كشف موقع «فورين بوليسي» في مقال لكالدر والتون أن وكالات الاستخبارات العالمية تخوض حربًا خفية ضد فيروس كورونا.

وأوضح والتون أن الفيروس التاجي الذي يجتاح العالم حاليًا ليس مجرد حالة طوارئ صحية عامة. بل تهديد غير مسبوق للأمن القومي والدولي، ومواجهته تشبه حربًا كبرى ستشهد آلاف القتلى. سيكون لأجهزة المخابرات دور رئيسي في هذه الحرب، مثل الحروب السابقة عبر التاريخ. وسيحدث هذا إلى حد كبير في الخفاء، لكنه لن يكون أقل أهمية.

تنخرط أجهزة المخابرات في الحرب ضد فيروس كوفيد-19 بطرق عدة. فأولاً، ستقدم للسياسيين تقييمات حول انتشار الفيروس وتأثيره. لدى مجتمع المخابرات الأمريكية بالفعل مرفق مخصص الآن في الخط الأمامي لمحاربة الفيروس، المركز الوطني للاستخبارات الطبية (NCMI)، ومقره في ميريلاند. يعمل المركز مع خبراء الأوبئة وعلماء الفيروسات وغيرهم لتبادل المعلومات الاستخباراتية حول الفيروس. ومثل سلفه في الحرب الباردة، يعمل المركز باعتباره عيونًا وآذانًا لأمريكا عندما يتعلق الأمر بالتهديدات البيولوجية منذ عام 2008.

وفقًا لتقارير عامة، في أوائل هذا العام، حذر مجتمع المخابرات الأمريكية إدارة ترامب من خطر انتشار الفيروس من مدينة ووهان الصينية، حيث نشأ، وأصبح جائحة. ولكن حسب تقارير – يشير والتون – رفض ترامب هذه التحذيرات الاستخبارية. لم يكن سوء التعامل الأولي مع كوفيد-19 فشلًا في المخابرات الأمريكية. بل هو أحد أسوأ وأخطر إخفاقات السياسة في تاريخ الولايات المتحدة.

 

كشف الأسرار

ثانيًا، تعمل أجهزة المخابرات على سرقة الأسرار المرتبطة بالمرض. إن التجسس معني بالكشف عن المعلومات التي يريد الآخرون الاحتفاظ بها سرًّا. مع جائحة كوفيد-19، ستتمكن المخابرات الأمريكية من تزويد السياسيين في واشنطن بمعلومات فريدة حول أسرار الدول الأجنبية المتعلقة بالفيروس، بما في ذلك ما إذا كانت معدلات الإصابة الحكومية الرسمية دقيقة.

وفقًا لتقديرات المخابرات الأمريكية، أخفت الصين مدى تفشي الفيروس في البداية، في حين كان لدى روسيا مستويات رسمية منخفضة بشكل مثير للريبة، ولكنها فرضت الآن عمليات حظر صارمة. وبالتالي، ستضطلع المخابرات الأمريكية وشركاؤها بأدوار رئيسية في التحقق من أرقامهم الرسمية.

سيأتي جزء من هذه المعلومات الاستخبارية من التجسس، وهي العملية القديمة لتجنيد المصادر البشرية للوصول إلى المعلومات السرية ذات الصلة. كما أنها ستأتي بلا شك من الذكاء التقني، مثل المعلومات أو الصور الاستخبارية، التي تثبت كذب الدولة الأجنبية حول فيروس كوفيد-19.

الطريقة الثالثة التي ستلعب بها أجهزة المخابرات دورًا مهمًا في مكافحة كورونا – يضيف والتون – هي من خلال مكافحة التضليل. تنخرط بكين وواشنطن حاليًا في معركة دعائية حول أيهما يقود العالم في هزيمة الجائحة، وبالتالي ضمنيًا، إنها حرب لإثبات ما إذا كانت الحكومات الديمقراطية أو غير الديمقراطية يمكنها حماية المواطنين بشكل أفضل. مع ارتفاع معدلات الإصابة بالولايات المتحدة بشدة، وتجاوز معدل الوفيات في أمريكا نظيره في الصين، تخسر واشنطن المعركة.

لتشويه سمعة الولايات المتحدة، روجت الحكومة الصينية نظرية مؤامرة مفادها أن الجيش الأمريكي مسؤول عن نشر الفيروس التاجي في الصين. إن هذه الحرب هي في الواقع تكرار لنظرية المؤامرة التي طورتها المخابرات السوفيتية إبان الحرب الباردة: أن الجيش الأمريكي طور فيروس نقص المناعة البشرية الإيدز. في عملية سُميت Infektion، في معهد البحوث البيولوجية الأمريكي السري في فورت ديتريك – ومن المفارقات، أن المركز الوطني للاستخبارات الطبية الآن في الخط الأمامي في الحرب على فيروس كوفيد-19.

ليس من المستغرب أنه في مواجهة فيروس جديد قاتل، تكون المجتمعات في حيرة من أمرها وخائفة، وفريسة سهلة للتضليل. في مثل هذه الظروف، تميل الطبيعة البشرية إلى البحث عن تفسيرات، واليد الخفية لحكومة أجنبية هي طريقة جذابة لشرح ما لا يمكن تفسيره. خلال الحرب الباردة، وضعت الحكومة الأمريكية استراتيجية ناجحة لمواجهة تضليل المخابرات الروسية حول فيروس نقص المناعة البشرية. ففي أوائل الثمانينيات، أنشأ الرئيس رونالد ريجان مجموعة مشتركة بين الإدارات لمواجهة التضليل السوفيتي، سميت بمجموعة عمل التدابير النشطة (AMWG)، التي كانت استراتيجيتها ثلاثية: التقرير والتحليل والنشر.

كشفت المجموعة دور المخابرات السوفيتية في حملة التضليل حول فيروس نقص المناعة البشرية عبر جمع المعلومات الاستخبارية – ربما من جاسوس. ونسبت المجموعة نظرية المؤامرة إلى الكرملين، وفي سلسلة من الاجتماعات رفيعة المستوى مع القادة السوفييت، فضحت الولايات المتحدة التضليل السوفييتي. وفي عام 1987، تخلت موسكو فجأة عن نظرية المؤامرة بشأن فيروس نقص المناعة البشرية.

إن نفس الاستراتيجية قابلة للتطبيق لمواجهة التضليل حول جائحة كورونا اليوم – يكشف والتون – إذ يمكن للولايات المتحدة أن تنشئ مركزًا مشابهًا لمجموعة عمل التدابير النشطة لمواجهة التضليل. ومع ذلك، في عصر الإنترنت، يجب التحرك سريعًا والتعاون من شركات وسائل التواصل الاجتماعي غير المنظمة، مما يجعلها الآن أسرع وأرخص وأسهل وسيلة لنشر المعلومات المضللة في التاريخ.

في الحرب الباردة، نشر الكي جي بي معلومات مضللة حول فيروس نقص المناعة البشرية عن طريق زرع معلومات وهمية في المنشورات الغامضة، وتجنيد ما يسمى بالبرهان، الذي ذكرته وسائل الإعلام السوفيتية ووسائل الإعلام الغربية ذات الميول اليسارية باعتبارها حقيقة ثابتة. نجحت عملية التضليل عندما التقطت وسائل الإعلام الغربية في عام 1986 القصة. على النقيض من ذلك، كل ما هو مطلوب اليوم لتشويه سمعة حكومة الولايات المتحدة هو حسابات وسائل التواصل الاجتماعي الزائفة على الإنترنت.

هناك اختلاف رئيسي آخر بين ردود الولايات المتحدة الماضية والحالية على التضليل الوبائي، فقد أدلى ترامب بالعديد من التصريحات الكاذبة والمضللة حول فيروس كورونا وانتشاره. علاوة على ذلك، على عكس الرؤساء السابقين، تساءل ترامب عما إذا كانت أي حكومة صادقة حيال الأمر. وادعى هذا الأسبوع أن كل بلد ينشر معلومات مضللة عن الفيروس – مما يعني أن التضليل ليس كارثة.

أنظمة المراقبة وهاجس انتهاك الخصوصية

الطريقة الرابعة والأخيرة التي يمكن أن تساعد بها الاستخبارات في مكافحة كوفيد-19 والأوبئة الأخرى هي المراقبة – يقول والتون. تتمتع الأنظمة الاستبدادية مثل الصين بمزايا هائلة مدمجة مقارنة بالديمقراطيات الليبرالية الغربية، التي تحترم حكم القانون والحريات المدنية.

نفذت الصين عمليات مراقبة جماعية متداخلة لمواطنيها لمواجهة الفيروس، بدءًا من استخدام معرفات رقمية لمراقبة تحركات الناس، وحتى تقديم مكافآت لمن يبلغ عن الجيران المرضى. في المقابل، لم يبدأ الأمريكيون بعد في إجراء مناقشة عاجلة حول مدى استعدادهم لانتهاك خصوصيتهم لحماية الصحة العامة. وقد نشرت إسرائيل، أحد أقرب حلفاء أمريكا، برنامجًا للمراقبة الرقمية على مستوى الدولة باستخدام تقنية برامج التجسس لتتبع الهاتف، المصممة أصلاً لمكافحة الإرهاب، لرسم خريطة للعدوى وإبلاغ الأشخاص الذين يمكن أن يصابوا.

وإلى حين العثور على لقاح، والذي من المرجح أن يستغرق ما بين 12 و18 شهرًا، يحتاج الأمريكيون إلى تحديد ما إذا كانوا مستعدين لتدابير مراقبة صارمة مثل إسرائيل أم لا. أين يكمن التوازن بين أمن الصحة العامة والحريات المدنية بالنسبة للأمريكيين؟ وهل ستكون شبكة المراقبة الرقمية قانونية دستوريًا في الولايات المتحدة، ربما بموجب لوائح الطوارئ في زمن الحرب، وما هي الضمانات التي يجب أن يطلبها الأمريكيون لكيفية استخدام البيانات التي جرى جمعها؟ هذه ليست أفكارًا مجردة للمناقشة في ندوة مريحة بكلية الحقوق.

إنها قضايا عاجلة في العالم الحقيقي. في بريطانيا، انتقد قاضي المحكمة العليا السابق جوناثان سومبشن الشرطة البريطانية هذا الأسبوع، لأنها وبخت علنًا أشخاصًا يمارسون الرياضة في الحدائق العامة ضد رغبات الحكومة. وكما لاحظ سومبشن، فإن قوة الشرطة التي تفرض رغبات الحكومة فقط دون اتباع سيادة القانون هو تعريف الدولة البوليسية.

تمتلك الحكومة الأمريكية القدرات التكنولوجية اللازمة لإنشاء شبكة مراقبة رقمية محلية مماثلة لإسرائيل – يشدد والتون. في عام 2018، قضت المحكمة العليا الأمريكية بأغلبية ضئيلة بأن السلطات الأمريكية تحتاج إلى استصدار تصاريح للحصول على بيانات تحديد الموقع الجغرافي للهاتف الخلوي، ولكن هناك حالات طوارئ معينة عندما يكون الجمع بدون إذن، مثل التهديد بالتفجير، وتعقب الفارين أو حماية الأفراد المهددين بضرر وشيك.

يحتاج الكونجرس الأمريكي إلى أن يكون لديه سياسة عاجلة حول ما إذا كان فيروس كوفيد-19 يمثل حالة طارئة – ويجب أن يتضمن النقاش تحذيرات قوية من التاريخ حول برامج الحكومة الأمريكية لجمع بيانات الاتصالات. في الماضي، كانت هذه البرامج الأمريكية التي تدشن أثناء الحروب تميل إلى الاستمرار، سرًا، حتى بعد انتهاء تلك الحروب. إذا قامت الولايات المتحدة بإنشاء نظام مراقبة لحماية الصحة العامة ضد كورونا، يجب على الأمريكيين المطالبة بالرقابة والشفافية حول ذلك، مع قيام السلطات بإعداد تقارير إحصائية صادقة منتظمة حول طبيعة وحجم البيانات الرقمية التي يجري جمعها، على غرار تلك التي أنتجتها المخابرات الأمريكية بعد فضيحة إدوارد سنودن.

على أي حال، إن الطرق الأربع المذكورة أعلاه تحدد كيف يمكن لأجهزة الاستخبارات المساهمة في هزيمة الجائحة – يقول والتون. وعند رفع السرية عن الوثائق في نهاية المطاف بشأن حالة الطوارئ الصحية اليوم، فمن المرجح أن تكشف أن أجهزة المخابرات كانت تساعد حكوماتها بطريقة أخرى – من خلال إجراءات سرية يمكن إنكارها. جرى تداول تقارير تفيد بأن الموساد الإسرائيلي أجرى عملية سرية لشراء أجهزة اختبار فيروس كوفيد-19 من الخارج. وليس من الصعب تخيل دول أخرى تقوم بعمليات مماثلة. في نهاية المطاف، ستكون أجهزة المخابرات دائمًا الملاذ الأخير للدول ذات السيادة.

أما بالنسبة للمستقبل، فمن المؤكد أن الحكومات في جميع أنحاء العالم ستطالب بنوع جديد من المعلومات الاستخبارية لمكافحة الأوبئة لضمان عدم تعرضها للمفاجأة مرة أخرى. إن البلدان التي لديها بالفعل مثل هذه الموارد، مثل الولايات المتحدة، ستكافئها بمكانة أعلى. ومثلما أدت الكوارث السابقة للأمن القومي، مثل هجوم بيرل هاربور وهجمات سبتمبر، إلى إصلاح شامل في الاستخبارات الأمريكية للتأكد من عدم حدوثها مرة أخرى، فإن الفيروس التاجي سيفعل الشيء نفسه.

دولي

منذ 6 شهور
كيف تسببت السياسة في تحول كورونا إلى جائحة؟ 4 نماذج تشرح لك

ستصبح الاستخبارات الوبائية جزءًا محوريًا من الأمن القومي للولايات المتحدة في المستقبل، إلى جانب مجالات أخرى مثل مكافحة الإرهاب، ومكافحة التجسس، والأمن السيبراني. لسوء الحظ، قد تتصادم هذه المجالات، حيث تستفيد الجهات الحكومية وغير الحكومية من التداعيات الجيوسياسية للفيروس لممارسة الإرهاب والتجسس وإطلاق الهجمات الإلكترونية.

ستكشف الأسئلة الجادة – والدعاوى القضائية المستقبلية بلا شك – ما إذا كانت استجابات ترامب المربكة وغير المتسقة للفيروس قد كلفت حياة الأمريكيين. ولكن من بين صانعي السياسة، يمكن للمرء أن يأمل في أن يكون هناك توافق في الآراء على أن بعض الأجزاء الأكثر أهمية في مجتمع المخابرات الأمريكية لا تظهر إلا أثناء حالات الطوارئ.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد