من نحو 100 دولار. ولكن الكثير من الدول لم تفعل سوى القليل أو لم تفعل شيئًا على الإطلاق لمساعدة هؤلاء العمال في التغلب على الجائحة. 

النيوليبرالية الاقتصادية رفعت العمالة غير الرسمية

تلفت باسكال جواسرت – مارسيلي إلى أن العمال غير الرسميين عرضة للخطر أيضا في العالم المتقدم. منذ ثمانينات القرن الماضي، أصبحت ترتيبات العمالة غير الرسمية شائعة على نحو متزايد في الدول الصناعية. ومع تحول الاقتصادات إلى العولمة وزيادة تبني الحكومات لليبرالية الجديدة، زاد الطلب على العمالة الرخيصة والتي يسهل الاستغناء عنها إلى جانب المعروض من الأشخاص المستعدين للعمل بصورة غير رسمية، بما فيها المهاجرين والأشخاص الضعفاء الآخرين الذين حيل بينهم وبين العمل الرسمي. 

Embed from Getty Images

وفي الولايات المتحدة، ألقى الجمهور باللوم على الحكومة في الاضطرابات الاقتصادية التي وقعت في السبعينيات، مما أدى إلى خفض كبير في الإنفاق على الرفاه ورفع النظم عن العديد من الصناعات على مدار العقود الأربعة التالية. في هذا الفراغ التنظيمي نما الاقتصاد غير الرسمي؛ إذ افتقرت المزيد والمزيد من الوظائف إلى الأمان الوظيفي وتغطية الرعاية الصحية، والإجازة المرضية، والمعاشات، وتعويضات إنهاء الخدمة. 

بمعنى آخر: نشأ الاقتصاد غير الرسمي من قرارات متعمدة اتخذها مسؤولون منتخبون لتفكيك الرفاه وتجاهل أو إزالة سبل حماية العمال التي تحققت بشق الأنفس، والتقتير في الإسكان الذي يمكن تحمله ماديًا، ومؤخرًا إعطاء الشركات المالية أولوية على العمال، ورفض الرعاية الصحية العامة وإهمال قوانين الهجرة.  

وزادت نسبة العمال الأمريكيين المنخرطين في العمل غير الرسمي باطراد خلال العقود الأخيرة. وبين عامي 2005 و2015، زادت النسبة المئوية للعمال الأمريكيين التي كانت وظائفهم الرئيسية غير رسمية من 10% إلى 16%. وبحلول عام 2018 كان ثلث السكان الأمريكيين البالغين على الأقل قد انخرطوا في نوع ما من العمل غير الرسمي، وفقًا لما يذكره بنك الاحتياط الاتحادي. 

في العام نفسه قدرت منظمة العمل الدولية أن التوظيف غير الرسمي يمثل 30 مليون وظيفة في الولايات المتحدة، أو 19 % من قوة العمل الكلية. هؤلاء العمال غير مجهزين للتعامل مع المشاكل الصحية الروتينية، ناهيك عن أن يتعاملوا مع جائحة. وليس لديهم خيار سوى الذهاب إلى العمل، حتى لو كانوا مرضى. 

الجانب الأكبر من العمال غير الرسميين من الملونين والمهاجرين والنساء

والعمال غير الرسميون هم أيضًا على نحو غير متناسب من الملونين والمهاجرين والنساء. وأثر انعدام المساواة الاقتصادية والعنصرية تأثيرًا كبيرًا على الطريقة التي يشعر بها الأمريكيون بأزمة فيروس كورونا، حسبما تخلص الكاتبة. 

وتظهر البيانات الصادرة عن المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها ومن وكالات الصحة المحلية العامة أن الأمريكيين الأفارقة وذوي الأصول اللاتينية من المرجح على نحو أكبر أن يموتوا من (كوفيد-19) عن البيض غير اللاتينيين؛ مما يمثل تحديا لفكرة أن المرض «أداة مساواة عظيمة». 

ومن المرجح إلى حد كبير أن يجري تقليل أرقام الوفيات بين هؤلاء عن الواقع، بالنظر إلى أن سكان الأقليات الضعيفة غالبًا ما يفتقرون إلى الاختبار والرعاية الصحية. وسارع الخبراء إلى الإشارة إلى أن «الظروف الكامنة» الفردية مثل السمنة وضغط الدم المرتفع والسكر هي التي تفسر أوجه التباين تلك. 

ولكن من أكبر عوامل المخاطر لـ(كوفيد-19) هو انعدام المساواة الاجتماعية والاقتصادية، والتي يفاقم منها إضفاء الطابع غير الرسمي على الاقتصاد، على حد قول باسكال جواسرت – مارسيلي.

Embed from Getty Images

وفجأة بدأ تصنيف العديد من العمال غير الرسميين موضع المخاطرة على أنهم عمالة «ضرورية»؛ إذ يحافظون على استمرار الاقتصاد أثناء الجائحة حتى على الرغم من أنهم يفتقرون إلى سبل الحماية العمالية. ويشمل هؤلاء عمال المطاعم وعمال المزارع ومقدمو الرعاية وعمال النظافة وعمال توصيل الطلبات؛ إذ لا يستطيع أي منهم أن يعمل من المنزل. وبفضل عملهم، يمكن للمزيد من الأمريكيين المحظوظين أن يعملوا عن بعد دون أن يتعين عليهم تعريض أنفسهم للفيروس. وما بقى من الاقتصاد الرسمي يعتمد إلى حد كبير على السلع والخدمات التي ينتجها ويقوم بتوصيلها العمال غير الرسميين. 

وتحذر الكاتبة من محدودية إمكانية حصول مثل هؤلاء العمال على الرعاية الصحية، وكذلك المزايا الأخرى المطلوبة للتغلب على الجائحة، والإبقاء على أنفسهم والآخرين آمنين. وحتى أولئك الذين يعد توظيفهم مقيدًا في السجلات، مثل سائقي أوبر، ومتسوقي «إنستاكارت»، يواجهون الكثير من المساوئ؛ لأنهم يصنفون على أنهم مقاولين مستقلين. ويعاني الكثير منهم للفوز بفوائد البطالة لان مستخدميهم لا يدفعون أقساط التأمين أو يبلغون وكالات الولاية عن بيانات الأجور. 

إجراءات الإغاثة من غير المرجح أن تساعد العمال غير الرسميين

يظل من غير الواضح كيف يمكن أن تساعد إجراءات الإغاثة والطوارئ الكبرى التي أجازها الكونجرس، والتي خصصت أكثر من تريليوني دولار للإجازة المرضية المدفوعة وفوائد البطالة والمساعد الغذائية، العمال غير الرسميين؛ لأن هذه الإجراءات تشترط توافر متطلبات صعبة ليكون الشخص مؤهلًا للحصول على هذا الدعم، وبها ثغرات قانونية كبيرة. غير أنها من غير المرجح أن تساعد ملايين العمال غير الرسميين الذين لا يستطيعون توثيق الأجور وساعات العمل قبل الجائحة أو أولئك غير المستحقين لكوبونات الطعام والإجازة المرضية بسبب وضعهم كمهاجرين. 

ما هو واضح بحسب باسكال جواسرت – مارسيلي هو أن الجائحة عمقت الخطورة الجسيمة للعمل غير الرسمي في الولايات المتحدة، كما فعلت في الهند وغيرها من الدول النامية. الكثير من العمال لا يعرفون كيف سيدفعون ثمن وجبتهم التالية، ناهيك عن دفع إيجارهم؛ مما يجعل من الأرجح أنهم سوف يستمرون في العمل بغض النظر عن المخاطرة. 

نقاط تحوُّل حرجة

أحيانا تكشف الأزمات الكبرى عن الأسباب الجذرية للمشاكل المجتمعية والاقتصادية، مما يشجع على الإصلاح والتغيير. تضرب الكاتبة على ذلك مثلًا الكساد الكبير الذي أدى في ثلاثينات القرن الماضي إلى إطلاق «الاتفاق الجديد»، الذي أوجد الأساس لعقد اجتماعي جديد جرى ترسيخه أكثر في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. أقام الاتفاق الجديد شبكات أمان اجتماعي ووضع الأساس للمزيد من التفاوض الجماعي، وسهل نمو الطبقة الوسطى، ووسع سبل الحماية الاجتماعية والقانونية للعمال، كما أضفى طابعًا رسميًا على الأمان الاقتصادي لغالبية الأشخاص العاملين.  

غير أنه منذ الكساد الكبير كان للأزمات الاقتصادية التالية تأثير معاكس، إذ سمحت للمشرعين بتقويض برامج الرفاه الموجودة، وتخفيف النظم الحكومية وشيطنة المهاجرين وإنقاذ الشركات الكبرى التي تعتمد في الغالب على العمال غير الرسميين في شغل وظائفها الوضيعة. 

وأدت ظروف الكساد الخمسة الكبرى منذ أوائل السبعينات إلى تآكل الكثير من شبكة الأمان الاجتماعي في البلاد؛ مما دفع العديد من العمال إلى الاقتصاد غير الرسمي. وفي الحقيقة فإن صافي نمو الوظائف الذي أعقب الكساد الكبير لعام 2008 كان مدفوعا كليًا تقريبًا بوظائف نشأت في الاقتصاد غير الرسمي. 

وتخلق الولايات المتحدة «وظائف رديئة» بصورة أسرع مما توجِد «وظائف جيدة»، ويعاني العمال الأمريكيون نتيجة لذلك. وأرقام التوظيف التي أشاد بها كثيرا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل الجائحة تخفي حقيقة أن 44% من العمال، أو 53 مليون شخص، يحصلون على أجور متدنية، وفقًا لتعريف باحثين في معهد بروكنجز. وكان العديد من هؤلاء العمال غير رسميين، حيث يعملون بدون سبل حماية قانونية واجتماعية.  

جائحة كورونا تزيد التضامن مع العمالة غير الرسمية

تقول الكاتبة: لا يتعين أن يكون الأمر على هذا النحو. ويبدو أن جائحة فيروس كورونا ولدت طفرة في التضامن. إذ تقدم عدد من المنظمات مثل صندوق طوارئ الأجر العادل ومؤسسة مجتمع عمال المطاعم وتحالف العمال الوطني المحلي وصندوق إغاثة العمال غير المسجلين، لحماية العمال غير الرسميين وملء الفجوة التي تركتها البرامج الحكومية في العديد من المدن الأمريكية. 

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من أن عمل هذه المنظمات يعد هاما للغاية، إلا أنه ليس كافيًا. وإذا أراد الأمريكيون أن يقلصوا إلى أدنى حد أسوأ آثار الأزمة الحالية، والإعداد بصورة أفضل لأزمات المستقبل، يتعين عليهم توسيع شبكة الأمان الاجتماعي ومد سبل الحماية للعمال غير الرسميين، كما تنصح باسكال.

ربما تكون المظاهرات المسيسة إلى حد كبير المطالبة بإنهاء أوامر البقاء في المنازل التي تفرضها سلطات الولايات في فلوريدا وميشيجان وأوكلاهوما والولايات الأخرى، متجاوزة للحد أو حتى طائشة، ولكنها تعكس انعدام الشعور بالأمان الاقتصادي بين الأمريكيين من ذوي الدخول المتوسطة والمنخفضة. وللأسف، تهاجم هذه المظاهرات الأهداف الخاطئة. فليس الإغلاق هو الذي تسبب في انعدام الأمان الاقتصادي، بل إضفاء الطابع غير الرسمي على الاقتصاد والذي حدث خلال العقود الأخيرة. 

وتختم باسكال مقالها بالقول: من أجل بناء دولة قوية ومجتمع أكثر صحة، يتعين على الولايات المتحدة أن تستخدم برامج الإغاثة من فيروس كورونا بحيث تستلزم وتوفر سبل حماية أكبر لكل الناس العاملين، وطبع الاقتصاد غير الرسمي بالطابع الرسمي بالاعتراف بأهميته. 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد