نشرت مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية مقالًا للكاتب الصحافي فان آر نيوكيرك تناول فيه خطورة فيروس كورونا المستجد على ولايات الجنوب الأمريكية، واستهله بالقول: في غضون أسابيع، انتقل فيروس كورونا من تهديد مستجد بعيد إلى عدو يحاصر المدن والبلدات في جميع أنحاء العالم. وعبء فيروس (كوفيد-19)، والاضطراب الاقتصادي الذي أحدثته تدابير احتوائه، يشعران المرء بأنه يشهد حدثًا تاريخيًا.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهرين
«نيويورك تايمز»: لماذا ترتفع حالات كورونا بين اليهود المتشددين في إسرائيل؟ 

والبشرية الآن تواجه عدوًا مشتركًا، سيصبح وجهه مألوفًا على نحوٍ متزايد. ومع ذلك لم يزل الكثير من الجوانب المتعلقة بهذا الفيروس غير معروفة. وتظهِر التجارب الصعبة في أوهان، وواشنطن، وإيطاليا، أن كبار السن والمرضى هم أكثر الناس عرضة للإصابة بالمرض الشديد، أو يكثر الموت في صفوفهم بسبب فيروس كوفيد-19 مقارنة بمعدلات الوفيات في صفوف نظرائهم الأصغر سنًا، والأكثر صحة. 

ومن المرجح أن يُصاب كبار السن أكثر من غيرهم من الشباب بأمراض الرئة، أو أمراض الكلى، أو ارتفاع ضغط الدم، أو أمراض القلب، وفي الغالب تجعل هذه الحالات المرضية عدوى فيروس كورونا أكثر سوءًا. ولكن ماذا يحدث عندما لا تصمد هذه الافتراضات، ويُصاب الشباب الذين يكافحون الوباء بالمخاطر نفسها؟ يجيب الكاتب بأن العالم على وشك معرفة ذلك. 

عُشر حالات الإصابة بالفيروس في أمريكا تتركز في أربع ولايات

يتابع المقال: حتى الآن هناك حالة وفاة واحدة من كل 10 حالات في الولايات المتحدة بسبب فيروس كوفيد-19 في القوس الجغرافي الذي يضم أربع ولايات هي: لويزيانا، وميسيسبّي، وألاباما، وجورجيا، وفقًا للبيانات التي جمعها مشروع تتبع فيروس كوفيد، وهو تعاون تطوعي تبنَّته مجلة «ذي أتلانتك». وتتقدم ولاية نيو أورليانز بوتيرة ثابتة لتصبح المركز العالمي التالي للوباء. 

ويمتلك الفيروس موطئ قدم في جنوب غرب جورجيا، ويهدد بإرباك المستشفيات في المنطقة الحضرية في أتلانتا. كما يتقدم فيروس كورونا بسرعة عبر أمريكا الجنوبية. وفي الجنوب الأمريكي تكافح أعداد كبيرة من الشباب ضد الظروف الصحية التي تجعل من تفشي فيروس كورونا أشد خطورة. 

Embed from Getty Images

الشباب المصابون بالفيروس أكثر عرضة للموت في ولايات الجنوب

ويبدو أن الأرقام المُعلَنة تشير إلى أن المزيد من الشباب في الجنوب يموتون بسبب فيروس كوفيد-19. وبارغم من أن غالبية الوفيات الناجمة عن فيروس كورونا في ولاية لويزيانا لم تزل من بين الضحايا الذين تزيد أعمارهم عن 70 عامًا، إلا أن أعمار 43٪ من جميع الوفيات المُعلَن عنها في ولاية جورجيا كانت أقل من سن 70 عامًا. 

وبالمقارنة فإن الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 70 عامًا لا يمثلون سوى 20٪ من الوفيات في ولاية كولورادو. ويُعد تصنيف «تحت 70 عامًا» فضفاضًا، وليس مفيدًا حقًّا لفهم ما يحدث، لكن البحث المتعمق يكشف عن المزيد من الأرقام المثيرة للقلق. ففي لويزيانا يمثل الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 40 إلى 59 عامًا نسبة 22٪ من مجمل الوفيات. وتمثل الفئة العمرية نفسها في ولاية جورجيا 17٪ من جميع الوفيات. 

وبالمقارنة، لا تمثل الفئة العمرية نفسها سوى حوالي 10٪ من جميع الوفيات في ولاية كولورادو، و6٪ من جميع الوفيات في العاصمة واشنطن. وتشير هذه الإحصاءات إلى أن البالغين في منتصف العمر، وفي سن العمل بالولايتين الجنوبيتين، معرضون لخطر أكبر بكثير من نظرائهم في أماكن أخرى، ولسبب ما فهم أكثر عرضة للموت بسبب فيروس كوفيد-19.

معدلات الوفاة العالمية خادعة

وأفاد الكاتب أن جميع البيانات في هذه المرحلة من الجائحة ليست مطلقة وغير مكتملة، وجميع الاستنتاجات قابلة للتغيير. لكن إعادة النظر في الأدلة الدولية تُظهر على حد علمنا أن الأمراض المتفشية التي تجتاح جنوب أمريكا حاليًّا فريدة من نوعها، ويرجع ذلك في الأساس إلى عدد الأشخاص الذين يموتون في ريعان الشباب. وأظهرت الإحصاءات الإسبانية الرسمية للوباء الأسبوع الماضي أن الوفيات في صفوف الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 70 عامًا لا تشكِّل سوى 12٪ من إجمالي الوفيات في البلاد. 

ومن المعروف أن معدلات حالات الوفاة في جميع أنحاء العالم خادعة؛ لأنها تعتمد جزئيًّا على مدى إجراء الاختبارات، لكن توصَّلت دراسة حديثة عن تفشي المرض في ووهان بالصين إلى أن معدل حالات الوفاة يبلغ 0.5٪ بين البالغين الذين تتراوح أعمارهم من 30 إلى 59 عامًا. وتبلغ التقديرات الحالية لمعدلات الوفيات في الفئة العمرية نفسها في لويزيانا حوالي أربعة أضعاف ذلك.

Embed from Getty Images

وقد يُلقي تحليل جديد صادر عن «مؤسسة أسرة كايزر» بعض الضوء على ما يجري هنا. وتحدد هذه الدراسة، بالاعتماد على المبادئ التوجيهية لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، الأشخاص الذين ربما يكونوا عرضة لخطر حدوث مضاعفات خطيرة بسبب فيروس كوفيد-19. وتشمل المجموعة المعرضة للخطر كما حددتها كايزر جميع الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 60 عامًا وجميع البالغين الذين تقل أعمارهم عن 60 عامًا والذين يعانون أيضًا من أمراض القلب، أو السرطان، أو أمراض الرئة، أو السكري. 

وفي كل ولاية كبار السن هم غالبية الأشخاص الذين يُعدُّون عرضة لخطر حدوث مضاعفات. لكن الجنوب العميق ووسط الجنوب يشكلان كتلة صلبة من الولايات التي يتعرض الشباب الأصغر سنًا فيها لخطر أكبر. وفي ولايات أركنساس، وألاباما، وكنتاكي، وتينيسي، ولويزيانا، وميسيسبي، يشكِّل الشباب نسبيًّا أكثر من ربع السكان المعرضين للخطر. قارن ذلك بالمنطقة التي يرابط فيها فيروس كورونا في العاصمة واشنطن؛ حيث يشكِّل الشباب الأصغر سنًّا حوالي 19٪ فقط من المجموعة المعرضة للخطر.

سكان الولايات الجنوبية أكثر عرضة للإصابة بالأمراض

تقول تريشيا نيومان، النائبة الأولى للرئيس في «مؤسسة أسرة كايزر»: إن هذا التحليل يشير إلى القضايا الأساسية التي قد تؤدي إلى تعقيد أو تفاقم الوباء في الجنوب. وأضافت تريشيا نيومان أنه «بسبب ارتفاع معدلات الحالات المرضية مثل أمراض الرئة وأمراض القلب والسمنة، فإن الأشخاص الذين يعيشون في هذه الولايات معرضون لخطر الإصابة بالفيروس». وهؤلاء ليسوا «مرضى، لكنهم أشخاص يعانون من أمراض مصاحبة كامنة تجعلهم أكثر عرضة للإصابة بأمراض خطيرة إذا أصيبوا بالعدوى».

ولا يتضمن تحليل «مؤسسة أسرة كايزر» المضاعفات المحتملة لارتفاع ضغط الدم، والتي يُشتبه أيضًا في أنها تؤدي إلى لزوم تلقي العلاج في المستشفيات المرتبطة بعلاج فيروس كورونا، ولكن يمكن توقع البيانات في هذا الشأن. وإذا افترضنا أن ولاية أوكلاهوما جزء من الجنوب، فإن الولايات الجنوبية تأتي في مقدمة أول 10 ولايات تضم أكبر نسبة مئوية من السكان الذين ثبتت إصابتهم بارتفاع ضغط الدم بعد التشخيص على يد طبيب. 

ومن المرجح أن يعاني الجنوبيون من أمراض مزمنة أكثر من الأمريكيين الآخرين، حتى مع احتمال تعرض الأمريكيين لأمراض مزمنة أكثر من مواطني الدول الأخرى ذات الكثافة السكانية المماثلة. ووفقًا لتريشيا نيومان، لا تتضمن هذه التقديرات الأشخاص المصابين بالسرطان، أو الذين يعانون من ضعف المناعة، وهي المجموعات المعرضة أيضًا لخطر الإصابة بأمراض خطيرة بسبب فيروس كوفيد-19. ومعدلات الوفيات الناجمة عن السرطان هي الأعلى في الولايات الجنوبية.

سياسات خاطئة لقرون أفقرت الجنوب وأضعفته صحيًا

وأردف الكاتب أن هذه الاختلافات ليست فطرية بالنسبة للجنوبيين؛ ولكنها نتيجة للسياسة المتبعة في هذه الولايات. وعادة الفروقات الصحية أنها تَتْبع العِرق والفقر، وقد اتبعت الولايات في النطاق القديم لقوانين جيم كرو سياسات تضمن استمرار هذه الفروقات. والجنوب أفقر منطقة في البلاد؛ وعادة الفقراء أو السود أو اللاتينيين أو سكان الريف، الذين يشكلون جزءًا كبيرًا من سكان الجنوب، أنهم محرومون من العلاج على أيدي أطباء مَهَرة أو تلقي رعاية عالية الجودة.

Embed from Getty Images

ووفقًا لمركز المساعدة الخاص ببيانات الوصول إلى الخدمات الصحية في الولايات، تنفق ولايات ميسيسبي، ونورث كارولينا، وتكساس، وفلوريدا، وجورجيا، ولويزيانا، أقل من 25 دولارًا أمريكيًّا للفرد على الصحة العامة سنويًّا، مقارنة بـ84 دولارًا أمريكيًّا للفرد في ولاية نيويورك. 

وتقع تسع من الولايات الأربع عشرة، التي رفضت توسيع برنامج المعونة الطبية (Medicaid) ليغطي السكان الفقراء بموجب قانون الرعاية نظير أسعار معقولة، في الجنوب. ويقود العديد من تلك الولايات قادة جمهوريون اتبعوا نهج الرئيس دونالد ترامب وأضاعوا الوقت سدى وغيَّروا من سياساتهم، والآن يجدون أنفسهم عاجزين بلا أفكار أو سياسات جديدة.

وشدد الكاتب على أن الاستجابة البطيئة من هؤلاء الحكام ستكون أشد دمارًا في منطقة تواجه العديد من التحديات. والأمراض المزمنة والمخاطر المتزايدة التي لا تخطئها العين في صفوف الشباب بسبب فيروس كوفيد-19 ليست سوى جزء من القصة في الجنوب. 

عوامل أخرى يمكن أن تُعقِّد الاستجابة للوباء

إذ لفت المحامون الانتباه إلى الضعف الشديد لنزلاء السجن أمام فيروس كورونا، خاصة وأن نسبة السجناء من بين سكان الجنوب أكبر من أي مكان آخر في الولايات المتحدة. وشهد سجن فيدرالي في لويزيانا بالفعل ارتفاعًا كبيرًا في حالات الإصابة بفيروس كوفيد-19 هذا الأسبوع. 

كما أن الخوف العالمي من هذا الوباء يتمثل في أنه يصيب المهنيين والأطباء العاملين في المجال الصحي، ويتركهم غير قادرين على مواجهة موجات المصابين المحتاجين إلى العلاج في المستشفيات. ويوجد في الولايات الجنوبية بعض من أدنى نسب الأطباء النشطين في علاج المرضى في البلاد.

واختتم الكاتب مقاله قائلًا: «وإجمالًا، يبدو أن الجنوب سيكون ساحة جديدة للمعركة ضد الفيروس؛ حيث سيكون للتباعد الاجتماعي والعزلة أهمية خاصة في إيقاف الفيروس. والسياسات المتَّبعة لقرون في الجنوب قدَّمت للوباء ميزة السبق، ولذلك حصد أرواحًا شابة. والآن إنها مجرد أيام ويتغير المسار.

دولي

منذ شهرين
مترجم: ضحايا كورونا في أمريكا قد يتجاوز عدد قتلى الحرب الأهلية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد