تطور نظام المراقبة عبر الإنترنت أكثر مما نتخيل. ومع ذلك، فشل تمامًا في تحذيرنا من الفيروس التاجي، أو مساعدتنا في مكافحته. إن هذا على وشك التغيير، وسيتعين علينا تغيير مفهوم الخصوصية الشخصية.

قال برونو ماسشيز في مقال له على موقع مجلة «فورين بوليسي»، إنه في ظل الحظر المطبق في معظم دول العالم بسبب جائحة كورونا، اكتشف الناس مدى أهمية شبكة الإنترنت والموارد التي توفرها – كالكتب، والأفلام، والموسيقى، والمحتوى الإخباري، وأدوات التواصل مع الأصدقاء والعائلة. تخيل الحظر بدون الإنترنت؛ إنه كارثة.

ولكن هناك شبكة ثانية تنافس الإنترنت بشكل وثيق – يشير ماسشيز – وهي تنتشر في كل مكان، وتربط الناس والبلدان بسرعة لا مثيل لها، وهو كائن عالمي يولد المزيد باستمرار، تسمى بالفيروس التاجي. لكن الشبكتين متنافرتان، مما أعاق جهودنا لإدارة الوباء ومكافحته. انتشرت الملصقات التي تصور الفيروس في شوارع المدن في محاولة لإبقائنا في المنزل. لكن الفيروس نفسه ظل متخفيًا.

تكنولوجيا

منذ 5 شهور
العمل عبر الإنترنت يهدد الأمن والخصوصية.. كيف تحمي نفسك؟

ومع ذلك، يمكن تغيير الوضع القائم. لنأخذ رد سيرجي برين، المؤسس المشارك لشركة جوجل، على هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، مثلما جاء في مذكرات موظف سابق. فقد هرع إلى مقر الشركة وهو يظن أن سجلات البحث في الشركة يمكن أن تكشف عن هوية الإرهابيين. لقد أدرك أنه بحلول ذلك الوقت لم تعد شبكة الإنترنت مجرد أداة. لقد أصبحت عالمًا اصطناعيًّا يضم جزءًا كبيرًا من حياتنا. في هذا العالم الاصطناعي، كانت كميات البيانات متاحة بسهولة، ويمكن أن تعمل جوجل كمستشعر للتهديدات المحتملة.

منذ ذلك الحين – يؤكد ماسشيز – تطور نظام المراقبة عبر الإنترنت أكثر مما نتخيل. فهو يمتد الآن عبر البريد الإلكتروني، ووسائل التواصل الاجتماعي، ومدفوعات بطاقات الائتمان، واستخدام الهاتف الخلوي، وسجلات السفر. ويمكن جمع البيانات عن كل تذكرة طيران وحجز فندق، وكل تحويل مصرفي، وكل مكالمة وصورة في منصة واحدة، واستخراجها لاكتشاف أي أنماط غير عادية.

ومع ذلك، فشل هذا النظام تمامًا في تحذيرنا من الفيروس التاجي أو مساعدتنا في مكافحته. إن هذا على وشك التغيير، وسيتعين علينا تغيير مفهوم الخصوصية الشخصية.

استجابة الغرب للجائحة بدائية للغاية

فُرضت سياسات التباعد الاجتماعي بطريقة عشوائية بناء على بيانات قديمة. ففي العديد من الأماكن – يؤكد ماسشيز – لا تملك الحكومات سوى تكليف أشخاص بالتجول في المدينة لمراقبة السلوك.

ليت الحكومات تستخدم كل التكنولوجيا المتاحة لها بالفعل، حينها يمكن معالجة كل حالة وفقًا لمعايير فردية. فبمجرد التأكد من إصابة الشخص بالعدوى، يمكن تتبع المقربين منه تلقائيًّا وتوجيههم لإجراء الاختبار. وفي الوقت نفسه، يمكن تتبع امتثال الشخص المصاب لتعليمات الحجر باستخدام أدوات رقمية تراقب أنماط السفر والسلوك الفردية. بالطبع، يتطلب ذلك من الحكومات الوصول إلى البيانات الفردية لمستخدمي الهواتف المحمولة، وإزالة العقبات القانونية التي تمنعهم حاليًا من فعل ذلك.

تبذل الولايات المتحدة بالفعل جهودًا أولية في هذا الاتجاه – يكشف ماسشيز. ففي يوم الثلاثاء، أفادت بوليتيكو أن كبير المستشارين في البيت الأبيض، جاريد كوشنر، تواصل مع شركات التكنولوجيا بهدف إنشاء نظام وطني لمراقبة انتشار الفيروس. وفقًا لهذه التقارير، لن تكون الحكومة مسؤولة عن جمع البيانات الصحية بشكل مباشر، ولكنها ستعتمد على الولايات والمستشفيات وشركات البيانات الصحية. في بعض الحالات، سيكون الهدف ترشيد استخدام موارد الرعاية الصحية العامة، ولكن مع مرور الوقت ستكون إمكانية مراقبة البيانات الصحية للمواطنين الأفراد غير محدودة عمليًّا. وقد قارنها البعض بقانون باتريوت.

إن تشبيه الأمر بمكافحة الإرهاب مفيد لأنه يظهر كيف ينتشر الوباء. أحد الاحتمالات الواضحة هو أن نستبدل بتلك الأدوات غير الفعالة شيئًا أكثر تقدمًا. تخيل أنه جرى الكشف عن مريض جديد بالفيروس التاجي، بمجرد أن تثبت إصابته، يمكن للحكومة استخدام بيانات الهاتف الخلوي لتتبع كل شخص كان على مقربة منه، وربما التركيز على أولئك الأشخاص الذين كانوا على اتصال لأكثر من بضع دقائق. سيتلقى كل شخص في تلك القائمة رسالة تطلب منه الدخول في عزلة على الفور. وهم أنفسهم سيخضعون للفحص، وستبدأ العملية مرة أخرى.

يمكن بعد ذلك استخدام إشارة الهاتف الخلوي لفرض قرارات الحجر الصحي – يشدد ماسشيز. اترك شقتك وسوف تعرف السلطات. اترك هاتفك خلفك وسيتصلون بك. استنزف شحن البطارية وستكون سيارة شرطة على بابك في غضون دقائق، كما حدث مؤخرًا في تايوان، حيث أنشأت الحكومة نظام مراقبة لفيروس كورونا هو الأكثر تقدمًا من أي مكان في العالم.

في المملكة المتحدة، تعمل خدمة الصحة الوطنية على تطوير تطبيق تتبع جهات الاتصال من شأنه أن يراقب جهات الاتصال المتقاربة عبر إشارات البلوتوث، ثم يخطر هؤلاء الأشخاص تلقائيًّا إذا كانت نتائج الاختبار إيجابية. وفقًا للوثائق الداخلية، يمكن ترقية هذه الخدمة الأساسية بعدد من الوظائف الإضافية، مثل إخطار المستخدمين إذا أمضوا أكثر من ساعة واحدة خارج منازلهم أثناء الحجر، وحثهم على العودة إلى منازلهم.

ولكن هل سينجح ذلك؟ يتساءل ماسشيز. ليقول إن نوعًا ما من الرقابة أصبح أمرًا لا مفر منه. القيود الحالية ليست مستدامة على المدى الطويل. ولكن لا أحد يمتلك الشجاعة الكافية لرفعها دون بديل قادر على توفير الأمن نفسه بتكاليف اجتماعية واقتصادية أقل. إن السياق المناسب للسؤال هو الاختيار بين القيود الحالية ونظام مراقبة جديد. جادل البعض بأن طرق التتبع التقليدية ستكون كافية، لكن عدم كفاءتها في التعامل مع الجائحة الحالية، نوقشت باستفاضة في العديد من الدراسات العلمية الحديثة. تخيل فقط اثنين من مسؤولي الصحة يحاولان احتواء تفشي المرض بالتجول في أنحاء المدينة لمقابلة المصابين المحتملين، مطالبينهم بتدوين أسماء كل شخص تحدثوا إليه منذ إصابته.

سيجد المدافعون عن الخصوصية صعوبة في إقناع الجمهور بأن التعريفات التقليدية للخصوصية ذات قيمة أعلى من حرية مغادرة منزلك. إن قيمة الخصوصية لها أهميتها بالطبع. ولكن من الممكن تطوير مفهوم الخصوصية، مع حدود جديدة تتوافق مع التحديات العملية التي يواجهها المجتمع الآن.

هناك أسباب مشروعة للقلق – يضيف ماسشيز. عند إعطاء الحكومة ما يكفي من السلطة لأداء دورها، فقد يساء استخدام الكثير من السلطة. نحن نعلم أن سلطات المراقبة الواسعة الممنوحة لمحاربة الإرهاب يمكن استخدامها لمكافحة الهجرة غير الشرعية. وبالمثل، فإن البيانات الصحية التي جُمعت لمكافحة الجائحة يمكن أن ينتهي بها المطاف، على سبيل المثال، بتحديد أقساط التأمين الصحي.

ثانيًا، إن النظام الذي يجري تطويره حاليًا استبدادي نوعًا ما: فرسالة نصية من العدم قد تحبسك في المنزل. إذا لم يُصمم بعناية، فقد ينتهي الأمر بأن يكون أداة لمعاقبتنا على الأخطاء التي لا نعرف كيف نتجنبها.

لعلها مخاوف وجيهة، إلا أنها ليست حاسمة. يُظهر نظام مكافحة الإرهاب الذي طُور بعد هجمات 11 سبتمبر أن هناك مرحلتين مختلفتين في تشغيل نظام المراقبة. في المرحلة الأولية – يواصل ماسشيز حديثه – يعمل النظام تحت الضغط لأن التهديدات التي يكافحها موجودة بالفعل في وسطنا. ومع تحول النظام بشكل متزايد نحو التنبؤ والوقاية، بات السلوك الفردي أقل تأثرًا به. مع الوقت، من الممكن الاقتراب من حالة مستقرة، حيث يجري توجيه المراقبة نحو التهديدات الخارجية بدلًا من العمليات الروتينية أو العادية في المجتمع.

هناك دائمًا نقاط يكون فيها المجتمع الحر على اتصال مباشر بالتهديدات الخارجية. والمهم هو قصر عمليات كل نظام مراقبة على هذا المحيط الخارجي. يجب أن تكون هناك دائمًا منطقة خاصة يمكن للمواطنين التراجع عنها؛ هذه المنطقة لا تحتاج، ولا يجب، أن تخضع للمراقبة.

سيتعين على النقاد أن يواجهوا السؤال حول البديل الذي يقترحونه – يقول ماسشيز. تهدف المراقبة إلى وقف أو منع التطفل قبل أن تخترق دفاعات المجتمع. وبالنسبة لأولئك الذين يصرون على مستويات أقل من المراقبة، فإن البديل الوحيد هو بناء مجتمع أكثر مرونة يمكنه التعامل مع تلك التدخلات بعد حدوثها. قد يبدو هذا أكثر جاذبية، ولكن في الواقع يمكن أن تكون التكاليف الاجتماعية والفردية مرتفعة للغاية. خذ حالة الأوبئة المستقبلية مثالًا.

سيتعين على المجتمع المرن أن يستثمر بشكل كبير في الرعاية الصحية، مما يخلق فائضًا كبيرًا لاستخدامه في حالات الطوارئ. وسيتعين تدريب المواطنين على مجموعة من السلوكيات المناسبة. بل قد يضطر المجتمع إلى إعادة تصميم مدنه وشبكات النقل، وتغيير قوانين العمل، والهياكل الاقتصادية؛ حتى يظل التفشي المحتمل للأوبئة تحت السيطرة. عند هذه النقطة، قد يميل البعض إلى القول بأن الفيروس قد انتصر.

ربما لا يوافق صقور الخصوصية على هذا الطرح – ينوه ماسشيز – لكن نظام المراقبة يمكن أن يكون وسيلة لاحترام خصوصية الناس. إذا صُمم تصميمًا صحيحًا، سيتكون من سياج أمني – افتراضي – حيث يمكن أن تستمر الحياة دون عائق. ويجري ممارسة الجزء الأكبر من السلطة خارج السياج، مع أقل قدر ممكن من التطفل داخله.

من المبكر معرفة آثار نظام الرقابة المقترح

إن الهدف الحقيقي ليس إنشاء تقنية لرصد الإجراءات التقييدية أثناء تفشي المرض، ولكن منع حدوثه في المقام الأول. بعد عامين أو ثلاثة من انحسار التهديد بالفيروس التاجي – يؤكد ماسشيز – سيكون التحدي هو بناء نوع النظام الذي يمكن أن يمنع الأوبئة المستقبلية قبل حدوثها، تمامًا كما يجب أن يكون هدف سياسة مكافحة الإرهاب الفعالة هو وقف الهجمات المحتملة، بدلًا من القبض على الجناة بعد نجاحهم.

تذكر برين من جوجل وإدراكه أن شركته أعطته عينًا على الماضي. باستخدام سجلات البحث، يمكنه العودة بالزمن والقبض على المسؤولين عن الهجمات. من حيث المبدأ، يمكن استخدام طريقة مماثلة للكشف عن تفشي الفيروس في الوقت الحقيقي. إذا بحث عدد من الأشخاص في المجموعة الجغرافية نفسها عن الأعراض نفسها على الإنترنت، فستعرف خوارزمية قوية ما يحدث قبل أن يتمكن أي عالم حتى من الاشتباه في ذلك.

ومثلما أشارت صحيفة نيويورك تايمز في 4 أبريل (نيسان)، كانت عمليات البحث عن «لا أستطيع أن أشم» – وهي أعراض شائعة لعدوى فيروس كورونا – أعلى في نيويورك، ونيوجيرسي، ولويزيانا، وميتشيجان، وهي الولايات الأربع التي لديها أعلى معدل انتشار للفيروس التاجي. في الواقع، كانت عمليات البحث المتعلقة «بفقدان حاسة الشم» خلال هذه المدة مطابقة تمامًا لمعدلات انتشار الأمراض على مستوى الولاية. وكانت عمليات البحث عن non-sento odori «لا أستطيع أن أشم» تتزايد في إيطاليا مع انتشار تفشي الفيروس التاجي، قبل وقت طويل من نشر تقرير يحدد الأعراض المحتملة.

من المرجح أن ترغب السلطات في إجراء المزيد من التحقيقات. إحدى الطرق التي لفتت الانتباه هي استخدام موازين الحرارة المتصلة بالإنترنت لتحميل قراءات درجة الحرارة إلى منصة مركزية. وقد أنشأت إحدى الشركات الأمريكية خريطة وطنية لمستويات الحمى في أواخر مارس (آذار)، وكانت أسرع وأكثر دقة من أي طرف آخر في توقع اتجاهات الإصابة بالفيروس التاجي. يوجد في كينسا أكثر من مليون ميزان حرارة متداول تسجل 162 ألف قراءة يومية، منذ أن بدأ الفيروس في الانتشار في الولايات المتحدة. كيَّفت الشركة مؤخرًا برمجياتها للكشف عن ارتفاعات الحمى التي ترتبط على الأرجح بالفيروس التاجي.

في هذه الحالة، تكون القراءات طوعية، ويجب أن تبقى على هذا النحو. ولكن إذا كان الاستخدام الإلزامي لأساور درجة الحرارة المتصلة بالشبكة سيظل مفهومًا لقصص الخيال العلمي – يستدرك ماسشيز – يجب أن ألا يثق المرء بشدة في أجهزة استشعار درجة الحرارة في سيارات الأجرة العامة، التي تهدف للكشف عن وصول العدوى إلى مدينة أو بلد معين.

السر القذر هو أن استخدام البيانات الضخمة والخوارزميات التنبؤية أصبح حدثًا روتينيًّا في مكافحة الإرهاب وتنفيذ القانون. تبدو فرص عدم توسيع النظام تدريجيًّا لتشمل الأمن البيولوجي ضئيلة جدًّا، على الأقل لأن وباء الفيروس التاجي أصبح بالفعل أكثر تدميرًا بمراحل من أي هجوم إرهابي.

في النهاية، نحتاج إلى توصيل الإنترنت إلى العالم المادي لتعزيز قدرتنا على فهم العمليات المادية في الوقت الفعلي. والبديل هو التراجع كليًّا إلى الإنترنت الرقمي – للعمل والتحدث والعيش عن بُعد – مع التخلي عن العالم الطبيعي لعدونا، الفيروس.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد