كتب فريديرك ويري، مؤلف كتاب «الشواطئ المحترقة: داخل معركة ليبيا الجديدة» مقال رأي في صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، حول أوضاع منطقة الشرق الأوسط، في ظل ظروف تفشي فيروس كورونا. ويرجح الكاتب أنْ تُسلط جائحة فيروس كورونا المستجد الضوء على هشاشة شرعية أنظمة الحكم المضطربة في الشرق الأوسط، وبالتالي قد تؤدي إلى إطلاق موجة جديدة من الربيع العربي، على الرغم من أن هذه الأنظمة تبدي ثقة كبيرة في استمرار الوضع الراهن.  

ويستهل الكاتب مقاله بقوله: «في زيارة قمت بها مؤخرًا إلى ليبيا، قابلت عائلة تعيش في مأوى عشوائي في مخيم للنازحين شرقي طرابلس. وهي واحدة من عشرات الآلاف من العائلات الليبية التي شردتها الحرب. كانت الأسرة المكونة من سبعة أفراد تعيش في غرفة طولها بالكاد 20 خطوة، وعرضها عشر خطوات. داخل الغرفة كانت المساحة الصغيرة مشغولة بحبل غسيل وكومة مراتب، وطبق ساخن، ورائحة الأجساد. وفي الخارج، كانوا يواجهون نقصًا في مياه الشرب، وسخرية مسيئة من السكان المحليين».

حقوق إنسان

منذ شهرين
مترجم: كورونا في مخيمات الروهينجا.. كيف ستبدو الكارثة؟

تأثير تفشي كورونا سيكون مدمرًا في تجمعات اللاجئين

يضيف فريدريك ويري: سيكون لانتشار فيروس كورونا المستجد تأثير مدمر في تجمعات اللاجئين والمهاجرين في الشرق الأوسط. وقد تسلط الجائحة الضوء أيضًا على عجز الشرعية وهشاشة أنظمة الحكم، التي تعاني من اضطرابات متزايدة في دول الشرق الأوسط.

يمكن أن تؤدي الاستجابة الصحية والاقتصادية السريعة إلى تعزيز الحكم الاستبدادي لهذه الأنظمة، ولكن ليس إلى أجل غير مسمى. والدرس الحاسم المستفاد من الانتفاضات العربية لعام 2011، والاحتجاجات التي اندلعت العام الماضي، هو أنه بدون نظام حكم يشمل الجميع، وفساد أقل، ومزيد من الإنصاف الاقتصادي، لا تكون الأدوات التكنوقراطية والقسرية أكثر من تدابير مؤقتة لسد الفجوة. ومن المرجح أن تتزايد مطالب شراء ولاء المواطنين في الشرق الأوسط في أعقاب الجائحة.

وسيكون التأثير الأكثر إلحاحًا ودمارًا للجائحة محسوسًا في البلدان التي تشهد حروبًا أهلية نشطة في المنطقة: ليبيا، واليمن، وسوريا.

Embed from Getty Images

البنية التحتية الطبية في ليبيا متداعية من أيام القذافي

يتابع المقال: كانت البنية التحتية الطبية في ليبيا في عهد العقيد معمر القذافي ضعيفة بالفعل. وخلال السنوات التسع التي أعقبت سقوط العقيد القذافي، دمرها الفساد والإهمال، وعدة جولات من الحرب الأهلية.

بدأت المرحلة الأخيرة في أبريل (نيسان) 2019 عندما شن خليفة حفتر، أمير الحرب والحاكم العسكري لشرق ليبيا، هجومًا على العاصمة طرابلس لإطاحة حكومة الوفاق الوطني المدعومة دوليًّا، بقيادة رئيس الوزراء فايز السراج. وشهد القتال الذي أعقب ذلك عشرات الهجمات التي شنتها قوات حفتر على المنشآت الصحية وموظفي الطوارئ. وتفاقم العنف في ليبيا منذ تفشي الجائحة؛ نظرًا إلى استغلال الأطراف المتحاربة ومؤيديها انشغال الدبلوماسيين.

واتخذت السلطات السياسية المتعارضة في هذه الأرض المقسمة بعض الخطوات المتواضعة، مثل: حظر التجول، وحظر التجمعات الكبيرة. لكن الاستجابة تعرقلها المشكلات الاقتصادية المتزايدة الناجمة عن انخفاض أسعار النفط، وحصار حفتر لموانئ النفط، ورغبة النخب على كلا الجانبين في الاستمرار في دفع أجور مقاتليها.

ويرى فريدريك ويري أن السلطات السياسية تعتمد على الجماعات المسلحة، التي يمكنها استغلال أزمة الصحة العامة لتعزيز سلطتها أكثر. وبالفعل هددت ميليشيا حفتر الأطباء الذين يميلون إلى التحدث بصراحة في شرق ليبيا. ومن المرجح أن يعترض قادة الميليشيات المساعدات الطبية القادمة من الخارج، ويوجهون تلك المواد إلى مقاتليهم، أو يخزنون الإمدادات لبيعها في السوق السوداء الليبية. وقد يؤدي تفشي الفيروس في بلدة واحدة أو تجمع ما، إلى زيادة وصم السكان وتفاقم العنف.

ويعد الآلاف من المهاجرين غير النظاميين، ومعظمهم من أفريقيا، ممن كانوا يحاولون الوصول إلى أوروبا، عرضة للخطر على نحو فريد. ويعيش المهاجرون في مراكز احتجاز تديرها الميليشيات، ويتحملون ويلات مثل التعذيب والاغتصاب والسخرة. وسوف يجعل الفيروس القاتل المعاناة أمرًا يصعب وصفه.

Embed from Getty Images

اليمن.. مأساة أكبر من ليبيا

يتابع المقال: لكن مآسي ليبيا تتضاءل بالمقارنة مع اليمن، أكبر كارثة إنسانية من صنع الإنسان في العالم. وكشفت الحرب في اليمن بالفعل عن طبيعة الارتباط بين الحرب والمرض؛ إذ يتفاقم المرض كلما اشتدت الحرب. ونجم تفشي الكوليرا في اليمن، وهو الأسوأ في التاريخ الحديث، بالكامل تقريبًا عن هجمات التحالف الذي تقوده السعودية، على المستشفيات، ومرافق المياه، والصرف الصحي.

كذلك تسبب القتال في مجاعة مرعبة، تاركًا معظم الناس في البلاد يعتمدون على واردات الغذاء والوقود الأجنبية. وعلى الرغم من أن اليمن لم يبلِّغ عن أي حالات للإصابة بفيروس كورونا، فإن ذلك يعود إلى عدم وجود اختبارات للفيروس، وعدم استعداد الفصائل للإبلاغ عن العدوى. واتساع انتشار جائحة فيروس كورونا في اليمن سيجبر الكثيرين على الاختيار الوجودي بين العدوى أو المجاعة.

يكمل فريدريك ويري: تعثرت جهود تنفيذ وقف إطلاق النار، الذي اتفقت عليه الأطراف المتحاربة ومؤيدوها الأجانب في اليمن، وتندلع اشتباكات متصاعدة. وكما هو الحال في ليبيا، يبدو أن الوسطاء الخارجيين أكثر تركيزًا على تأجيج حرب بالوكالة، أكثر من تركيزهم على رفاهية المواطنين.

تركت ويلات الحرب على القطاع الصحي، والتي تشمل نقص الأدوية والعاملين الطبيين الذين يفرون من اليمن، البلاد عرضة لخطر الفيروس بشكل خطير. وما لم يوضع حد لذلك؛ سيزيد انتشار الجائحة في جميع أنحاء اليمن – وهو التفشي الذي سيكون ضخمًا بسبب كثافة السكان في البلاد – من عزلة اليمن وتفككه، وينقل المزيد من السلطة إلى المسلحين والميليشيات.

تفشي الفيروس في سوريا يمكن أن يكون مروِّعًا

وفيما يتعلق بسوريا، يرى الكاتب أن تأثير تفشي فيروس كورونا يمكن أن يكون مروعًا حقًّا، ولا سيما بالنسبة لملايين النازحين في البلاد. ودمرت الغارات الجوية التي يشنها نظام الأسد وداعموه الروس، المرافق الصحية في مناطق المعارضة، ومحتها من على ظهر الأرض. وفي محافظة إدلب، وهي المحافظة الأخيرة التي تسيطر عليها المعارضة، لا يوجد سوى 153 جهاز تنفس صناعي لثلاثة ملايين نسمة. والنقص المتكرر في المياه، والكثافة السكانية في المناطق الحضرية في سوريا؛ يضاعف من الخطر. ويمكن أن يموت أكثر من مائة ألف في إدلب وحدها.

عربي

منذ شهرين
ماذا يعني أن يتفشى كورونا في سوريا؟

وينصح الكاتب قائلًا: لا ينبغي أن يعتمد المواطنون في جميع أنحاء البلاد على قادتهم؛ فلطالما استغلت الفصائل المتحاربة التدخلات المتعلقة بالصحة العامة ورقة ضغط سياسية، بل سلاحًا حربيًّا. ويشير المقال تحديدًا إلى الآلاف من السجناء السياسيين الذين يقبعون في معتقلات الأسد، ويحذر الكاتب من أنهم في خطر شديد.

الاقتصاد السوري في حالة من السقوط الحر، وتنخفض قيمة الليرة السورية بمعدل كارثي. وحتى قبل تفشي فيروس كورونا، اندلعت الاحتجاجات في المناطق التي يسيطر عليها النظام بسبب الظروف الاقتصادية والحصول على الرعاية الطبية، ومن المرجح أن يتفاقم هذا الوضع في ظل تفشي الجائحة.

ممالك الخليج الثرية قد تتجاوز الأزمة لكنها لن تستطيع مساعدة الآخرين

يتوقع فريدريك ويري أن يتحدى الفيروس قدرات الحكومات التي تبدو مستقرة في الظاهر. ويمكن لممالك الخليج الغنية أن تتجاوز العاصفة، لكن الرحلة قد تكون وعرة. علاوة على القيود المالية التي يفرضها انخفاض أسعار النفط والغاز، فإن محاولاتهم للتنويع في القطاع غير النفطي- أي السياحة والتجارة والخدمات اللوجستية – تعثرت بسبب التراجع الاقتصادي العالمي.

لن تكون ملكيات الخليج على الأرجح قادرة على توجيه المساعدة إلى الأنظمة الأكثر فقرًا التي اعتمدت على سخائها، مثل مصر، والأردن، والمغرب، والتي واجهت احتجاجات حتى قبل تفشي الفيروس. ومع ترك المتظاهرين للشوارع استجابة لإجراءات الصحة العامة، قد تمنح أزمة فيروس كورونا هذه الحكومات فسحة مؤقتة. لكن المتظاهرين يعيدون تجميع أنفسهم ويستعدون لجولة أخرى من الاحتجاجات، التي قد تصبح هذه المرة أوسع نطاقًا بسبب الظروف المتفاقمة.

في تونس، الديمقراطية الوحيدة في العالم العربي، تعد المخاطر أكبر: الطريقة التي تتعامل بها الحكومة التونسية – التي تتصدى للبطالة واسعة النطاق، وارتفاع تكاليف المعيشة والغضب العام من الفساد – مع التداعيات الاقتصادية لتفشي الفيروس، يمكن أن تكون اختبارًا محوريًّا للديمقراطية العربية.

في جميع أنحاء المنطقة، مع استنزاف الخدمات التي تقدمها الدولة، يمكن لأشكال الحكم غير الرسمي التي تشمل المجتمع المدني، أو العشائر، أو الميليشيات أن تسد الفجوة. إنها عملية جارية منذ عقود في لبنان، لكنها تنتشر إلى مناطق النزاع المتعددة في المنطقة، وإلى المناطق الحدودية، وبعض المدن.

Embed from Getty Images

لا أحد متفرغ لتقديم المساعدة لدول الشرق الأوسط الفقيرة

ما يجعل هذه الصدمة للشرق الأوسط مختلفة وأكثر حدة، هو أن «فرق الإطفاء» المعتادة – مثل خطة إنقاذ تقدمها دول الخليج، أو المنظمات الدولية، أو القوى العظمى – قد لا تأتي كما كان يحدث من قبل. ربما لا تزال المؤسسات الدولية تلعب دورًا، ولكن مواردها المحدودة يستهلكها حجم التفشي العالمي للوباء. إذ تكبدت أوروبا خسائر خطيرة بسبب الفيروس. وترتفع الإصابات والوفيات في الولايات المتحدة بسرعة، ولذلك تحولت إدارة ترامب إلى الانطواء على الداخل.

ويختتم فريدريك ويري مقاله بالتحذير من الثقة في استمرار الوضع الراهن، قائلًا: «إن قادة العالم العربي يقفون وحدهم، وإذا كان يمكن الاستشهاد بالماضي دليلًا، فهذا ليس سببًا لشيوع الأمل على نطاق واسع. يمكن أن تنطلق التغيرات الزلزالية من تذبذبات صغيرة، خاصة في منطقة يعوقها الركود الاقتصادي، والتصلب السياسي، والحروب بالوكالة والثقة التي لا أساس لها في استمرار الوضع الراهن». وكما يقول المثل العربي القديم: «حتى البعوضة تُدْمي مُقْلةَ الأسد».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد