«الفشل في الالتزام بالقيود التي تفرضها الحكومة يؤدي إلى انتشار فيروس كورونا بين تجمعات اليهود الحريديم بثمانية أضعاف سرعة انتشاره في أماكن أخرى داخل إسرائيل». 

كتب ديفيد هالبفنجر تقريرًا في صحيفة «نيويورك تايمز»، حول مخالفة اليهود المتشددين في إسرائيل للتعليمات الصادرة من الحكومة بشأن حظر الخروج من المنازل، لاحتواء تفشي فيروس كورونا، مما جعلهم يمثلون من 40% إلى 60% من الإصابات، رغم أن عددهم لا يتجاوز 12% من سكان إسرائيل.

صحة

منذ شهرين
«هآرتس»: الصين بدأت مرحلة ما بعد كورونا.. فكيف سيبدو العالم؟

ويقول الكاتب في مستهل تقريره: «لا يلتزم اليهود المتشددون بتعليمات الحكومة لاحتواء فيروس كورونا؛ مما أدى إلى انتشاره بسرعة كبيرة بصورة جعلت المسؤولين الإسرائيليين يدرسون حصار تجمعات سكانية بأكملها، لحماية بقية السكان».

وينتشر الفيروس في التجمعات المتشددة بمعدل يصل من أربع إلى ثمان مرات أسرع من أي مكان آخر في إسرائيل، بحسب التقرير. ففي ضاحية بني براك في تل أبيب، حيث ينتمي 95% من السكان إلى الأرثوذكس المتشددين، ارتفع عدد الحالات المؤكدة من 267 يوم الجمعة إلى 571 يوم الثلاثاء. وكان المجموع قريبًا من مجموع عدد الحالات في القدس، التي يزيد عدد سكانها على عدد سكان تل أبيب أربعة أضعاف.

وقال مسؤولو بعض المستشفيات لوسائل إعلام إسرائيلية إن اليهود المتشددين على الرغم من أنهم يشكلون 12% فقط من سكان إسرائيل، فإنهم يمثلون 40 إلى 60% من مرضى فيروس كورونا، في أربعة مستشفيات رئيسية. ولا يمكن معرفة الأبعاد الحقيقية للوباء بين المتشددين إلا بصورة تقديرية؛ لأن الاختبارات لا تُجرى إلا نادرًا.

ما سر انتشار الإصابات بكثرة في صفوف الأرثوذكس المتطرفين؟

يعزو الخبراء انتشار الإصابات بين الأرثوذكس المتطرفين إلى الازدحام، وكثرة عدد أفراد الأسرة، وانعدام الثقة تمامًا في سلطة الدولة، والجهل بالمخاطر الصحية بين الزعماء الدينيين، والنفور من وسائل الإعلام الإلكترونية والعلمانية – وهو واجب ديني في اعتقادهم – والتفاني الحماسي لطريقة حياة تتركز على أنشطة الطائفة.

كل هذا يضاف إلى مقاومة شديدة للالتزام بأوامر التباعد الاجتماعي، التي تتطلب من الناس البقاء في المنزل، باستثناء المهام الملحة وحظر اللقاءات الجماعية، بما في ذلك الصلاة. وتهدد هذه القواعد الأنشطة الأساسية للمتشددين، بما في ذلك العبادة، والدراسة الدينية، والمشاركة في الفعاليات الحياتية، مثل الجنازات، وحفلات الزفاف.

وتسببت السرعة التي انتشر بها الفيروس كانتشار النار في الهشيم في تأجيج التوتر بين الأرثوذكس المتطرفين، الذين يعرفون بالعبرية باسم الحريديم أو «من يخافون الله»، وغيرهم من الإسرائيليين؛ إذ انتشرت سلسلة من مقاطع فيديو وصور تكشف عن ظهور مجموعات كبيرة من المتشددين يرقصون في حفلات الزفاف، أو التسوق في شوارع مزدحمة، وكأن القيام بذلك لا يشكل أي خطر.

وأثارت جنازة حاخام في بني براك ليل السبت، جذبت مئات المعزين إلى شوارع المدينة، استنكارًا غاضبًا من الإسرائيليين الذين وصفوا المشاركين بالقتلة أو ما هو أسوأ. ونظمت الجنازة بعد أيام من صدور الأوامر لجميع الإسرائيليين بالبقاء في منازلهم، مع استثناءات قليلة.

عمدة رمات جان: «لم يعد الفيروس قنبلة موقوتة، بل قنبلة قوية انفجرت في وجوهنا»

ويشير الكاتب إلى أنه في مدينة رمات جان، التي يغلب عليها العلمانيون، بجوار بني براك، طالب العمدة يوم الاثنين بفرض حظر تجول على بني براك، قائلًا إن بقعة انتشار الفيروس هناك «لم تعد قنبلة موقوتة، بل قنبلة قوية انفجرت في وجوهنا».

وناشد مدير عام المستشفى الوحيد في بني براك، الدكتور موتي رافيد، السلطات لمنع السكان من مغادرة المنطقة لمدة أسبوع على الأقل. وقال: إن معدل الإصابة في الأجزاء التي يقطنها المتشددون من البلاد أعلى بأربع إلى ثماني مرات من أي مكان آخر في إسرائيل.

وقال إن بني براك نفسها قد تثبت أنها مرنة؛ لأن سكانها لديهم الكثير من الأولاد، ويعد الشباب أقل عرضة للخطر. وقال في مقابلة «لكن إذا ساعدوا في نقل العدوى للآخرين، فستكون النتيجة وفاة العديد من كبار السن».

وأصر رئيس بلدية بني براك، أفراهام روبنشتاين، على أن المدينة بذلت قصارى جهدها، لكنها لا تتوقع أن يتقبل اليهود المتدينون القيود.  وقال «هل تعرف ماذا يعني إغلاق المعابد؟».

كما هاجم الحكومة المركزية، قائلًا: إن وزارة الصحة تكتمت على المعلومات، والشرطة أخفقت في إظهار ما يكفي من الحزم. وفي وقت متأخر من يوم الاثنين، قال مسؤولون في بني براك إنهم سيبدأون في إجراء اختبارات على السكان في متاجر البقالة.

وألمح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى عدم التزام المتشددين مساء الاثنين، قائلًا: إن ذلك «يعرض الأغلبية للخطر». ووعد بتعزيز تنفيذ القانون، وتشديد القيود على العبادة.

وقال: «لا صلاة عامة ولا حفلات زفاف، ولا حتى بحضور أقل من 10 أشخاص. ستقام الجنازات في وجود 20 شخصًا في مناطق مفتوحة».

روشتة الحاخامات: «الصلاة وقراءة التوراة سوف تنقذنا من الفيروس».

لم يجد علماء الأوبئة صعوبة كبيرة في تفسير انتشار الفيروس في مدن المتشددين، حيث يجرى تحديد الوقت بالتقويم اليهودي.

بدأت عطلة بوريم (عيد المساخر أو ذكرى خلاص اليهود في بلاد فارس)، وهو يوم يشبه الكرنفال لتناول الشراب والتواصل الاجتماعي، ليلة 9 مارس (آذار)، حين كان من المسموح أن تصل التجمعات إلى 100 شخص. بعد ذلك بأسبوع، وضع حوالي ربع سكان قرية كريات يعاريم بالقرب من القدس، البالغ عددهم 7 آلاف نسمة، في الحجر الصحي.

ولكن عندما أمرت الحكومة بإغلاق جميع المدارس، وقصرت في البداية التجمعات على 10 أشخاص – الحد الأدنى من النصاب المطلوب لإقامة الصلاة اليهودية – لم يوافق الحاخامات المتشددون جميعهم، وفقًا لما ذكره جلعاد مالاخ، وهو خبير في شؤون الأرثوذكس المتطرفين في معهد الديمقراطية الإسرائيلية.

وقال مالاخ إن بعض الحاخامات المتشددين، والذين يميل الكثير منهم إلى الشك في أن للدولة دورًا في ترسيخ العلمانية، أكدوا أهمية الصلاة ودراسة التوراة، قائلين: «إن ذلك سوف ينقذنا من هذا الفيروس». ويتمتع الحاخامات المتشددون بسلطة عظيمة على أتباعهم، حسبما يلفت التقرير.

وظهر الحاخام حاييم كانيفسكي (92 عامًا)، الشخصية الأكثر احترامًا في أحد أكبر الفروع المتشددة في إسرائيل، وهم الليتوانيون، في مقطع فيديو يوم 11 مارس مع حفيده، معلنًا رفضه لفكرة إغلاق المدارس، قائلًا إن القيام بذلك «أكثر خطورة» من تركها مفتوحة.

وقال مالاخ عن الفيديو الذي شاركه آخرون على نطاق واسع: «لقد رأيت أن الحاخام لا يعرف أي شيء عن الوباء، عن الكورونا. لكن الحب الذي يكنه له الآخرون عظيم جدًّا، فهم يشيرون إليه على أنه نبي. لذلك كان هناك تأخير في إغلاق هذه المدارس».

وأصدر الحاخام كانيفسكي أخيرًا مرسومًا جديدًا يوم الأحد، يردد ما طلبته سلطات الدولة، موجهًا بأن يصلي اليهود بمفردهم في منازلهم، وليس في مجموعات أيًّا كان عددها، ولا حتى في الهواء الطلق. ولكن حتى الحريديم الذين أعلنوا عن حبهم للحاخام كانيفسكي كانوا ما يزالون يخالفون أمره الأخير يوم الاثنين.

هذا ما يحدث بعيدًا عن أعين الصحافيين وعدسات المصورين

وكشفت جولة عبر بني براك عشرات من المجموعات التي احتشدت للوصول إلى النصاب القانوني اللازم للصلاة، وبعضها يصل إلى 50 رجلًا، مختفية في الغالب خلف الأسيجة أو الجدران أمام المباني السكنية، والمعابد اليهودية، والمدارس الدينية. وفي أحد المعابد، حيث قام المصلون بإبعاد صحافي ومصور، كانت صلاة الصباح ما تزال قائمة في الداخل.

ويوضح الكاتب أن أولئك الذين يتجاهلون القواعد حاولوا تبرير قرارهم، أو قالوا إنهم لم يكونوا على علم بأن توجيهات الحاخام تغيرت.

وقال ياكوف ليفي (21 عامًا)، الذي شارك مع مجموعة كبيرة في أداء الصلاة: «هناك حاخامات يقولون إننا لا يجب أن نصلي على الإطلاق، وآخرون يقولون إننا يجب أن نصلي في الخارج».

واعترف صديق له اسمه موشيه كوهين (25 عامًا)، بخوفه من الفيروس، مشيرًا إلى إعلانات الوفيات التي ظهرت في أوساط اليهود المتشددين في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في بروكلين التي يوجد بها أكبر تجمع للحريديم خارج إسرائيل.

وقال: «في البداية لم يكن الأمر مخيفًا. لكننا الآن نرى كم عدد الحريديم الذين ماتوا في أمريكا، ومدى خطورة ذلك».

واعتمد آخرون على آليات المسايرة النفسية المبتكرة، مثل المعلم الديني ديفيد تسيون، الذي يحمل شوفارا – أي قرن كبش لا ينفخ فيه عادة إلا في العام اليهودي الجديد – قائلًا: «هذا يحرسني».

وسأل المصلون في عدة أماكن عما إذا كانت الصحيفة تغطي أخبارهم لإبلاغ السلطات عنهم. لكن غاب عن بني براك أي علامة على تنفيذ التعليمات، فقد سمحت فيها الشرطة المحلية لجنازة ليلة السبت أن تمضي قدمًا، بدلًا من إثارة مواجهة مع المعزين.

الشرطة تستعرض قوتها في القدس.. والمتدينون يتطلعون إلى «الخلاص»

على النقيض من ذلك، قدمت الشرطة يوم الاثنين استعراضًا للقوة في حي مئة شعاريم في القدس، الذي يقطنه المتشددون، حيث حدد ضباط على متن المروحيات والدراجات النارية، ومشاة على الأقدام، مواقع مجموعات من المصلين وتوقيع غرامات قيمة كل منها 1400 دولار.

وفي بني براك، يظل بعض السكان متفائلين بشأن الفيروس، كما يشير التقرير.

يقول شموئيل ستيرن (17 عامًا) إن عمه، وهو محاسب وحاخام يبلغ من العمر 50 عامًا ولديه 30 حفيدًا،  يرقد في المستشفى على جهاز التنفس الصناعي. لكنه استدرك أنه تعلم أن الوباء، مثل الحروب وحتى المحرقة النازية، «يقربنا من الخلاص»، أي مجيء المسيح.

وقال إن كونه عالقًا في شقة مزدحمة، بدلًا من قضاء أيامه في الدراسة مع أقرانه، لم يكن عبئًا كبيرًا. وأضاف: «أنت تدبر أمرك… إذا كان لديك مكان في قلوبهم، فلديك مكان في منزلهم».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهرين
«ميدل إيست آي»: تحول درامي في سياسة إسرائيل.. لماذا اتحد جانتس مع نتنياهو؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد