تزداد المخاوف من أن شبكة سرية من المرتزقة تنقل فيروس كورونا المميت إلى بعض البلدان التي دمرتها الحرب في المنطقة.

مراسلة «الإندبندنت» لشؤون الشرق الأوسط، بيل ترو، والصحفي السوري رجائي بورها، يسلطان الضوء على العناصر السرية التي تسهم في انتشار فيروس كورونا المستجد عبر منطقة الشرق الأوسط.

تقول بيل ورجائي في مستهل تقريرهما: سرعان ما انتشرت الشائعات بين المقاتلين السوريين في ليبيا، التي تفيد بأن مجموعة من المرتزقة، الذين جندتهم الحكومة الليبية المُعتَرَف بها دوليًا مؤخرًا، في المستشفى بسبب التهابات رئوية حادة.

غزا الرعب صفوف المقاتلين بأن هذا هو فيروس كورونا المميت. ولا غروَ، فلم تُتَخَذ أي تدابير عندما بدأوا رحلتهم الطويلة من شمال سوريا عبر تركيا إلى طرابلس. ولم يعزل أحد منهم نفسه، أو يرتدِ كمامة، أو يُجرِ فحصًا. «حاولنا الحصول على مزيد من المعلومات لكننا لم نستطع»، هكذا قال أحد المقاتلين، من بين ما يُقدَّر بـ 6 آلاف سوري يدعمون حكومة الوفاق الوطني، التي تدعمها تركيا.

حكومة الوفاق تحمل حفتر مسؤولية تفشي كوفيد-19

وأوضح أن قياداته التزموا الصمت حول هذا الحادث. وأنكرت حكومة الوفاق الوطني هذه الشائعات في بيان أدلت به لصحيفة الإندبندنت البريطانية. وبدلًا من ذلك، حمل مسؤولو الحكومة خصومهم – قوات الجنرال المنشق خليفة حفتر – مسؤولية تفشي كوفيد-19 من خلال جلب المرتزقة الأجانب التابعين لهم.

عربي

منذ أسبوع
هذه أهم تحديات حكومة الوفاق لإعادة بناء الدولة

وقال المقاتل آسفًا: «لم تُتَخَذ أي احتياطات هنا للمقاتلين، كما لو أن فيروس كورونا ليس موجودًا». ويضيف الكاتبان أن الحروب كانت قد دمرت أنظمة الرعاية الصحية في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ما جعل العديد من البلدان عرضة بشدة لتفشي كوفيد-19. لكنَّ مسؤولو الصحة العالمية يساورهم الآن قلق بشأن عنصر سري جديد ينشر المرض: إنهم المقاتلون.

وعلى مدار الأشهر القليلة الماضية، مع اجتياح الجائحة كافة أرجاء العالم، نُشِرَت شريحة كبيرة من الجنود والمقاتلين والمرتزقة من بلدان مثل سوريا وتركيا وإيران والعراق على الخطوط الأمامية في شتى أرجاء المنطقة، على الرغم من حقيقة أن رحلاتهم العابرة للحدود تمثل اختراقًا للحظر الدولي وتنتهك القيود المفروضة على السفر.

ولم توفَر لهم أي رعاية، أو وُفرت رعاية قليلة، لتقليل احتمالية انتقال المرض، على الرغم من أن العديد من هذه البلدان من بين أكثر الدول عرضة للجائحة. ناهيك عن طبيعة تنقلهم السرية التي تجعل عملية تعقب المخالطين مهمة مستحيلة.

مسؤولون أمميون يدقون ناقوس الخطر

وأشار التقرير إلى أن مسؤولين من منظمة الصحة العالمية وغيرها من هيئات الأمم المتحدة دقوا جميعًا ناقوس الخطر، إذ أوضحوا للإندبندنت أنه مع ندرة المعلومات والفحوصات، لا توجد أي طريقة لقياس الضرر المحتمل بدقة. ويضيف المسؤولون أن الجهود المحلية الرامية إلى القضاء على المرض سيقوضها التدفق المستمر للقوات من الخارج، مما ينذر بإطالة أمد موجة التفشي القائمة، وتعميقها أو حتى خلق بؤر تفشي جديدة.

واستشهد الكاتبان بما قاله ريتشارد برينان، القائم بأعمال مدير المكتب الإقليمي لمنطقة شرق البحر الأبيض المتوسط التابع لمنظمة الصحة العالمية: «من الواضح أنك بحاجة إلى مراقبة تدابير الصحة العامة في المعابر الحدودية والمطارات والمواني». وأضاف: «والوضع الأمثل هو فحص الأشخاص وفرض العزل الصحي».

Embed from Getty Images

واستدرك قائلًا: «لكن لا توجد إمكانية كبيرة لفعل ذلك في عديد من الأماكن مثل ليبيا. والآن تدخل مجموعات مسلحة الأراضي الليبية دون إجراء فحوصات ولا عزل صحي ولا تعقب للمخالطين في البلاد». وألمح إلى أن هذه مشكلة منتشرة في جميع أنحاء المنطقة، وتفاقمت بسبب حقيقة أن المقاتلين تنقلوا في أرجاء البلدان التي سافروا إليها.

وفي الوقت ذاته، انخرطت ليبيا في أحدث حرب بالوكالة في العالم، مع تدفق هائل للمقاتلين إلى داخل البلد، على الرغم من عمليات الإغلاق التي فرضها فيروس كورونا.

وبحسب تقديرات محققي الأمم المتحدة، والمراقبين الموجودين في جميع أنحاء ليبيا وسوريا، فضلًا عن المقاتلين أنفسهم، أن أكثر من 10 آلاف مقاتل سوري سافروا للقتال على جانبي الصراع في ليبيا منذ يناير (كانون الثاني). وتسارعت وتيرة نشر المقاتلين خلال فصل الربيع بموازاة تفشي كوفيد-19 في العالم.

وبحسب التقرير، فإن آلاف السوريين من مناطق المعارضة الذين أُرسِلوا ليقاتلوا لصالح حكومة الوفاق الوطني سافروا عبر تركيا، ذلك البلد الذي يعاني من أحد أسوأ حالات التفشي في المنطقة، إذ سجلت تركيا أكثر من 190 ألف حالة إصابة وخمسة آلاف من الوفيات. وأفادت التقارير أن لواءً من المقاتلين السوريين وصل في الأسبوع الماضي فقط، وفقًا لمصادر في سوريا وليبيا.

تدفق المقاتلين إلى ليبيا حتى هذا الأسبوع!

في الوقت ذاته، يقول محققو الأمم المتحدة إنه جرى تجنيد ما لا يقل عن 2000 مقاتل من مناطق تابعة للنظام السوري عبر شركات روسية ليقاتلوا لصالح الجنرال حفتر في شرق البلاد. 

ورصدت الإندبندنت زيادة تجنيد المرتزقة السوريين في صفوف الجنرال حفتر حتى منتصف مايو (أيار) في خضم الجائحة. وهناك مزاعم تفيد باستمرار تجنيد المزيد من القوات هذا الأسبوع. وفي يوم الأربعاء، أعلن المركز الوطني لمكافحة الأمراض في ليبيا أكبر زيادة يومية حتى الآن في الإصابات والوفيات، إذ رُصِدَت نحو 700 حالة إصابة و18 من الوفيات.

ولكن بدون التتبع السليم للمخالطين وفحصهم، يستحيل التأكد من المعدل الفعلي للتفشي في ليبيا، وما إن كانت هناك صلة بين تدفق القوات الأجنبية وزيادة الحالات. ومع ذلك، وفقًا للكاتبين، حذر مسؤولو الأمم المتحدة من أن انتقال المقاتلين عبر الحدود يشكل خطرًا كبيرًا على البلاد التي قُصِفَت مستشفياتها، وتعاني من نقص في المعدات الوقائية الشخصية وأجهزة التنفس الصناعي وفحوصات كوفيد-19.

وفي تصريح للإندبندنت، قالت ستيفياني ويليامز، نائبة رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا: «نحن نرى أن ليبيا لم تصل إلى ذروة تهديد فيروس كورونا». وأضافت: «لا توجد فحوصات كافية. وهناك حد أدنى من الاحتواء. ناهيك عن المعارك المستمرة في ليبيا».

Embed from Getty Images

وتساءلت ستيفياني: «في حين ينقل كلا الطرفين [في الحرب] المقاتلين جوًا إلى ليبيا، فلا توجد شفافية بشأن تدابير الوقائية في هذا السيناريو. فهل يوضعون في عزل صحي قبل إرسالهم إلى الخطوط الأمامية؟».

وأبدى مسؤولو الصحة مخاوف مماثلة بشأن سفر القوات الأجنبية إلى مواقع أخرى في منطقة الشرق الأوسط، ومنها الحرب الأهلية الدموية في سوريا؛ حيث نشرت تركيا قواتها في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية منذ عام 2016 لدعم المتمردين ضد الأسد المدعوم من إيران وروسيا والمجموعات المسلحة من لبنان والعراق المدعومة إيرانيًا.

جهاز فحص واحد لـ4 ملايين نسمة

وبخلاف ذلك يعبر الآلاف من أفراد القوات التركية والموظفين الأتراك إلى سوريا دخولا وخروجًا بشكل يومي. وأقر حاكم مقاطعة هاطاي التركية الجنوبية الحدودية، رحمي دوجان، «بأن 140 من ضباط وجنود الشرطة التركية الذين يعملون في مدينتي عفرين وإدلب السوريتين أُصيبوا بفيروس كورونا المستجد». وعلى الفور أجلت السلطات التركية هؤلاء المصابين بالفيروس في شمال سوريا وعزلتهم كما تعهد الأتراك بتخفيض تحركات القوات في هذه المنطقة.

وأشار تقرير الإندبندنت إلى حالة الذعر التي سرت بين أهالي إدلب وغرب حلب بسبب ما نشرته وسائل الإعلام التركية والسورية من ندرة معدات الحماية الشخصية وأجهزة التنفس الاصطناعي، وأن 4 ملايين نسمة تعيش هناك لا يتوفر لهم سوى آلة فحص وحيدة. فيما قال السكان السوريون، الذين يعيشون داخل المنطقة التي مزقتها الحرب: «إن الأُسر المُعرضة للمرض لا يُمكنها الحصول على الرعاية الصحية اللازمة، ولذلك يبقون على مسافة جسدية من الجنود الأتراك».

وقال أحد المتمردين السوريين، ويدعى محمد عبدالله: «لا يُمكن أن يكون فيروس كورونا انتقل إلى شمال سوريا إلا عند تغيير الوحدات التركية نوبات عملهم؛ لذلك نخشى من تفشي كوفيد 19 بين الأهالي» مشيرًا إلى اكتشاف حالات إصابة في مخيمي عفرين والمسطومة.

تعتيمٌ إعلامي واتهاماتٌ سجال

أما المناطق الواقعة تحت سيطرة نظام الأسد من دير الزور إلى الشرق، فأوردت العديد من التقارير غير المؤكدة انتشار جائحة كوفيد 19 بين القوات القادمة من إيران والعراق، وهما البلدان اللذان يكافحان من أجل السيطرة على الجائحة داخل أراضيهما. 

وفي هذا الصدد يقول دانيال الفراتي، من دير الزور: «إن الحدود مع العراق لا تزال مفتوحة بالكامل أمام المجموعات الإيرانية والعراقية المسلحة، التي تحتك بالألوية المحلية الموالية للحكومة، ومن ثم ينقلون لهم العدوى لأنهم مصابون». وأكدت مجموعة «دير الزور 24» الناشطة المحلية هذه الظاهرة، متهمة قوات الأسد بــ «التعتيم الإعلامي على منبع تفشي عدوى كوفيد 19 هناك» لكن النظام السوري نفى ذلك زاعمًا أنه لا يمكن التأكد من ذلك دون إجراء فحص.

وحسب الإندبندنت تظل الاتهامات بشأن انتشار فيروس كورونا المستجد سجالًا بين المتحاربين، بغض النظر عما أثارته منظمة الصحة العالمية من مخاوف حيال تردد المقاتلين، جيئة وذهابًا، على مناطق الحرب أثناء تفشي الجائحة.

بدون فحص أو حجر.. إرسال المقاتلين إلى الخطوط الأمامية

من جانب آخر اتهم مسؤولو القطاع الصحي في طرابلس بليبيا القوات المسلحة العربية الليبية التابعة لحفتر بنشر الفيروس من خلال مرتزقتها الذين يقدر عددهم- حسب القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا ومفتشي الأمم المتحدة – بــ 2000 روسي و2000 سوري و2000 سوداني. 

Embed from Getty Images

وقال المتحدث باسم وزارة الصحة في حكومة الوفاق أمين الهاشمي: «تابعت السلطات الليبية بقلق عشرات الرحلات الجوية التي يزعم أنها تقل مرتزقة سوريين أو روس لتنقلهم إلى شرق ليبيا».

وأضاف الهاشمي «عندما تواصلنا مع السلطات الصحية في الشرق قالوا إن قواتهم لم تخضع لأي فحوصات طبية أو حجر صحي، بل أرسلوا مباشرة إلى الخطوط الأمامية في غرب ليبيا؛ ما يُعرض المدنيين لخطر الإصابة بالفيروس»، تابع: «أبلغتنا مصادر في الشرق أن عدة أجانب، روس وسوريين، عُزلوا خلال الأشهر القليلة الماضية بعد ظهور أعراض كوفيد 19 عليهم».

ونفت القوات المسلحة العربية الليبية تواجد مقاتلين أجانب بين صفوفها، ووجهت اتهامات مماثلة لحكومة الوفاق الوطني تقول «أمرٌ مثير للسخرية أن تتذمر حكومة طرابلس من فيروس كورونا».

 وأخبر المتحدث باسم قوات حفتر صحيفة الإندبندنت «نحن من يقلق من تفشي الفيروس بسبب المرتزقة السوريين الذين تنشرهم حكومة الوفاق»، كما ردد شائعة وصلت للإندبندنت تُفيد بدخول 17 من المرتزقة السوريين إلى المستشفى بعد إصابتهم بالفيروس.

ونقلت الصحيفة البريطانية عن مصادر في شمال سوريا تقول «برغم الارتفاع المتزايد مؤخرًا في الإصابات بفيروس كورونا المستجد في تركيا خلال الأسابيع الماضية، فإن مئات المقاتلين السوريين الذين عبروا الحدود إلى تركيا متأهبون لإرسالهم إلى طرابلس لدعم حكومة الوفاق الوطني في الأيام القادمة».

ناقلون للفيروس جيئة وذهابًا

ونقل المرصد السوري لحقوق الإنسان عن المقاتلين السوريين في ليبيا أنهم يذهبون إلى سوريا ويعودون إلى ليبيا بانتظام، بالإضافة إلى تجنيد مقاتلين جدد، فيما يمكن تسميته نوع من «تغيير الحرس». وأضاف المرصد: «وصل إلى تركيا – هذا الشهر- حوالي 1800 سوري لتلقي تدريب عسكري للسفر إلى ليبيا فيما بعد، بينما عاد 2600 شخص إلى سوريا من ليبيا».

وعلق مرتزق سوري في غرب ليبيا بالقول: «لا يهتم أحدٌ هنا بالفيروس، فلم يُفرض حظر، أو تُتخذ تدابير احترازية، أو تُرتدى الأقنعة، أو تُجرى فحوصات، أو حتى تُعقم الأيدي، وكأن الفيروس غير موجود». فيما أبدى آخر قلقه حيال إطلاق النار والحرب، أما عن الإجراءات الاحترازية الخاصة بالفيروس فكان لا يهتم بها قائلًا «إنه أمرٌ لا نفكر فيه هنا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد