النساء يظهرن استجابة مناعية أكبر للإصابة بالعدوى، وفقًا لما يقوله العلماء. وفي الصين، يدخن الرجال بأعداد أكبر بكثير من النساء. 

أعدت روني كارين رابين تقريرًا في صحيفة «نيويورك تايمز» أشارت فيه إلى فرضية طبية مهمة، وهي: أن النساء يتمتعن بمقاومة أكبر ومناعة أقوى في مقاومة الفيروسات، وتستشهد بذلك على تأثر الرجال بشكل لافت خلال تفشي فيروسات متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد (سارس) ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس)، وهذا ينطبق أيضًا على فيروس كورونا الحالي الذي يثير حالة من الذعر في العالم دون أن يبدو له نهاية في الأفق. غير أن العلماء يقولون إن دراسة أسباب ذلك ما زالت في بدايتها.

صحة

منذ 8 شهور
«كورونا».. كل ما تريد معرفته عن الفيروس المميت الذي يجتاح الصين

وتستهل الكاتبة تقريرها بالقول: «نشر فيروس كورونا الذي نشأ في الصين الخوف والقلق في جميع أنحاء العالم. إلا أن الفيروس الجديد استثنى إلى حد كبير مجموعة مستضعفة هم: الأطفال، إلا أنه على ما يبدو يشكل تهديدًا خاصًّا للبالغين في منتصف العمر وكبار السن، ولاسيما الرجال».

هذا الأسبوع، نشر المركز الصيني لمكافحة الأمراض والوقاية منها أكبر تحليل لحالات الإصابة بفيروس كورونا حتى الآن. وعلى الرغم من إصابة الرجال والنساء بأعداد متساوية تقريبًا، وجد الباحثون أن معدل الوفيات بين الرجال بلغ 2.8%، مقارنة بـ 1.7% بين النساء.

كما تأثر الرجال تأثرًا غير متناسب أثناء فترة تفشي متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد (سارس) ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس)، التي كانت ناجمة عن فيروسات كورونا. وأظهرت دراسة نشرت في دورية حوليات الطب الباطني Annals of Internal Medicine أن عدد النساء المصابات بسارس في هونج كونج عام 2003 كان أكبر من عدد الرجال، ولكن معدل الوفيات بين الرجال كان أعلى بنسبة 50%. 

ومات حوالي 32% من الرجال المصابين بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، مقارنة بنسبة 25.8% من النساء. كما توفي الشباب البالغون بمعدلات أعلى من نظرائهم من الإناث أثناء وباء الإنفلونزا في عام 1918.

ويقول العلماء: إن هناك عدة عوامل ربما كانت تعمل ضد الرجال في الوباء الحالي، بما في ذلك بعض العوامل البيولوجية، والبعض الآخر المتأصل في أسلوب الحياة.

الرجال أقل مناعة

وتمضي الكاتبة إلى أنه عندما يتعلق الأمر بإظهار استجابة مناعية ضد العدوى، يمثل الرجال الجنس الأضعف.

وقالت صبرا كلاين، وهي عالمة تدرس الاختلافات بين الجنسين فيما يتعلق بالإصابات الفيروسية والاستجابة للتطعيم في كلية جونز هوبكنز بلومبرج للصحة العامة: «هذا نمط رأيناه في العديد من الإصابات الفيروسية في الجهاز التنفسي.. يمكن أن تكون النتائج أسوأ بالنسبة للرجال». وأضافت «لقد رأينا هذا مع فيروسات أخرى. النساء يقاومن تلك الفيروسات بشكل أفضل».

ويشير التقرير الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز إلى أن «النساء ينتجن أيضًا استجابات مناعية أقوى بعد التطعيمات، ولديهن استجابات معززة بالنسبة للذاكرة المناعية، التي تحمي البالغين من مسببات الأمراض التي تعرضوا لها في سن الطفولة».

Embed from Getty Images

الجهاز المناعي للإناث أكثر تحفزًّا

وقالت الدكتورة جانين كلايتون، مديرة مكتب أبحاث صحة المرأة في المعاهد الوطنية للصحة: ​​«هناك شيء ما حول الجهاز المناعي للإناث أكثر تحفزًّا».

غير أنها قالت إن هناك ثمنًا باهظًا لذلك؛ لأن النساء أكثر عرضة للإصابة بأمراض المناعة الذاتية، مثل التهاب المفاصل الروماتويدي والذئبة؛ إذ يتحول الجهاز المناعي إلى النشاط المفرط ويهاجم أعضاء وأنسجة الجسم نفسها. وأشارت الدكتور كلايتون إلى أن حوالي 80% من المصابين بأمراض المناعة الذاتية هم من النساء.

غير أن الكاتبة روني كارين روبين توضح أن الأسباب التي تجعل النساء يتمتعن باستجابات مناعية أقوى ليست واضحة تمامًا، وما زال البحث في مرحلة مبكرة، كما يؤكد الخبراء.

وتتمثل إحدى الفرضيات في أن أجهزة المناعة القوية لدى النساء تعطي ميزة البقاء على قيد الحياة لأطفالهن، الذين يمتصون الأجسام المضادة من حليب الأم، وبالتالي يساعدهم على صد الأمراض بينما تكون أجهزة المناعة لديهم خلال فترة الرضاعة ما تزال في مرحلة التطور.

مزيج من العوامل البيولوجية 

قد يكون مزيج من العوامل البيولوجية هو المسؤول، بما في ذلك هرمون الإستروجين لدى الأنثى، الذي يبدو أنه يلعب دورًا في المناعة، وحقيقة أن النساء يحملن اثنين من كروموسومات «أكس x»، التي تحتوي على جينات مرتبطة بالمناعة. بينما الرجال، بالطبع، يحملون كروموسوم واحدًا.

وجدت التجارب التي تعرضت فيها الفئران لفيروس كورونا سارس أن الذكور كانوا أكثر عرضة للإصابة من الإناث، وهذا التباين يتزايد مع تقدم العمر. وأصيبت ذكور الفئران بسارس عند التعرض لكم أقل من الفيروسات، وكان رد فعلها المناعي أقل، وكانت أبطأ في طرد الفيروس من أجسامها. 

وقال الدكتور ستانلي بيرلمان، أستاذ علم الأحياء الدقيقة في جامعة أيوا الذي كان كبير مؤلفي الدراسة إن الفئران الذكور عانوا أكثر من تلف الرئة ونفقوا بمعدلات أعلى. وعندما منع الباحثون الإستروجين في الإناث المصابات أو أزالوا المبيضين، كانت الإناث أكثر عرضة للموت، ولكن منع هرمون التستوستيرون في الفئران الذكور لم يحدث فرقًا، مما يشير إلى أن هرمون الإستروجين قد يلعب دورًا وقائيًّا.

فيروس كورونا

الاختلافات بين الرجل والمرأة دقيقة

وقال الدكتور بيرلمان «إنه نموذج مبالغ فيه لما يحدث في البشر. فالاختلافات بين الرجل والمرأة دقيقة، بينما في الفئران، ليست دقيقة إلى هذا الحد».

والسلوكيات الصحية التي تختلف حسب الجنس في بعض المجتمعات قد تلعب أيضًا دورًا في الاستجابة المتباينة للعدوى. إذ يوجد في الصين أكبر عدد من المدخنين في العالم – 316 مليون شخص؛ يمثلون حوالي ثلث المدخنين في العالم و40% من استهلاك التبغ في جميع أنحاء العالم. لكن ما يزيد قليلًا عن 2% من النساء الصينيات يُدَخِّنْ، مقارنة بأكثر من نصف الرجال. ومعدلات الإصابة بالسكري وارتفاع ضغط الدم لدى الرجال أعلى في الصين.

والرجال الصينيون لديهم أيضًا معدلات أعلى من مرض السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم أكثر من النساء، وكلاهما يزيد من خطر حدوث مضاعفات بعد الإصابة بفيروس كورونا. وتصل معدلات الإصابة بمرض الانسداد الرئوي المزمن إلى الضعف بين الرجال الصينيين مقارنة بالنساء.

صحة

منذ 8 شهور
ليس «كورونا» وحده.. 3 فيروسات لا تقل خطورة

وفي الولايات المتحدة، تكون النساء أكثر مبادرة في طلب الرعاية الصحية من الرجال، إذ وجدت بعض الدراسات الصغيرة أن التعميم ينطبق على الطلاب الصينيين في جامعات الولايات المتحدة أيضًا.

وفي دراسات غير منشورة، أكد باحثون صينيون أن المرضى الذين تأخر تشخيص المرض لديهم، أو الذين كانوا مصابين بالتهاب رئوي حاد عندما جرى تشخيص إصابتهم بالمرض للمرة الأولى، كانوا أكثر عرضة لمخاطر الموت. وأكدت دراسة شملت 4021 مريضًا بفيروس كورونا أهمية الاكتشاف المبكر، لا سيما لدى الرجال الأكبر سنًّا. إذ ظهر الرجال في المستشفيات بحالات مرضية في مراحل أكثر تقدمًا.

لكن في المناطق الصينية خارج إقليم هوبى، الذي يمثل بؤرة المرض وحيث تتركز غالبية المصابين، تختلف الأنماط: يبدو أن المرض يتسم بمعدلات وفيات أقل بشكل كبير، ويصاب الرجال بمعدلات أعلى بكثير من النساء، وفقًا لتحليل مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الصين.

وقالت أكيكو إيواساكي، أستاذة علم المناعة بجامعة ييل، حيث تدرس سبب تأثير بعض الفيروسات في النساء بشكل أكبر: إن الرجال قد يكون لديهم «شعور زائف بالأمان» عندما يتعلق الأمر بفيروس كورونا.

جمع بيانات الفيروس وتحليلها حسب الجنس مهمة للغاية

قال الخبراء إن جمع البيانات حول الفيروس الجديد وتحليلها حسب الجنس أمر مهم لكل من العلماء الذين يدرسونه وللجمهور العام. منذ بداية تفشي المرض، على سبيل المثال، أكد مسؤولو الصحة العامة أهمية غسل اليدين جيدًا وبصورة متكررة للوقاية من العدوى. 

Embed from Getty Images

لكن العديد من الدراسات وجدت أن الرجال – حتى العاملين في مجال الرعاية الصحية – من المرجح أن يغسلوا أيديهم أو يستخدموا الصابون، بصورة أقل من النساء، على حد قول الدكتورة صبرا كلاين.

وتختتم الكاتبة تقريرها بقول الدكتورة صبرا: «إننا نفترض هذه الافتراضات الشاملة الواسعة بأن الرجال والنساء يتبعون السلوكيات ذاتها، من حيث الأمراض المواكبة (أي مرض ثانوي يواكب المرض الرئيسي) والبيولوجيا والجهاز المناعي لدينا، ولكننا لسنا كذلك».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد