كان يبدو أن فيروس كورونا بات تحت السيطرة في سنغافورة، حتى تضاعف عدد حالات الإصابة بـ كوفيد-19. والدرس الذي تستنبطه هانا بيتش، في تقريرها المنشور على صفحات «نيويورك تايمز»، من هذه التجربة هو: أنه من غير الواقعي بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا وبقية دول العالم العودة إلى الحياة الطبيعية في أي وقت قريب، حتى وإن بدا أنها استطاعت تسطيح منحنى العدوى.

تقول هانا، مديرة مكتب صحيفة نيويورك تايمز في جنوب شرق آسيا منذ عام 2017: «فعلت سنغافورة كل ما هو صحيح تقريبًا. فبعد تسجيلها أول حالة إصابة بفيروس كورونا في 23 يناير (كانون الثاني)، تتبعت الدولة الصغيرة المزدهرة، بدقة، المخالطين لكل مصاب بالمرض، في حين حافظت على شكل الحياة الطبيعية في شوارعها. وأغلقت الحدود أمام الأشخاص الذين يحتمل أنهم يحملون العدوى، على الرغم من أن الأنشطة التجارية ظلت مفتوحة. وأُتيحت الاختبارات بوفرة للكشف عن الإصابة وتقديم العلاج مجانًا للسكان».

صحة

منذ 6 شهور
متى ينتهي الحظر ونعود للحياة الطبيعية؟

وتضيف الكاتبة: «ولكن خلال الأيام القلائل الماضية، زاد عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد في سنغافورة بأكثر من الضعف، مع تأكيد إصابة أكثر من 8 آلاف شخص بـ كوفيد-19 حتى يوم الاثنين، وهو أعلى معدل في جنوب شرق آسيا. وتركزت معظم الإصابات الجديدة في مساكن مزدحمة يعيش فيها العمال المهاجرون، دون أن يلاحظها الكثير من سكان البلاد الأكثر ثراءً، بل ولا الحكومة نفسها».

ويكشف معدل انتشار الفيروس في هذه الدولة الصغيرة المنظمة عن أنه قد يكون من الصعب على الولايات المتحدة وأوروبا وبقية العالم العودة إلى الحياة الطبيعية في أي وقت قريب، حتى عندما يبدو أن منحنيات التفشي تسطحت. وعلى الرغم من أن بإمكان الدول تتبع الأشخاص المخالطين للمرضى عن كثب لمحاولة كبح تفشي المرض كما فعلت سنغافورة، فإن فيروس كورونا يُمرِض ويقتل وينتشر مع مرور كل يوم، مما يضع العلماء والقادة السياسيين في سباقٍ لمواكبة وتيرته التي لا هوادة فيها والأخطار الجديدة التي يشكلها.

هكذا يبدو المستقبل في ظل الجائحة

ترى الكاتبة أن تجارب هذا البلد، الذي يضم مناطق حضرية كثيفة ويعج بالنشاط الدولي، تلمح إلى مستقبل عالمي يكون فيه السفر محظورًا، والحدود مغلقة، والحجر الصحي مستمرًا، وصناعات مثل السياحة والترفيه تتلقى صفعة تلو الأخرى. وسيتعين تأجيل حفلات الزفاف والتخرج والجنائز، فيما لا يمكن تجاهل السكان المعرضين للخطر، مثل المهاجرين».

ونقلت الصحيفة عن الخبير البارز في علوم صحة السكان في جامعة نانيانج التكنولوجية بسنغافورة، جوسيب كار: «سوف نتكيف أيضًا أكثر فأكثر مع الوضع الطبيعي الجديد، هذا هو المستقبل المحتمل للأشهر الـ 18 المقبلة على الأقل، وهي الفترة التي يتوقع أن يتوفر فيها أول لقاح على نطاق واسع».

Embed from Getty Images

ومع انتشار الحالات، يلفت التقرير إلى أن سنغافورة تخلت عن استراتيجيتها المتمثلة في الحفاظ على مظاهر الحياة الطبيعية. فأغلقت المدارس في 8 أبريل (نيسان)، وبات يُطلب من السكان الآن ارتداء أقنعة الوجه (الكمامات) في الأماكن العامة. وعُزِل مئات الآلاف من العمال الأجانب في أماكنهم الضيقة، فيما كشفت الاختبارات عن ظهور مئات الحالات الجديدة في صفوفهم يوميًا. 

وأشارت الكاتبة إلى أن عاملًا من بنجلاديش، يُدعى منير، غير مسموح له بمغادرة مهجعه على الرغم من حاجته إلى الحصول على رعاية طبية أخرى، ويقول: «أنا خائف للغاية بالطبع». ورفض ذكر اسمه بالكامل لأن صاحب العمل لم يأذن له بالتحدث إلى الصحافة. وأضاف: «يوجد هذا الـ كوفيد، ولا يمكننا المغادرة».

العمالة الوافدة.. نقطة عمياء في استراتيجية مكافحة الفيروس

وعلى الرغم مما تشتهر به سنغافورة باعتبارها دولة تنتشر فيها الحدائق، واستطاعت التخلص من القمامة، وصقلت قوة عاملة تتمتع بمستوى تعليم مرتفع، لطالما اعتمدت الدولة على أكثر من مليون عامل منخفض الأجر لبناء ناطحات السحاب التي تشق فضاءها، وتنظيف شوارعها وتشغيل مينائها المزدحم. لكن هؤلاء المهاجرين الأجانب، الذين لديهم فرصة ضئيلة للحصول على الجنسية السنغافورية، تُركوا خارج شبكة الأمان الاجتماعي في البلاد، حتى وإن كانت مجموعة من اللوائح تضمن لهم الحد الأدنى من ظروف العمل وتغطية الرعاية الصحية.

وأثبتت هذه المجموعة أنها نقطة عمياء رئيسية في ظل جائحة فيروس كورونا، إذ كشفت التفاوت الصارخ في التجارب بين المغتربين الأغنياء والأكثر فقرًا في دولة صغيرة، 40 في المائة من سكانها مولودين في الخارج.

وفي حين يخضع مطار سنغافورة – الذي يتمتع بخاصية التحكم في المناخ ويحتوي على حدائق للفراشات وتعرض فيه زهور الأوركيد – لمراقبةٍ عن كثب للكشف عن حالات الإصابة بالفيروس، انتشرت العدوى في المهاجع التي بنتها الحكومة ويتكدس فيها 200 ألف عامل أجنبي، معظمهم من جنوب آسيا والصين. وأعلنت السلطات السنغافورية تسجيل أول إصابة مؤكدة لعمال أجانب منخفضي الأجر بفيروس كورونا في فبراير (شباط)، وفرض الحجر الصحي على المخالطين للمرضى، وأجريت لهم اختبارات.

والآن، تعاني عشرات من المهاجع والنزل من تفشي المرض. كما ظهرت بؤر عدوى في مواقع البناء والمنطقة الصناعية. وسجلت سنغافورة يوم الاثنين 1426 حالة جديدة مرتبطة في الغالب بإجراء اختبارات الكشف عن الإصابة لمهاجرين، وهي قفزة قياسية في بلد كان قبل شهر واحد ليس فيه سوى حوالي 300 حالة إصابة إجمالًا.

Embed from Getty Images

ويبدو أن السلطات السنغافورية فشلت في تقدير المدى الكامل لانتشار العدوى. ومعظم الحالات خفيفة أو عديمة الأعراض ولا يحتاج أي منها حتى الآن إلى رعاية حرجة، وفق الحكومة. وربما يفسر ذلك سبب عدم اكتشاف انتشار المرض بين العمال الأجانب في وقت مبكر. 

ويتكدس ما يصل إلى 20 عامل أجنبي في غرفة خانقة واحدة داخل هذه المهاجع التي كانت بؤرًا لتفشي أمراض سابقة، مثل السل. ويشكو السكان من تفشي الحشرات ويعانون من تردي مستوى السباكة. ونقل التقرير عن ثلاثة عمال قولهم إن غرفهم لم تُطَهَّر في أعقاب تفشي فيروس كورونا، على الرغم من تلقيهم وعودًا بأن الظروف ستتحسن.

وقال وزير النقل السنغافوري، خاو بون وان، في منشور على فيسبوك يوم الأحد: إن عمال البناء الأجانب يحظون «بأعلى قدر من الاهتمام». وأضاف: «أعلم أن عمالنا الأجانب يُقدّرون الجهود … إنهم يعرفون أنهم أكثر أمانًا في سنغافورة الآن من أي مكان آخر، حتى في بلدانهم».

ونظرًا لأن معظم المرضى الجدد يتواجدون في بؤر العدوى المعروفة، ومعظمهم من المهاجرين، يأمل علماء الأوبئة أن يساعد الإغلاق في كبح جماح انتقال العدوى محليًا. وتوفي حتى الآن 11 شخصًا في سنغافورة من مرض كوفيد-19، الذي يسببه فيروس كورونا، وهو معدل وفيات منخفض نسبيًا، كما أن المستشفيات ليست مكتظة.

لا ينبغي للعالم أن يتخلى عن الحذر مبكرًا

وفي خطابٍ عبر الفيديو في 10 أبريل (نيسان)، وُجِّه بثلاث لغات للسكان متعددي الأعراق في البلاد، ناشد رئيس الوزراء لي هسين لونج السكان بالشعور بالمسؤولية المجتمعية. وقال: «كل ما يحتاجه الفيروس كي يتسلل هو: أن يتخلى عدد قليل من الأشخاص عن حذرهم.. نحن بحاجة إلى أن يضطلع الجميع بدورهم». 

والدول الأخرى التي تمكنت من كبح الوباء داخل حدودها تكافح أيضًا مع عودة ظهور حالات إصابة. إذ أبلغت الصين عن ارتفاع في الإصابات الوافدة، في حين كشفت الاختبارات المتزايدة عن المزيد من الحالات في اليابان.

وقال تيو ييك ينج، عميد كلية ساوي هووك للصحة العامة في جامعة سنغافورة الوطنية: «الحقيقة هي أن الأمريكيين والأوروبيين سيواجهون المشكلات نفسها أيضًا … قد لا يروق ذلك لأصدقائي الاقتصاديين، ولكن إذا استؤنف النشاط التجاري والاقتصادي وبدأ الناس في التحرك دون اتخاذ تدابير كافية، فستكون هناك موجات لاحقة من العدوى».

ويشدد المسؤولون السنغافوريون على أنه بمجرد السيطرة على انتقال العدوى محليًا – تستطيع الحكومة تتبع ما يصل إلى 4 آلاف شخص مخالط  للمرضى يوميًا – يجب أن تعود بعض مظاهر الحياة الطبيعية إلى شوارع البلاد التي تحظى بعناية شديدة. ويجب أن تكون المدارس قادرة على إعادة فتح أبوابها تباعًا. 

ويمكن عودة التصنيع المحلي، وتدفق السلع والخدمات مرة أخرى، إن لم يُفسَح المجال لحركة الناس أنفسهم مرة أخرى. ولكن بالنسبة لدولة كل رحلة جوية فيها هي رحلة دولية، تظل قدرة الفيروس على دفع السفر والتجارة العالمية إلى طريق مسدود، بمثابة صدمة.

«علينا أن نتوقف عن الاعتماد على العالم وتدبير أمورنا بأنفسنا»

ينتقل التقرير للحديث عن دانيال ديفيد (36 عامًا) وهو يستورد عادة الجزر الصغير الذي لم يصل لمرحلة النضج من أستراليا وكرنب بروكسل من هولندا لتزويد الفنادق والمطاعم وشركات التموين. وهو الآن يلاحق العملاء الذين أغلقوا متاجرهم واختفوا دون أن يدفعوا له. وهكذا أصبحت الحياة غارقة في المحلية.

Embed from Getty Images

يقول ديفيد: «لقد اعتدنا على الحصول على الأشياء من جميع أنحاء العالم .. وعلينا أن نعتاد على تدبير أمورنا بأنفسنا».

وفي الأسبوع الأخير من شهر مارس (آذار)، انخفضت حركة المسافرين من مطار شانجي بنسبة 98 في المائة عن العام السابق، بعدما كانت تحلق منه أكثر من 100 شركة طيران انطلاقًا من سنغافورة إلى ما يقرب من 400 مدينة حول العالم. وانخفضت نسبة ركوب وسائل النقل العام بأكثر من 70 في المائة الأسبوع الماضي.

وبمجرد أن جلب الزائرون القادمون من الصين الفيروس إلى سنغافورة في يناير (كانون الثاني)، حظرت السلطات السنغافورية بسرعة الرحلات الجوية من المناطق المتضررة. وساعدت الشرطة في العثور على الأشخاص الذين اختلطوا عن كثب بالمرضى الذين تأكدت إصابتهم. وخضع الأشخاص العائدون من عطلات التزلج في أوروبا أو رحلات إلى نيويورك للحجر الصحي في الفنادق الفاخرة.

وعندما ظهرت موجة ثانية من الحالات الوافدة من أوروبا وأمريكا الشمالية، منعت سنغافورة دخول جميع الأجانب الذين يزورون البلاد لفترة قصيرة. ويخضع كل من يعود إلى الجزيرة للحجر الإلزامي. ومنذ أكثر من أسبوع، لم يكن هناك سوى حالة إصابة واحدة وافدة من الخارج.

 «كل رغبتي في الحياة هي أن أعود إلى وطني»

يرى التقرير أن الانتشار السريع للفيروس في أوساط العمال الأجانب كان بمثابة سقطة واضحة في التخطيط الوبائي الصارم، الذي تعزز بعد أن تضررت سنغافورة بشدة من فيروس سارس عام 2003.

وقال أليكس أو، نائب رئيس مجموعة Transient Workers Count Too المعنية بحقوق المهاجرين: «كنا نحذر منذ سنوات من أن هذه المهاجع المكتظة معرضة للخطر بسبب حريق أو تفشي فيروسي» مستنكرًا اختيار المجتمع المضي قدمًا في الظروف المعيشية المحفوفة بمخاطر التفشي لمجرد أنها أبقت التكاليف منخفضة. وفي جميع أنحاء العالم، عانى الأشخاص الذين يقيمون في أماكن المعيشة المشتركة من انتشار سريع للفيروس، من دور رعاية المسنين والسجون إلى السفن السياحية وحاملات الطائرات.

وقال خبراء العمل في سنغافورة: إن عزل العمال الأصحاء برفقة المرضى في الأسبوعين الماضيين ربما أسرع من وتيرة الإصابة بالعدوى. أما الآن، فيُفصَل بعض الأشخاص الذين كانت نتائج اختباراتهم سلبية عن المرضى المؤكد إصابتهم بالفيروس لتجنب تحول المهاجع إلى بؤر للفيروس.

دولي

منذ 6 شهور
«الإندبندنت»: الحياة تعود لطبيعتها في هذه الدول بعد الإغلاق الكامل بسبب كورونا

وكتبت وزيرة القوى العاملة، جوزفين تيو، في منشور عبر فيسبوك: «هل ينبغي رفع مستوى المعايير التي ينبغي توافرها في مهاجع العمال الأجانب؟ ..  الإجابة: نعم». وتبرع عشرات الآلاف من السنغافوريين بأموال من أجل تحسين سبل معيشة العمال المهاجرين. ويتوقع أن تنفذ الحكومة تعهدها بمعاملة العمال الأجانب على نحوٍ أفضل.

وفي الوقت الراهن، لا تزال البلاد تترنح تحت وطأة الجائحة التي هاجمت بعض الناس الأكثر ضعفًا في الجزيرة. وكانت سنغافورة قد فرضت يوم الاثنين أمرًا بالبقاء في المنازل لمدة 14 يومًا على حوالي 180 ألف عامل بناء أجنبي وعائلاتهم. وتشعر جماعات حقوق الإنسان بالقلق بشأن كيفية حصول بعض العمال الذين يعيشون خارج نطاق الجهات الحكومية على الطعام.

وينقل التقرير منير، المحاصر في غرفته في عنبر حكومي أصيب فيه مئات العمال الأجانب بالفيروس، قوله: إن لديه رغبة واحدة وهي: «أريد العودة إلى الوطن».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد