كتب شيكو هارلان، رئيس مكتب صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية في العاصمة الإيطالية روما، وستيفانو بيتريللي، المراسل بالمكتب، تقريرًا حول عودة تفشي فيروس كورونا بقوة في إيطاليا بعد أن كانت نموذجًا تحتذي به كثير من الدول في محاصرتها للفيروس من خلال عمليات الإغلاق الصارمة. ويرى المحرران أن الأخطاء تتمثل في أن الموجة الثانية من الفيروس لم يُحسَب حسابها جيدًا، بعد انخفاض أعداد الإصابات وإنهاء حالات الإغلاق في فصل الصيف.

وفي مستهل تقريرهما، ذكر المراسلان أنه بعد أن دمَّر فيروس كورونا الإيطاليين بشدة في فصل الربيع، كانوا ينظرون إلى القدرة على استعادة جوانب الحياة الطبيعية بوصفها مسألة اعتزاز وطني.

وتوافد الإيطاليون على المقاهي وحجزوا المواقع على الشواطئ. وارتدوا أقنعتهم واستأنفوا استخدام المواصلات العامة، وعادوا إلى مكاتبهم. لقد استمتعوا بأنهم سيطروا على الفيروس بنجاح، وأخذتهم الشفقة على الأمريكيين لفشلهم في فعل ذلك. ويبدو أن استعادة الجائحة الأسوأ في إيطاليا لقوتها يقدم نموذجًا للعالم. ولكن، والآن بعد أن عَلَقت إيطاليا في الموجة الثانية للفيروس في أوروبا وأفزعتها الجائحة مرةً أخرى، بدأ الزهو الذي كانت تشعر به إيطاليا بسبب سيطرتها على الفيروس في إفساح المجال أمام تبادل الاتهامات وأزمة ثقة. وهناك شعور متزايد بأن البلاد والقارة فشلوا في استغلال فرصتهم الثانية.

أبحاث ودراسات

منذ شهرين
«نيويورك تايمز»: كيف سيوزع لقاح فيروس كورونا عند إنتاجه؟ عقبات قد لا تتخيلها

الفيروس ليس إعصارًا

 يقول نيل فيرجسون، عالم الأوبئة في جامعة إمبريال كوليدج بلندن، «لا يمكنك التعامل مع فيروس كورونا بوصفه إعصارًا»، أي أن تحتمي منه بالجلوس في ملاذ أو ملجأ وتتوقع زوال المشكلات. وأضاف: «إنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا باتصال الناس بعضهم ببعض داخل المجتمع. ولم تقترب أي دولة أوروبية من مستويات التباعد كما فعلت نيوزيلندا. وكان الفيروس دائمًا موجودًا في دول أوروبا، وعلى استعداد للظهور بقوة مرةً أخرى إذا زادت معدلات الاتصال».

يقول مستشارو الحكومة وأولئك الذين يدرسون الأمراض المعدية إن عمليات الإغلاق المُحكَمة في الربيع قللت من انتقال الفيروس في أوروبا لأشهر، مع التغطية على أوجه القصور التي ظهرت الآن على نحو كامل. ويقول هؤلاء الخبراء إن حالات تفشي المرض التي اجتاحت القارة الآن يقف خلفها صيف من السفر بلا حدود؛ حيث تتوق دول مثل إيطاليا إلى تعويض أرباح السياحة المفقودة.

Embed from Getty Images

وفي ثنايا الاندفاع لاستعادة الحياة الطبيعية، فشلت الأفكار الإبداعية حول كيفية إعادة تشكيل المجتمع لمواجهة الجائحة في الصمود. وأوصى الخبراء الذين يُقدِّمون المشورة للحكومة الإيطالية بأن ترتِّب المصانع وأماكن العمل الأخرى أوقات بدء العمل للتخلص من ساعات الذروة. وقالوا إن المتاجر يجب أن تفكر في ساعات أطول لتقليل الازدحام. وسوف تتعقب التطبيقات المصابين وتتبع المخالطين لهم بطريقة يصعب على البشر فعلها.

إيطاليا وتتبع المخالطين

واستدرك كاتبا التقرير قائلَيْن: لكن قلة قليلة من الأشخاص هم الذين حمَّلوا التطبيقات على هواتفهم للاستفادة منها. وانهار نظام تتبع المخالطين مع بدء حالات الإصابة في الارتفاع مرةً أخرى. وكانت الحافلات في روما وميلانو مكتظة خلال ساعة الذروة.

وتُعد إيطاليا الآن من بين أكثر من عشرين دولة في أوروبا ذات أداء أسوأ من الولايات المتحدة، مع عدد أكبر من حالات الإصابة والوفيات قياسًا على عدد الأفراد. وعاد عديد من الدول الأوروبية إلى وضع الإغلاق. وفرضت إيطاليا حظر تجوال على مستوى البلاد، وأغلقت عديدًا من المناطق الرئيسة. وهو نوع الإجراءات المدمرة للاقتصاد كانت تأمل لو أنها أصبحت في غير حاجة إليه. وكان رئيس الوزراء الإيطالي، جوزيبي كونتي، قد قال في أغسطس (آب) إن البلاد ستكون قادرة على التعامل مع أي زيادات مستقبلية في حالات الإصابة دون فرض قيود على «النشاط الاقتصادي».

فيروس كورونا يَنْصِب الفخاخ نفسها

طوال الوقت، كانت درجة معينة من الزيادة في الحالات أمرًا حتميًّا؛ خاصةً مع برودة الطقس وبدء الناس في التواصل الاجتماعي أكثر في الداخل. لكن مسؤولي الصحة الإيطاليين استنتجوا أن الموجة الثانية لن تكون بحدة الموجة الأولى نفسها. وكانت المستشفيات أكثر استعدادًا وسبل العلاجات متقدمة. ولم يكن من المتصور على نحو حاسم أن يَنْصِب الفيروس الفخاخ نفسها التي كان ينصبها في بداية الجائحة، عندما انتشر دون أن يُكتشف لأسابيع.

يقول فليمنج كونرادسن، مدير كلية الصحة العالمية بجامعة كوبنهاجن، «في الصيف، كان الفيروس بمثابة خبر قديم إلى حد ما. وأصبح من الصعب جدًّا التواصل على نحو مقنع مع جميع الفئات في المجتمع بأن علينا أن نتوخَّى أعلى درجات الحذر، لأنه كان أقل وضوحًا وأقل حدة».

Embed from Getty Images

وأكد عديد من العلماء الأوروبيين، بما في ذلك علماء من إيطاليا، أن الفيروس قد ضعف، وهو موقف أقلية علمية حظي باهتمام كبير مع انخفاض معدلات الدخول إلى المستشفيات في الصيف.

ومنحت إيطاليا لنفسها واحدة من أفضل الفرص بين الدول الأوروبية لاحتواء الفيروس على نحو مستدام بعد أزمة الربيع. ولم يكن خروجها من الإغلاق في مارس (آذار) وأبريل (نيسان) سريعًا أو متهورًا، مع إعادة فتح مناحٍ جديدة كل أسبوعين لقياس مدى مخاطرها. وهيمن الحذر على الحياة  في البداية.  حتى الدخول إلى المقهى كان باعثًا للشعور بالمخاطرة. وكانت الحانات، عوضًا عن ذلك،  تقدم مشروباتها عند الباب في أكواب بلاستيكية.

تداعيات ذهاب الحذر والانفتاح

لكن الأمور هدأت أسبوعًا تلو الآخر استنادًا إلى أرقام الحالات اليومية المشجعة والتي بدا أنها تؤكد أن القليل من التواصل الاجتماعي لم يكن سيئًا للغاية. وبحلول منتصف الصيف، كانت النوادي الليلية نفسها مفتوحة، وتطبِّق قواعد تباعد جسدي خيالية. كما هو الحال في البلدان الأوروبية الأخرى، تشكلت الموجة الثانية أولًا مع الشباب، الذين نقلوا الفيروس بعد ذلك إلى الأجيال الأكبر سنًّا.

ولدى المستشفيات الآن مزيد من معدات الحماية، ومزيد من أجهزة التنفس، ومزيد من سعة العناية المركزة أكثر مما كانت عليه في الربيع. لكن الانهيار الإيطالي جاء في خط دفاع سابق: لقد بذل متتبعو المخالطين أقصى جهودهم لتحديد المصابين وعزلهم قبل أن ينتشر الفيروس في المجتمعات.

يقول أندريا كريسانتي، عالم فيروسات في جامعة بادوا، وكان يقدم المشورة لمنطقة فينيتو في الربيع، إن نظام تتبع المخالطين «انهار بمجرد أن تجاوزنا ألف حالة يوميًّا».

الموجة الثانية لفيروس كورونا: لا يمكن تتبع المخالطين

يقول كريسانتي إنه لا يمكن لأي بلد مواكبة تتبع المخالطين عندما يشهد 35 ألف حالة يوميًّا، كما هو الحال في إيطاليا الآن. لكن كان بإمكان إيطاليا أن تمنح نفسها فرصة أفضل لاحتواء الموجة إذا كانت قد بنَت مزيدًا من المختبرات في جميع أنحاء البلاد، وإجراء مراقبة تفصيلية لأحياء النقاط الساخنة وأماكن العمل، في البداية الأولى لارتفاع الحالات.

يقول كريسانتي إنه كان ينبغي لإيطاليا أن تختبر 400 ألف شخص يوميًّا في نهاية الصيف عندما كانت تختبر بدلًا من ذلك 75 ألفًا. وقد زاد الصيف من مخاطر ما يسميه الإيطاليون «رينترو» rientro – أي العودة بعد العطلة إلى حياة المدينة. كان ذلك عندما عادت الحركة في روما تقريبًا وبصورة مفاجئة إلى مستويات ما قبل الجائحة، عندما بدأت المدارس في استئناف الدراسة، وتناقص العمل عن بعد. وذلك أيضًا عندما بدأت صور الحافلات وعربات المترو في الانتشار انتشارًا واسعًا.

Embed from Getty Images

أخطاء استخدام النقل العام

ولفت التقرير إلى أن وسائل النقل العام المزدحمة أصبحت رمزًا لكيفية زيادة الخلافات السياسية والصد بشأن المشورة العلمية للمخاطر التي يواجهها الإيطاليون العاديون. يقول رئيس الوزراء كونتي مؤخرًا إن هناك «أمورًا خطيرة» ناشئة عن الازدحام في وسائل النقل.

وحذَّرت اللجنة العلمية التي تقدم المشورة للحكومة الإيطالية قبل أشهر من أن وسائل النقل ستكون محفوفة بالمخاطر خلال ساعات الذروة، وقالت وزارة الصحة إنه «من الضروري للغاية» إعادة تنظيم شبكة الحافلات والقطارات. لكن في الصيف، نجحت المناطق في الضغط على الحكومة لرفع السعة القصوى للنقل العام، من 60 إلى 80%.

وجادلت حكومة يسار الوسط والمناطق ذات الميول اليمينية حول كيفية دفع أموال لتجديد خطوط الحافلات والقطارات، ولم يحدث أي شيء. وبدلًا من استخدام الحافلات السياحية المتوقفة لنقل الركاب، ظلت هذه الحافلات عاطلة عن العمل إلى حد كبير. وكتبت مجموعة من العلماء وخبراء الصحة في رسالة مفتوحة مؤخرًا أن السعة البالغة 80% «لا تسمح بمسافة تباعد جسدي كافية». وعلى أي حال، يقول السائقون والركاب إن الحافلات في بعض الأحيان تمتلئ بما يتجاوز ذلك.

الارتجال وعدم وجود خطة

يقول ستيفانو مالورجيو، الأمين العام لاتحاد النقل الوطني، الذي ذكر أنه كان يتعين على القادة الوطنيين أن يتشاوروا مع أماكن العمل لترتيب أوقات بدء العمل: «لقد خدعنا أنفسنا بالتفكير في أننا يمكن أن نتعامل مع هذه الموجة الثانية بالطريقة الإيطالية بدون خطة كبيرة ومع بعض الارتجال، دون التفكير بحرص وتروٍّ».

يقول سائق حافلة في روما، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته خوفًا من تعرضه للتأديب أو فقدان وظيفته، إنه يشعر أحيانًا «بالخطر» على متن الحافلة ويخشى نقل العدوى إلى أطفاله. وقال إن الحافلات أصبحت أكثر فوضى من السوبر ماركت؛ حيث يبقى الناس في طوابير منظمة. وقال إن الركاب يتزاحمون أحيانًا من أجل المساحة، ويدفعون أنفسهم عبر الباب؛ مما يجعل السائق غير قادر عن تنظيم السعة.

وتابع السائق: «هل أكتفي بإيقاف الحافلة؟ كيف يمكنني تعريض سلامتي للخطر من أجل إخبار شخص ما بأنه لا يمكنه الصعود إلى الحافلة لأنها مكتظة بالركاب؟ ما أهمية ذلك بالنسبة له إذا كان بحاجة للذهاب إلى العمل»؟

وقال إنه وزملاءه يشاركون صور حافلات مكتظة في مجموعة على «واتساب».

Embed from Getty Images

وفي الختام، يقول كاتبا التقرير يبدو أن الحكومة أقرَّت مؤخرًا بأن الوضع قد خرج عن السيطرة. كما أدَّت الجولة الأخيرة من القيود التي فرضتها، والتي تضمنت فرض حظر تجوال على مستوى البلاد، إلى خفض قدرة النقل العام إلى 50%. وكان السائق متشككًا. وقال إنه لا يوجد نظام للعد.

صحة

منذ 5 شهور
«الإندبندنت»: هذه الدول مرشحة لظهور الموجة الثانية من جائحة كورونا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد