بريطانيا مستمرة في الالتزام بخطط الانسحاب من الاتحاد الأوروبي على الرغم من الاضطرابات الناجمة عن فيروس كورونا

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا أكد أن الحكومة البريطانية متشبثة برأيها في أنها لن تسعى إلى تمديد الفترة الانتقالية بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، وتقول إنها سترفض فكرة التمديد حتى وإن طلب الاتحاد ذلك.

أوضح التقرير أنه في ظل الارتباك الذي تعاني منه الحكومات بسبب المعركة مع فيروس كورونا افترض عدد من المحللين أن بريطانيا والاتحاد الأوروبي سيضطران إلى تمديد الموعد النهائي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) الذي يحل أوانه في نهاية العام من أجل التوصل إلى اتفاق تجاري في مرحلة ما بعد خروج بريطانيا. ولكن على الرغم من التقدم البطيء في المحادثات تُصر الحكومة البريطانية على الالتزام بذلك الجدول الزمني البغيض، حتى في ظل المخاطر المتمثلة في تراكم المزيد من الأضرار الاقتصادية على الدول التي تعاني من آثار عمليات الإغلاق.

التمديد مرفوض

وأوضح التقرير أنه مع استمرار تماثل رئيس الوزراء بوريس جونسون للشفاء بعد دخوله المستشفى عقب إصابته بمرض (كوفيد-19)، رفض المسؤولون في إدارته بلندن يوم الجمعة أية فكرة لتمديد المحادثات، مرددين التعليقات السابقة التي أدلى بها كبير المفاوضين البريطانيين، ديفيد فروست، الذي أشار إلى أن الموعد النهائي كان في 31 ديسمبر (كانون الأول)، وأضاف بصراحة شديدة: «لن نطلب التمديد. وإذا طلب الاتحاد الأوروبي منا ذلك، فسنرفض».

«بينما نستعد للجولات المقبلة من المفاوضات، أود أن أؤكد على موقف الحكومة بشأن الفترة الانتقالية التي جاءت بعد انسحابنا من الاتحاد الأوروبي.

تنتهي الفترة الانتقالية في 31 ديسمبر من هذا العام.

لن نطلب التمديد. وإذا طلب الاتحاد الأوروبي منا ذلك، فسنرفض».

ومنذ وقت غير بعيد، بدت مثل هذه المحادثات أشبه بالتظاهر باتخاذ موقف أكثر منها سياسة عملية، وافترض كثيرون أن الجانبين سيوافقان بهدوء في يونيو (حزيران) على تمديد المحادثات. ومع ذلك، يبدو أن بريطانيا تتعنت في موقفها؛ مما يثير المخاوف من أن صدمة اقتصادية ثانية – بشأن بريسكت – يمكن أن تضرب الاقتصادات الأوروبية المتعثرة.

سبب قوي للتأجيل

ويشير التقرير إلى أن التفكير يبدو منصب على أن التكاليف الاقتصادية للانسحاب المُتعجِّل من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق تجاري ربما تغطي عليها الحكومة البريطانية برداء الأضرار الناجمة عن فيروس كورونا.

يقول أناند مينون، أستاذ السياسة الأوروبية والشؤون الخارجية في كلية كينجز كوليدج في لندن: «هناك تَبِعات فعلية كبيرة لعدم التأجيل؛ والسؤال الآن يدور حول ما إذا كانت الحكومة تأبه لذلك، وفي الوقت الحالي، كل الإشارات التي ترسلها الحكومة تدل على عدم الاكتراث». وأشار إلى أن السيد جونسون حتى الآن يرفض بازدراء سببًا قويًا للغاية لتأجيل الجدول الزمني.

وأضاف: «لو كان الأمر متعلقًا بالجوانب العملية والاقتصاد، وليس السياسة، لقلنا إنه ليس هناك ما نخسره بالتأجيل. وإذا كانت هناك ذريعة قوية بشأن التأجيل، فإن فيروس كورونا يمثل هذه الذريعة. لكنني لا أعتقد أن الجوانب العملية هي التي تهيمن على الأمور حتى الآن». 

ويرى البعض الآخر ذلك جزءًا من إستراتيجية مفاوضات جادة، ويعتقدون أن بريطانيا ستتراجع عن عنادها في نهاية المطاف، حتى وإن لم يحدث ذلك حتى اللحظة الأخيرة.

بوريس جونسون بريطانيا

بوريس جونسون

وعلى الرغم من أن بريطانيا انسحبت رسميًّا من الاتحاد الأوروبي في يناير (كانون الثاني)، إلا أنها تظل خاضعة لقواعد الكتلة حتى نهاية العام، وبحلول ذلك الوقت يكون من المفترض أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق تجاري جديد. وحتى قبل أن يغزو فيروس كورونا العالم، كان نهاية العام مقياسًا زمنيًّا طموحًا. وقد يؤدي الفشل إلى تعطيل الموانئ وسلاسل التوريد، في حين يواجه عديد من الشركات ضغوطًا شديدة بالفعل.

وقال كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي، ميشيل بارنييه، يوم الجمعة، إن نسبة التقدم في أربعة مجالات خضعت للنقاش كانت «مخيبة للآمال»، بينما تحدث بيان صادر من الجانب البريطاني عن «تقدم محدود أُحْرِز في سد الفجوات بيننا وبين الاتحاد الأوروبي».

استهانة بالتحديات

وشدد التقرير على أنه لا يجب أن يتفاوض الجانبان على اتفاقيات حول كل شيء من الطيران إلى مصائد الأسماك فحسب، بل يجب على بريطانيا أيضًا إقامة نقاط جمارك جديدة على الحدود ووضع نظام جديد للهجرة. ويعتقد ديفيد هينيج، مدير مشروع السياسة التجارية في المملكة المتحدة التابع للمركز الأوروبي للاقتصاد السياسي الدولي، وهو معهد أبحاث، أن بريطانيا لن تطلب تمديدًا، لكنها لن تتوقف عن محاولة إبرام صفقة أساسية مع الاتحاد الأوروبي. 

وقال السيد هينيج، في إشارة إلى الفريق الذي يعمل مع السيد فروست: «أعتقد أنهم لا يَقْدرون التحديات حق قَدْرها، لكنهم يعتقدون أنه يمكن التوصُّل إلى اتفاق. ويعتقد شخص أو اثنان آخران في الحكومة أن هذه الفكرة مفرطة في التفاؤل، ولكنه يعتقد أيضًا أن الأمور ستكون على ما يرام حتى دون اتفاق».

وقال مجتبى رحمان، الخبير الاقتصادي السابق في المفوضية الأوروبية في مجموعة يوراسيا، إنه بالنظر إلى أن الفترة الانتقالية الحالية غير مستساغة سياسيًّا، فإنه ليس لدى الحكومة ما يحفِّزها لمناقشة تمديدها.

وقال: «ينظر الحزب وبوريس جونسون إلى المرحلة الانتقالية على أنها مَطْهَر (المَطْهَر في المعتقد الكاثوليكي هو مكان تُعذَّب فيه نفوس العصاة من المؤمنين ليتطهروا حتي يصبحوا مؤهلين لملكوت الرب)»، مضيفًا أن بريطانيا ستحلف بالأيمان المُغلَّظة أنها لا تنتوي طلب التمديد حتى آخر لحظة ممكنة؛ أواخر مايو (آيار) أو أوائل يونيو (حزيران). وقال إنها عندما تفعل ذلك فإنها تسعى في الوقت نفسه إلى تمديد قصير الأجل يسمح لها بإبرام اتفاق تجاري في أقرب وقت ممكن في عام 2021.

والذريعة البريطانية للمضي قدمًا في المحادثات هي أن الشركات تريد التأكد من الترتيبات التجارية الجديدة، وهذا التأجيل يطيل أمد ذلك في المستقبل. كما أنه ليس من الواضح أن المزيد من الوقت يمكن أن يحل الخلافات الفلسفية بين الجانبين، مثل المواجهة حول ما إذا كان يجب على بريطانيا التوقيع على بعض القواعد الأوروبية لضمان المنافسة العادلة.

ويعتقد البعض أن الصدمة الاقتصادية الناتجة عن فيروس كورونا قد يجعل الحكومة البريطانية أكثر شجاعة وثقة؛ معتقدةً أن قوة العاصمة لندن كمركز مالي يجعل موقفها أقوى في المفاوضات.

يقول توني ترافرز، أستاذ السياسة في كلية لندن للاقتصاد: «إن مدينة لندن ستكون مهمة للغاية كطريقة تجمع الحكومات الأموال من خلالها. وقد تعتقد الحكومات أن الاتحاد الأوروبي سيكون أكثر انشغالًا بالأمور المزعجة، نظرًا لمعدل انتشار فيروس كورونا، وقد يعطيهم ذلك الفرصة لعقد صفقات أفضل».

عقلية البريكست

ولفت التقرير إلى أن السيد جونسون يريد أيضًا أن يتفادى إيداع الأموال البريطانية في خزائن أوروبا لمدة عام آخر ليظل جزءًا من سوقها الوحيد للسلع واتحادها الجمركي. ولعل الأسوأ يتمثل في الإشارة السياسية التي ربما يرسلها ذلك؛ إزعاج بعض المتشددين المؤيدين لبريكست وتذكير الناخبين بالركود الناجم عنه، والذي دمَّر مسيرة سلف جونسون، تيريزا ماي، كرئيسة للوزراء في نهاية المطاف.

هل يشهد «عالم ما بعد كورونا» تفكك الاتحاد الأوروبي؟

لكنَّ رَفْض السيد جونسون أن يتزحزح عن عقلية البريكست يعكس أيضًا حسابات سياسية، كونه يدين بأغلبيته الساحقة في البرلمان لتعهده «بإنجاز البريكست». لقد لعبت هذه الأيديولوجية المؤيدة لبريكست دورًا في إخفاق الحكومة في البداية في الانضمام إلى مبادرة الاتحاد الأوروبي لتوحيد الجهود لشراء أجهزة التنفس الصناعي ومعدات الحماية للعاملين الصحيين. وزعمت الحكومة أنها لم تنضم إلى المجموعة بسبب ضياع رسالة البريد الإلكتروني، على الرغم من أن المسؤولين البريطانيين كانوا قد حضروا الاجتماعات التي نوقشت فيها المبادرة.

وأصبح الوضع أكثر ضبابية هذا الأسبوع عندما شهد كبير موظفي الخدمة المدنية في وزارة الخارجية أمام لجنة برلمانية بأن الحكومة، في حقيقة الأمر، اتخذت قرارًا سياسيًّا بعدم المشاركة في مبادرة شراء أجهزة التنفس الصناعي. وبعد مرور ساعات، وبعدما خضعت الحكومة لاستجوابٍ شديد اللهجة حول روايتها بشأن البريد الإلكتروني الضائع، رد المسؤول، سيمون ماكدونالد، بالتأكيد على صحة كلام كبير موظفي الخدمة المدنية.

استُقبِل تراجعه بسخرية؛ إذ شبَّهه بعض المعلِّقين بالاعتذار المفرط الذي قدَّمه جون كليز في الفيلم الكوميدي «سمكة تدعى وندا – A Fish Called Wanda»، الذي أُنتِج في ​​عام 1988، بينما كان جسده مقلوبًا رأسًا على عقب ويتدلى من النافذة ويُمسِك شخصًا ما بقدميه.

طريق وَعِر

وتابع المراسلان قائلين: ومع ذلك كان النزاع مثالًا نادرًا على دفع الحكومة ثمنًا سياسيًّا لموقفها الأيديولوجي بشأن البريكست، وتذكيرًا بأن رفض تمديد الفترة الانتقالية يمكن أن يثبت عدم شعبيتها إذا كان هناك بعض الجوانب السلبية. ويُفضِّل حوالي ضعف عدد الناخبين البريطانيين تمديد الموعد النهائي للفترة الانتقالية بدلًا عن معارضته، وذلك فقًا لاستطلاعات الرأي الثلاثة الأخيرة التي تشير إلى أن جونسون وحلفاءه قد يواجهون مخاطر سياسية واقتصادية.

دولي

منذ 6 شهور
«الجارديان»: ملخص 1300 يوم من «البريكست».. كيف حدث وما تداعياته؟

وقال السيد هينيج الذي حذَّر من أن الفشل في التوصُّل إلى اتفاق سيؤدي إلى «طريق وَعِر»: «يعتقدون في الوقت الحالي أن بإمكانهم الاستمرار في التمسك بأيديولوجيتهم بشأن بريسكت، ويمكنهم الاستمرار في دفع البلاد معهم في هذا الطريق».

واختتم المراسلان تقريرهما بقول السيد هينيج: «هناك سلسلة من المخاطر إذا لم تصل الحكومة إلى اتفاق، أو تُمدِّد الموعد النهائي، وسيكون لبعضها آثار سيئة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد