نشرت مجلة «ذا نيشن» تقريرًا لمراسلها العسكري مايكل ت. كلير، عن آفاق اندلاع حرب في زمن الجائحة، ومدى صعوبة تكيُّف البنتاجون مع عالمٍ تحدق فيه التهديدات البيولوجية – وليست العسكرية – بالأمن الأمريكي. 

في 26 مارس (آذار)، حقق فيروس كورونا المُستجد ما لم يستطعه أي خصم لأمريكا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بإجبار حاملة الطائرات الأمريكية، «يو إس إس ثيودور روزفلت»، على تعليق دورياتها والبقاء في ميناء جزيرة جوام، وإجلاء طاقمها بأكمله تقريبًا، بعد إصابة المئات بالفيروس. ثم تبين أن طواقم ما لا يقل عن 40 سفينة حربية أمريكية أخرى مصابون بكوفيد-19. 

دولي

منذ شهر
مترجم: طفرة جديدة في أعداد إصابات كورونا في أمريكا.. فما السبب؟

بحلول يونيو (حزيران)، تمكنت البحرية من إعادة نشر معظم تلك السفن وفق جداول زمنية متأخرة و/ أو مع أطقم مخفضة. لكن اتضح أن الاستراتيجية الأمريكية الراسخة بالاعتماد على السفن الحربية الكبيرة المدججة بالسلاح لفرض الهيمنة وهزيمة الخصوم الأجانب لم تعد استراتيجية مستدامة تمامًا في عالم يعاني من الجائحة.

يضيف الكاتب أن البحرية الأمريكية تعلم أن تفضيلها للسفن الضخمة ذات الأطقم الكبيرة – التي تتمركز عادة في مساحات صغيرة لفترات طويلة من الزمن- ثبت تمامًا أنها استراتيجية عقيمة وغير ناجعة. والاستراتيجية المفضلة القائمة على الشراكة مع القوات المحلية في أجزاء بعيدة من العالم، مثل العراق، واليابان، والكويت، وكوريا الجنوبية، لا يمكن الاعتماد فيها دائمًا على الضمانات المحلية التي توفرها هذه الدول ضد الأمراض المعدية، ناهيك عن صعوبة إجراء عمليات التدريب والقتال المشتركة بالطريقة المعتادة في ظل العزلة الإجبارية. 

ويشير إلى أن مسؤولي الدفاع الأمريكيين استجابوا، على المدى القصير، لمثل هذه الانتكاسات بإجراءات مؤقتة مختلفة لملء هذه الفجوة، بما في ذلك إرسال قاذفات القنابل النووية في مهمات طويلة المدى لـ«إظهار القوة» في مناطق محل تنازع مثل بحر البلطيق (روسيا في الاعتبار)، أو بحر الصين الجنوبي (الصين في الاعتبار بالطبع).

التخطيط للقتال في ظل انتشار الأوبئة

وحين أمرت البحرية طاقم حاملة الطائرات ثيودور روزفلت المحطم نفسيًّا بإنهاء الحظر في مايو (أيار) للمشاركة في تدريبات مخطط لها منذ فترة، لتهديد الصين في غرب المحيط الهادئ، كان لا بد من ترك ثلث طاقمها في المستشفيات أو في الحجر الصحي في جوام. 

Embed from Getty Images

القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية 

ومثل هذه التدابير المؤقتة، التي تتخذها وزارة الدفاع (البنتاجون)، هدفها إعطاء الجيش شعورًا بالاستعداد والكفاح والإصرار المستمر على الفوز، حتى في الأوقات التي تتسم بالقيود المتعلقة بكوفيد-19. 

ويحذر العلماء من أن الفيروس من المرجح أن يستمر لفترة طويلة، وإذا طُور لقاح فربما لا يثبت فعاليته إلى الأبد، ناهيك عن المزيد من الأوبئة الأكثر فتكًا التي يمكن أن تلوح في الأفق، ما يعني استحالة العودة إلى «الوضع الطبيعي». وبناءً على هذا، اضطر مسؤولو البنتاجون للاعتراف بأن الأسس العسكرية لاستراتيجية واشنطن العالمية – خاصة النشر المتقدم للقوات القتالية بالتعاون الوثيق مع القوات المتحالفة – أصبحت غير مجدية. 

واعترافًا بهذا الواقع الجديد القاسي، بدأ الاستراتيجيون الأمريكيون في وضع مخطط جديد تمامًا للحرب المستقبلية؛ سينهي، أو يقلل إلى حد كبير، الاعتماد على مئات الحاميات الخارجية والسفن الحربية الكبيرة المزودة بطواقم بشرية، لصالح الاعتماد على الروبوتات القاتلة، وعدد لا يحصى من السفن والقواعد البحرية غير المأهولة بعناصر بشرية.

سفن دون بحارة

يشير الكاتب إلى أن الجائحة سرَّعت خطط البحرية الأمريكية لاستبدال السفن الصغيرة غير المأهولة بالعناصر البشرية بالسفن الكبيرة المأهولة؛ لعدة عوامل: فالسفن الحربية الحديثة مثل حاملات الطائرات التي تعمل بالطاقة النووية والطرادات المسلحة بالصواريخ ازدادت كلفة بنائها، وأحدثها «يو إس إس جيرالد ر. فورد» تكلفت 13.2 مليار دولار أمريكي، وما زالت لا تعمل وفقًا للمواصفات، كما ثبت أنها عرضة لخطر الصواريخ الصينية المضادة للسفن والطوربيدات. 

كما يمكن أن تصبح السفن أرضًا خصبة لتكاثر الأمراض المعدية كما حدث في كارثة ثيودور روزفلت. بينما كان يُعتَقَد أن أكثر ما يدعو للقلق هو الأسلحة المتمركزة على الأراضي الصينية المضادة للسفن، والقادرة على ضرب الناقلات والطرادات الأمريكية في أجزاء بعيدة من المحيط الهادئ.

لذلك بدأ مسؤولو البحرية في تبني استراتيجية جديدة، تسمى أحيانًا «العمليات البحرية المتناثرة»، حيث ستصاحب السفن الحربية المأهولة الصغيرة في المستقبل في المعركة أعداد كبيرة من سفن صغيرة غير مأهولة مزودة بصواريخ، أو «روبوتات قاتلة» بحرية. 

وتشير دراسة هندسة الأساطيل المستقبلية إلى صعود ما يسمى بالحرب الروبوتية البحرية، حيث تجوب أعداد كبيرة من السفن غير المأهولة (كالغواصات) محيطات العالم، وتقدم تقارير دورية عبر الوسائل الإلكترونية إلى العاملين البشريين الموجودين على الشاطئ أو على سفن قيادة محددة. وربما تعمل هذه السفن غير المأهولة بذاتها لفترات طويلة أو في ما يسمى بـ«قطعان الذئاب» الروبوتية (مجموعة من الغواصات تعمل معًا في ملاحقة قوافل العدو ومهاجمتها). 

وتبنت القيادة العليا في البنتاجون مثل هذه الرؤية الآن؛ إذ ترى أن الشراء السريع لهذه السفن الروبوتية ونشرها هو أضمن طريقة لتحقيق هدف البحرية (والرئيس ترامب) الرامي لتشكيل أسطول من 355 سفينة، والذي سيصبح بحلول عام 2030 غير مأهول تمامًا بأي عناصر بشرية، وفق ما صرح به وزير الدفاع مارك إسبر في شهر فبراير (شباط).

Embed from Getty Images

وللبدء في تنفيذ مثل هذه الخطة الجريئة، طلب البنتاجون 938 مليون دولار للسنتين الماليتين التاليتين لشراء ثلاثة نماذج أولية كبيرة لسفن سطحية غير مأهولة، و56 مليون دولار أخرى للتطوير الأوليِّ لسفينة سطحية متوسطة الحجم غير مأهولة. 

وإذا أثبتت هذه الجهود نجاحها، فإن البحرية تريد 2.1 مليار دولار أخرى في الفترة من 2023 حتى 2025 لشراء سبع سفن كبيرة سطحية غير مأهولة وقابلة للنشر، ونموذج أولي لسفينة سطحية متوسطة الحجم غير مأهولة. وستجهز هذه السفن أيضًا بأنظمة كمبيوتر متطورة تمكنها من العمل باستقلالية لفترات طويلة من الزمن، واتخاذ إجراءات هجومية من تلقاء نفسها، أو بالتنسيق مع سفن أخرى غير مأهولة.

ويشير الكاتب إلى أن النشر المستقبلي للسفن الحربية الآلية في أعالي البحار يثير أسئلة مقلقة، أبرزها: هل ستكون تلك السفن قادرة على اختيار الأهداف التي تهاجمها وتبيدها بمفردها؟ لم تقدم البحرية حتى الآن إجابة شافية عن هذا السؤال، مما أثار القلق بين المدافعين عن الحد من التسلح وحقوق الإنسان.

القتال من على بعد

عندما يتعلق الأمر باحتمال تفشي الأوبئة، تواجه القوات البرية المقاتلة ومشاة البحرية معضلة مماثلة؛ فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تبنت الاستراتيجية العسكرية الأمريكية مبدأ «القتال المتقدم»؛ ما يتطلب تشكيل تحالفات عسكرية مع العديد من البلدان، وتدشين مئات القواعد العسكرية الأمريكية حول العالم. وتفترض الاستراتيجية الأمريكية أن العديد من هذه الدول ستوفر في زمن الحرب قوات للقيام بعمليات مشتركة ضد عدو مشترك. 

لمحاربة السوفيت في أوروبا، أنشأت الولايات المتحدة الناتو، ونشرت حاميات في جميع أنحاء أوروبا الغربية، ولمحاربة الشيوعية في آسيا، أقامت علاقات عسكرية مع اليابان، وكوريا الجنوبية، وفيتنام الجنوبية، والفلبين وقوى محلية أخرى، واستحوذت على عشرات القواعد هناك أيضًا. وعندما أصبحت أفغانستان، وإيران، والعراق، والإرهاب الإسلامي أهدافًا رئيسية لعملياتها العسكرية، أقام البنتاجون علاقات وقواعد في أفغانستان، والبحرين، وجيبوتي، والعراق، والكويت، وعمان، والسعودية، والإمارات العربية المتحدة، وأماكن أخرى.

في عالم خالٍ من الجائحة، تقدم هذه الاستراتيجية مزايا عديدة للقوة الاستعمارية، بحسب التقرير. ففي وقت الحرب، لا تضطر أمريكا لنقل قواتها بمعداتها الثقيلة إلى منطقة القتال من قواعد تبعد آلاف الأميال. ومع ذلك، في عالم يشهد أوبئة متكررة، سرعان ما تصبح هذه الرؤية كابوسًا لا يُطاق.

الأوبئة المتكررة تُصعِّب مهمة القوات الأمريكية حول العالم

يخلص الكاتب إلى أنه من المستحيل تقريبًا عزل آلاف الجنود الأمريكيين وأسرهم عن السكان المحيطين، وبالتالي يرجح أن يتسلل أي فيروس يتفشى خارج بوابات القاعدة إلى الداخل والعكس أيضًا صحيح، كما حدث في مرافق خارجية عديدة هذا الربيع، كإغلاق معسكر همفريز في كوريا الجنوبية بعد إصابة عسكريين، ومقاولين أمريكيين، وموظفين كوريين جنوبيين بكوفيد-19، وتكرر في قواعد عديدة في اليابان وجزيرة أوكيناوا، إضافة إلى معسكر ليمونير في جيبوتي، وقاعدة أحمد الجابر الجوية في الكويت، ناهيك عن وضع حوالي 2600 جندي أمريكي في أوروبا في الحجر الصحي بعد الاشتباه في إصابتهم بكوفيد-19. 

في عالم مبتلى بالأوبئة المتكررة سيكون من المستحيل تقريبًا على القوات الأمريكية العمل إلى جانب نظيراتها الأجنبية، خاصة في الدول الأكثر فقرًا التي تفتقر إلى مرافق صحية كافية. وينطبق هذا بالفعل على العراق وأفغانستان، حيث يُعتقد أن الفيروس انتشر على نطاق واسع بين القوات المحلية الصديقة، وتلقى الجنود الأمريكيون الأوامر بتعليق مهام التدريب المشتركة معهم.

Embed from Getty Images

ولأن العودة إلى عالم ما قبل كوفيد-19 مستبعدة، ينصح الكاتب بالبحث عن استراتيجية جديدة لعمليات الجيش ومشاة البحرية في السنوات القادمة. ولحماية العمليات البرية من أخطار الأوبئة التي تضرب الكوكب، تستكشف القوات البرية ومشاة البحرية نموذج تشغيل مشابه.

فبدلًا من نشر وحدات كبيرة مدججة بالسلاح بالقرب من حدود العدو، يأملون في تمركز قوات صغيرة سريعة الحركة على الجزر التي تسيطر عليها الولايات المتحدة، أو في مواقع أخرى على بُعد معقول، حيث يمكنها إطلاق صواريخ باليستية بعيدة المدى على أصول العدو الحيوية مع الإفلات من العقاب نسبيًّا. وتقليل مخاطر المرض أو الإصابات أكثر، ستُعزز هذه القوات بمرور الوقت على الخطوط الأمامية بالابتكارات المُصممة لأداء مهام الجنود العاديين.

وعُرض هذا النموذج القتالي المستقبلي أول مرة في وثيقة «تصميم القوة لعام 2030»، التي نشرت في مارس، وأكد قائد الفيلق الجنرال ديفيد بيرجر أن الهيكل الحالي لقوات مشاة البحرية غير مناسب لعالم الغد، ودعا إلى إعادة هيكلة جذرية للقوات للتخلص من الأسلحة الثقيلة التي يشغلها الإنسان مثل الدبابات، وزيادة القدرة الحركية والقوة النارية بعيدة المدى بصواريخ متعددة وأنظمة آلية. 

ومن بين «القدرات الجديدة الحاسمة»: أنظمة جوية إضافية، أو طائرات بدون طيار، «يمكنها أن تعمل من السفينة، ومن الشاطئ، وقادرة على جمع المعلومات الاستخباراتية وأداء المهام المُميتة».

إعادة تصميم استراتيجي حقيقي

يُرَوَّج لجميع هذه الخطط والبرامج لتمكين الجيش الأمريكي من مواصلة مهامه التقليدية المتمثلة في نشر القوة وخوض الحروب في عالم متغير جذريًّا. وإذا استمر الفيروس طويلًا وأعقبته فيروسات أخرى متساوية أو أشرس مستقبلًا، كما يتوقع العلماء، فإن التهديدات المستقبلية الحقيقية للأمن الأمريكي ربما تكون ميكروبيولوجية (واقتصادية)، وليست عسكرية. 

يختم الكاتب مذكرًا بأن الجائحة الحالية قتلت من الأمريكيين عددًا أكبر ممن ماتوا في الحربين الكوريتين وفيتنام مجتمعتين، وتسببت في أسوأ ركود اقتصادي في البلاد منذ الكساد العظيم. ولنتخيل إذن ما يمكن أن تفعله جائحة أكثر فتكًا.

ربما تظل القوات المسلحة للبلاد تلعب دورًا مهمًّا في مثل هذه البيئة، كتقديم المساعدة الطبية الطارئة وحماية البنية التحتية الحيوية، ولكن خوض حروب لانهائية في أراضٍ بعيدة ونشر القوة عالميًّا لا يجب أن يحتل أهمية كبرى عندما يتعلق الأمر بإنفاق أموال دافعي الضرائب لتحقيق «الأمن» في مثل هذه الأوقات الصعبة. ولا مفر من أن يعيد الجيش الأمريكي النظر في كيفية تسليح قواته وهيكلتها، والتفكير الجاد في نماذج تنظيمية بديلة. 

دولي

منذ شهرين
هل ينجح ترامب في توريط الجيش الأمريكي في السياسة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد