نشر موقع «Vox» الأمريكي تقريرًا جديدًا يلخص نتائج دراسةٍ منشورة حديثة تبيّن بدء تفشّي فيروس كورونا قبل أسابيع مما جاء في تصريحات المسؤولين الصينين، واختلافًا في البيانات بين المعلومات الواردة في الدراسة والتقارير الرسمية الصادرة عن الصين.

Embed from Getty Images

بدء العدوى

أعلنت الصين لأول مرة عن تفشّي التهابٍ رئوي غامض في أواخر شهر ديسمبر (كانون الأول)، وقد اتفق المسؤولون الصينيون حينها على روايةٍ واضحة تقول بأن معظم المرضى لهم علاقة بسوق المواد الغذائية في مدينة ووهان – التي ما  تزال مركز التفشي حتى الآن – وهو ما أكدته السلطات الصحية المحلية. ظهرت أعراض المرض على أقرب الحالات قبل أسبوعين فقط من التصريحات، في 12 ديسمبر. ولم يوجد «دليل واضح» على انتقال العدوى من إنسان إلى آخر، ما يعني أن الفيروس لم يتطوّر بعد ليتمكن من الانتشار المباشر بين البشر. يوحي هذا باحتمال انتقال الإصابة إلى الناس مباشرةً من الحيوانات الموجودة في السوق.

هذه التفاصيل مجتمعةً طمأنت خبراء الصحة العالميين إلى حدٍ ما؛ إذ تعني هذه الأمور أن تفشي فيروس كورونا الفتّاك قد بدأ في الآونة الأخيرة ولا يحتمل انتشاره بعيدًا، وأن عامة السكان ليسوا مهددين بالإصابة بهذا المرض الخطير.

لكن ومنذ الأسبوع الماضي، ارتفعت حصيلة الحالات ارتفاعًا مهولًا. بحلول يوم الاثنين، سجّل أكثر من 2800 حالة للإصابة بمرض كورونا في مختلف أنحاء الصين، وعدد كبير من حالات الإصابة في ما لا يقل عن 10 دولٍ أخرى، بما في ذلك خمس حالات في الولايات المتحدة وواحدة في كندا. بدأ النقاش الجدي حول احتمالية أن يغدو الفيروس الجديد وباءً، وهذا يعني أن المؤشرات المبكرة للمستوى المنخفض للتفشّي كانت خاطئة.

Embed from Getty Images

قد يساعد في توضيح السبب وراء هذا دراسةُ نشرت في 24 يناير (كانون الثاني) في مجلة «ذا لانسيت» – وهي من أقدم وأشهر المجلات الدورية الطبية في العالم – يقدّم مؤلفو الدراسة من الباحثين الصينيين والأطباء العاملين في ووهان صورةً مختلفة تمامًا للأيام الأُوَل لبدء تفشّي الفيروس، وتؤكد نتائج دراستهم بدء انتشار الفيروس بين البشر قبل أسابيع متعددة مما صرّح به المسؤولون الصينيون.

درس الباحثون الرسوم البيانية الإكلينيكية، وسجلات التمريض، ونتائج المعمل، والأشعة السينية للصدر للدفعة الأولى من المرضى – وعددهم 41 – ممن تأكدت إصابتهم بفيروس كورونا. وجاءت نتائج دراستهم بأمور مثيرة للاهتمام، بما في ذلك حقيقة أن حالة الإصابة الأولى بفيروس كورونا لم يكن لها أيّ ارتباط بسوق المأكولات البحرية في مدينة ووهان التي تُعد مركزًا لتفشّي المرض الآن.

تزيد هذه التناقضات من إلحاحِ سؤال يطرحه الكثيرون وفقًا للتقرير: هل قللت الصين من حقيقة انتشار المرض في وقت مبكر؟ وإذا فعلت ذلك، فلماذا؟

نظرة جديدة إلى حالات فيروس كورونا المبكرة

هناك بعض الاختلافات الرئيسية بين تقارير الصين المبكرة عن هذا الوباء والنتائج التي توصلت إليها دراسة لانسيت الجديدة، التي ركزت على أول 41 مريضًا، وفي التالي أهم الاختلافات:

1-  أكثر من ثلث الحالات الأولى ليس لها صلة بالسوق:

كما يبدو في مخطط لانسيت أدناه، حينما بدأت الصين بتنبيه العالم إلى اندلاع المرض – في 31 ديسمبر – وُجد العديد من الحالات المُكتشفة بالفعل دون أن يكون لها علاقة بسوق هوانان. وإجمالًا، فإنه اعتبارًا من 2 يناير –بعد يومين من أول تقريرٍ صادر عن الصين عن تفشي المرض- كان 27 من أصل 41 مريضًا من مرضى سوق المأكولات البحرية قد تعرضوا للفيروس بالفعل، ما يعني أكثر من ثلث المرضى لم يتعرضوا له.

تاريخ ظهور المرض والتوزيع العمري لحالات الإصابة المؤكدة لعدوى فيروس كورونا الجديد. المصدر

2- لم يكن لبداية انتشار الفيروس أو الفهرس أي صلة بالسوق

يدلّ الرسم البياني على أمرٍ في غاية الأهمية، إذ لم يكن لأول مريض معروف – ويمثله الشريط الأزرق على اليسار في الرسم البياني أعلاه – أي صلة بالسوق. وكما يشرح التقرير، أصيب هذا الشخص بالمرض في الأول من شهر ديسمبر، أي قبل أسبوعين تقريبًا مما اقترحته سلطات الصحة في ووهان بشأن الحالة الأولى. تشير الدراسة أيضًا إلى أنه «لم يُعثر على صلة وبائية بين المريض الأول والحالات اللاحقة». لذلك لم توجد صلة بين جزء كبير من الحالات المبكرة والسوق، وكذلك لم يكن المريض الأول معروفًا أيضًا – ولا أحد يعرف كيف تعرض الشخص الأول للإصابة.

يعني هذا أن انتشار الفيروس في ووهان جرى على الأرجح لشهور في وقت أبكر – في وقت مبكر من شهر أكتوبر – وذلك وفقًا لأقوال طبيب الأمراض المعدية والأستاذ المساعد في الأمراض المعدية في المركز الطبي بجامعة جورج تاون دانييل لوسي، موضحًا وجود احتمالات متعددة للأماكن التي تعرض لها الناس للحيوانات المصابة بالفيروس ضمن سلسلة الإمداد الغذائي، ومضيفًا على ذلك: «إذا لم يصابوا بالعدوى في السوق فهناك احتمالان: أولًا، أنهم أصيبوا بالعدوى عبر حيوان مصاب بالفيروس في سوقٍ مختلف أو أيّ مكان آخر قد يحوي حيوانًا مُصابًا بالفيروس. ثانيًا، أنهم تعرضوا للعدوى من شخصٍ آخر، وبالتالي كان هناك تفشٍ للفيروس بين الأشخاص آنذاك».

3- هناك دليل مباشر على انتشار الفيروس بين البشر من اليوم الثاني من يناير

في هذا الصدد، ووفقًا لورقة لانسيت البحثية توفي أول شخص بسبب الفيروس في 9 يناير، وقد نقل الفيروس إلى زوجته، تعرض هذا الشخص للسوق فيما لا يوجد للزوجة أي تاريخ مع سوق ووهان، وهذه علامة مبكرة على أن انتقال الفيروس بين البشر كان ممكنًا على الأقل (ومن الممكن أيضًا أن تعامل الزوجة مع اللحوم المصابة التي أحضرها زوجها إلى المنزل من السوق هو المتسبب وفقًا للتقرير).

بحلول يوم 10 يناير (كانون الثاني)، حُدّدت عائلة أخرى مصابة بالفيروس، وفقًا لدراسة ثانية للانسيت نُشرت يوم 24 يناير، وركزت بالكامل على عائلة واحدة في مدينة شنجن بالصين. أصيب بالفيروس خمسة أفراد من العائلة زاروا ووهان مؤخرًا – بالإضافة إلى قريب آخر لم يسافر قط إلى ووهان، والجدير بالذكر أن لا أحد من هؤلاء قد زار سواق هوانان.

ظهر هذان المثالان لانتشار الفيروس المحتمل من إنسان إلى إنسان قبل ما يقرب من أسبوعين كاملين من تأكيد الصين أول حالات انتقال العدوى من إنسان إلى إنسان، أي في 20 يناير.

4- الاختلاف الصارخ في أعمار الحالات المبكرة وظروفها الصحية عن التقارير الرسمية للصين

يوضح التقرير أن أكثر من نصف الحالات المبكرة كانوا لأشخاصٍ تقل أعمارهم عن 64 عامًا – وتراوحت أعمار نصف الأشخاص في وحدة العناية المركزة ما بين 25 و49 عامًا، وهو ما يتناقض مع ما ورد في العديد من التقارير المبكرة الصادرة من الصين حول الحالات الخطيرة أو المميتة؛ إذ حاولت السلطات الصينية إظهار المرضى على أنهم كبار في السن، أو أن حالتهم الصحية أساسًا ليست في أحسن أحوالها. ولكن التوزيع العمري للمرضى في ورقة لانسيت البحثية يروي قصة مختلفة تمامًا:

حالات دخول المستشفيات موزعة وفقًا للفئة العمرية. المصدر  

غالبية المرضى الذين دخلوا إلى المستشفى كانت أعمارهم ضمن فئة 64 عامًا وما دون –وينطبق ذلك حتى على من كانوا في وحدة العناية المركزة – وتراوحت أعمار قرابة نصف المقبولين في وحدة العناية المركزة بين 25 و49 عامًا. وما هو أهم من ذلك، حمل ثلث هؤلاء المرضى فقط أمراضًا كامنة.

ما الذي يجري هناك إذن؟

يورد التقرير بعض التفسيرات المحتملة للاختلافات بين التقارير المبكرة من الصين والمعلومات الواردة في دراسات لانسيت الجديدة. يذهب أول التفسيرات إلى أن السلطات في ووهان – وهي أول من أبلغ عن تفشي المرض – لم يكن لديها معلومات كافية لتجميع صورة دقيقة للفيروس قبل إصدار الخبر إلى العالم كله.

وينقل التقرير عن البروفيسور في كلية لندن للصحة والطب الاستوائي ديفيد هيمان –ولديه خبرة من فترة تفشّي متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد (سارس) – قوله: «إذا كنت تتذكر قصة الإيدز، كان هنالك العديد من الفرضيات الأولية عن أصله وسبب نشوئه، تمامًا كما هو الحال مع الأمرض المعدية الناشئة الأخرى. يشبه هذا أحجيةً عليك أن تجمع لأجلها كل المعلومات لتفهم من أين بدأ الأمر، لكن الغاية الأهم الآن هو منعه من الاستمرار في الانتشار».

وشبه توم فريدن، المدير السابق لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها نشر هذه البيانات الخاطئة من الصين بـ«ضباب الحرب» وذلك في وقتٍ مبكر من تفشي المرض.

Embed from Getty Images

التفسير الثاني لمسألة الاختلافات يقول بأن البيروقراطية الصارمة في الصين تسببت في تأخير الحصول على معلومات حول ما حدث على أرض الواقع. أوضحت عضوة مركز علوم الصحة والأمن العالمي بجامعة جورج تاون ألكسندرا فيلان، والتي عاشت وعملت في الصين على مدى العقدين الماضيين: «كان هناك الكثير من العمليات الداخلية الواجب اتبّاعها ضمن نظام البيروقراطية في الصين للحصول على بيانات رسمية من الحكومة المركزية. تتسبب قلة المرونة هذه بظهور المعلومات ببطءٍ شديد للغاية».

وأضافت فيلان أن نظام الإبلاغ المعقد هذا قد يمنع المسؤولين ذوي الرتب الدنيا من الإبلاغ عن المعلومات، وخاصة المعلومات الحساسة سياسيًّا. لذلك لا تُحوّل البيانات عبر قنواتها الموضوعة إلى الحكومة المركزية بسبب التحديات المفروضة على تبادل المعلومات من الجهة القانونية والمعيارية والعملية. علمًا بأن نظم البيروقراطية المتسلسلة قد تُثبط المسؤولين المحليين عن الإبلاغ وإيصال الأخبار السيئة إلى رؤوسائهم المركزيين ممن قد يُحتاج تدخلهم في حالاتٍ مماثلة.

التفسير الثالث يتمثل في أن الصين قللت عمدًا من حالة الطوارئ الصحية، كما فعلت خلال تفشّي السارس عام 2003. تعرضت الصين عندئذٍ لانتقادات شديدة بسبب رد فعلها البطيء، وحجبها المعلومات عن تفشّي المرض لفترة طويلة، ووضعها الاعتبارات الاقتصادية قبل اعتبارات الصحة العامة. وفي النهاية قتل الفيروس 774 شخصًا وأصاب أكثر من 8000 شخص، وفقًا لما يورده التقرير.

وقال مدير معمل الاستراتيجية العالمية وبروفسور الصحة العالمي بجامعة يورك ستيفن هوفمان: «حقيقة أن اختلاف تقرير لانسيت عن الرواية الرسمية المبكرة للصين مدعاةٌ للقلق البالغ حول صحة المعلومات الواردة من الصين… إذا حجبت الصين المعلومات عن قصد، فلن يكون ذلك ضارًّا بالصحة العامة فحسب، بل غير قانونيّ أيضًا وذلك بموجب القانون الدولي. سيكون انتهاكًا للوائح الصحة الدولية، وهي معاهدة ملزمة قانونيًّا تغطي كيفية استجابة 195 دولة لحالات التفشّي المماثلة».

«إذا حجبت الصين المعلومات عن قصد، فلن يكون ذلك ضارًّا بالصحة العامة فحسب، بل غير قانونيّ أيضًا بموجب القانون الدولي. سيكون انتهاكًا للوائح الصحة الدولية، وهي معاهدة ملزمة قانونيًّا تغطي كيفية استجابة 195 دولة لحالات التفشّي المماثلة».

وأضاف هوفمان أنه يجدر الإشارة أيضًا إلى أن الرئيس الصيني شي جينبينغ أصدر في 20 يناير أول بيان علني له حول تفشّي المرض، مطالبًا جميع أجزاء الحكومة الصينية «بإعطاء الأولوية لحياة الناس وصحتهم». وفي غضون أيام، تضاعف عدد الحالات ليستمرّ في الارتفاع بسرعة فائقة منذ ذلك الحين. (حتى 14 يناير، لم يكن هناك سوى 41 حالة مؤكدة للفيروس الجديد. لكن أكثر من 2000 حالة تأكدت بعد خمسة أيام من إعلان الرئيس الصيني).

يشير هوفمان إلى أن هذا المنظور يجعل الأمر يبدو وأن الصين تُبلغ عن الحالات الآن، موضحًا عدم وجود دليل حاليًا على أيّ حجب للمعلومات، لكن: «عليك أن تقلق دائمًا: حين يكون هناك مصدر واحد ليس بهذه الاستعدادية منذ البداية، فلن تعرف أبدًا لاحقًا». فالسؤال هنا عما إذا كانت الصين قد طرحت وصفًا غير دقيق عما لديها من بياناتٍ وحالات متعلقة بهذا التفشي، ويصبح هذا السؤال مُلحًّا وعاجلًا أكثر الآن.

ويختتم التقرير مع توكيد دانييل لوسي من جامعة جورج تاون خطورة الأمر: من الأهمية بمكان فهم الأيام الأولى لتفشي المرض. لا يساعدنا هذا على فهم الطابع الفتّاك للفيروس وقدرته على الانشار فحسب، بل يكشف أيضًا كيف حدث هذا الانتشار السريع للفيروس – ليس فقط عبر ووهان، بل إلى كل مقاطعة في الصين باستثناء التبت».

صحة

منذ 4 شهور
«التليجراف»: الأعراض والوقاية والعلاج.. 10 أسئلة تشرح لك كل شيء عن فيروس «كورونا»

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد