هل يمكن استخدام البلازما (الدم المأخوذ من الأشخاص الذين تعافوا من كوفيد-19) في علاج المرض؟ في هذا الصدد نشر موقع «ذا كونفرزيشن» تقريرًا أعدته سارة كادي، زميلة الأبحاث السريرية في علم المناعة الفيروسية بجامعة كامبريدج، استعرضت فيه الدراسات التي أُجريت لبحث هذه الفرضية، مع تسليط الضوء على تداعيات استخدامها على الجسم.

تقول سارة كادي في مستهل تقريرها: يجري حاليًا استكشاف العديد من الخيارات لمعالجة كوفيد-19. وتتضمن هذه الخيارات أدوية جديدة مصممة خصيصًا لعلاج فيروس كورونا 2 (SARS-CoV-2) المسبب لمتلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم، فضلًا عن أدوية «يعاد استخدامها لأغراض أخرى»؛ وهي أدوية موجودة، لكنها مُصممة لعلاج مرض مختلف.

صحة

منذ 5 شهور
مترجم: تقييم شامل لكل محاولات ابتكار لقاح كورونا حتى الآن

مع ذلك فإن أقدم علاج يجرى اختباره حتى الآن، هو: البلازما. وهذا يشمل حقن البلازما المستخلصة من دم أشخاص تعافوا من كوفيد-19 في مرضى مصابين بالمرض في الوقت الحالي. والبلازما هي الجزء السائل من الدم الذي يبقى بعد إزالة كافة خلايا الدم الحمراء والبيضاء والصفائح الدموية.

دور الأجسام المضادة في التخلص من العدوى

قبل أكثر من 100 عام مُنِح إميل بهرنج أول جائزة نوبل لعلم وظائف الأعضاء والطب على عمله الذي يثبت إمكانية استخدام البلازما لعلاج الدفتيريا (عدوى تسببها بكتيريا الخُنَّاق الوتدية).

وتضيف سارة: «ونحن الآن نعلم أن المكون الأساسي للبلازما في علاج حالات العدوى هو: الأجسام المضادة. وهذه الأجسام المضادة عبارة عن بروتينات على شكل حرف Y تعمل على نحو مُحدَّدَ للغاية مع أي عدوى سبق أن واجهها شخص ما. وتنتجها خلايا B في جهازنا المناعي بكميات ضخمة لكي ترتبط بالفيروس الغازي ثم تستهدفه بغية تدميره. 

ويعتمد مفهوم التلقيح على تحفيز إنتاج أجسام مضادة للعدوى التي لم تتحقق بعد. على النقيض، فإن استخدام بلازما النقاهة يشمل نقل الأجسام المضادة من المتبرعين الذين كوَّنوا بالفعل استجابة مناعية، ومن ثم فإنها توفر حماية فورية (ولكن مؤقتة) للمتلقي.

سيدهارتا موكرجي وعلم الوراثة وكورونا

وجُرِّبَت بلازما النقاهة في حالات سابقة كعلاج لتفشي فيروس كورونا. وإن لم تُجرَ سوى قليل من الدراسات الرصدية أثناء تفشي وباء سارس الأول عام 2003. لكنها جميعًا رصدت تحسنًا في المرضى بعد تلقي بلازما النقاهة، بينما لا يوجد دليل على حدوث مضاعفات خطيرة. ومع ذلك كانت هذه الدراسات إلى حد كبير مجرد تقارير حالات، ولم ترقَ إلى مستوى الأدلة الأكثر موثوقية.

وتستدرك سارة قائلة: العلاج باستخدام بلازما النقاهة خضع للاختبار أيضًا أثناء تفشي وباء إيبولا في الفترة 2013 – 2016، إذ أظهرت العديد من تقارير الحالات نتائج مبشرة، ولكن مرة أخرى، لم تُجرى تجارب عشوائية على نطاق واسع. ومع ذلك، نشرت منظمة الصحة العالمية مبادئ توجيهية بشأن الاستخدام المناسب للبلازما المأخوذة من المرضى المتعافين.

استخدام «البلازما الدم» في علاج مرضى كوفيد-19

حفنة التقارير الأولية التي جرى فيها معالجة مرضى كوفيد-19 ببلازما النقاهة جذبت كثيرًا من الاهتمام، إذ خلُصَت كل منها إلى أن العلاج باستخدام البلازما آمن ويُحسِّن حالة المريض، ولكن هناك قيودًا مهمة لكل دراسة من هذه الدراسات. 

بادئ ذي بدء، عالجت كل دراسة فقط 10 مرضى كحد أقصى. كما لم يكن هناك من يسمون بـ«المرضى في فئة المراقبة» (وهم الأشخاص الذين لم يحقنوا بـ(بلازما النقاهة)، وبالتالي من المستحيل معرفة مدى احتمالية استجابة المرضى بدون علاج.

ولحسن الحظ فإن مزيدًا من الدراسات المستفيضة في طور تقديم دليل أقوى إما لصالح استخدام بلازما النقاهة أو ضده. وعلى الصعيد العالمي، هناك ما يربو على 60 تجربة سريرية تستفيد من مرضى كوفيد-19 بفعالية لدراسة تأثير بلازما النقاهة.

وعادة ما يُحقَن المرضى بـ500 مليلتر من البلازما عن طريق الوريد، ويجري بعد ذلك رصد تطور حالتهم  بعناية. وتستخدم العديد من الدراسات البلازما من مرضى غير مصابين بالعدوى باعتبارها العلاج الوهمي في التجربة، للتأكد من أن أية فوائد تثبت إنها هي بالفعل بفضل الأجسام المضادة لفيروس كورونا 2 المسبب لمتلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم.

وتتابع سارة قائلة: على الرغم من أن بلازما النقاهة يمكن أن تكون علاجًا مفيدًا، إلا أن هناك بعض المخاوف النظرية التي ستُبقي كافة فرق التجارب السريرية في حالة تأهُّب.

أولًا: إن تزويد الجسم اصطناعيًا بالأجسام المضادة ربما يزيد العدوى سوءًا. وهذا يرجع إلى ظاهرة تُسمى استعزاز معتمد على الجسم المضاد (تحدث عندما يُسهِّل بروتين فيروسي دخول الفيروس إلى خلية العائل؛ مما يؤدي إلى زيادة العدوى في الخلية). ذلك أن الأجسام المضادة التي ترتبط بفيروس ما ربما تمتصها خلايا تمثل مستقبلات أجسام مضادة.

وهذا قد يُمكِّن الفيروس من دخول الخلايا التي لا تكون عادة عرضة للإصابة بالعدوى؛ مما قد يزيد عدد الجسيمات الفيروسية المصنوعة الجديدة. وهذا عادة ما يحدث في الإصابة بعدوى حمى الضنك (عدوى فيروسية ينقلها البعوض)، لكنه أيضًا كان مصدر قلق في حالات الإصابة بفيروس كورونا المرتبط بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية.

الخطر النظري الثاني هو أن الأجسام المضادة المُشَكَّلة مسبقًا ربما تعرقل استجابة جهاز الجسم المناعي على نحوٍ كافٍ. ونحن نعلم أن هذا يحدث مع ما يسمى بـ«الأجسام المضادة الأمومية»: فالأجسام المضادة التي انتقلت بطريقة طبيعية من الأم إلى صغارها يمكن أن تَحول دون استجابة الرُضَّع للتلقيح على نحوٍ صحيح. ولهذا السبب، تبدأ غالبية لقاحات الطفولة بعد مرور ثمانية أسابيع من الولادة.

ما مدى أمان بلازما النقاهة؟

ويطرح التقرير سؤالًا: ما مدى أمان بلازما النقاهة؟ تجيب سارة: من المهم أن نضع في الاعتبار أن هناك العديد من المخاطر المحتملة التي تتعلق بالحصول على بلازما من شخص آخر. فربما تحدث آثار جانبية خفيفة تتضمن الإصابة بالحمى أو الحساسية، مثل الطفح الجلدي والإحساس بحكة في الجلد. ويجب أن تتطابق البلازما مع فصيلة دم المتلقي لتفادي التفاعلات الناتجة عن نقل الدم.

والأدهى من ذلك هو خطورة نقل العدوى المنقولة بالدم. ولحسن الحظ يمكن تقليل الخطر عبر فحص المتبرع للتأكد من عدم إصابته بالعدوى. على سبيل المثال: في المملكة المتحدة تتولى هيئة الخدمات الصحية الوطنية إدارة عمليات التبرع بالدم؛ إذ تجري فحصًا دقيقًا لكافة المتبرعين لتحديد المصابين بالزهري، وفيروس نقص المناعة البشرية، والالتهاب الكبدي B ،C ،D والفيروس الليمفاوي البشري (الخلية البشرية T، وفيروس لوكيميا 1) لضمان تقليل خطر انتقال العدوى.

ويشير التقرير إلى أن هناك قيدًا آخر يستحق النظر، وهو: أن الأشخاص المسنين الذين يعانون من ضعف القلب أو الرئتين (أولئك المعرضين بشدة للإصابة بكوفيد-19)، ربما لا يتحملون تلقي هذا القدر الكبير من البلازما. وهذا يمكن أن يؤدي إلى مضاعفات معروفة بـ«تحميل مفرط دوراني مرتبط بنقل الدم».

علوم

منذ 4 شهور
كيف يمكن للهندسة الجينية أن تُسرِّع من اكتشاف مصل لفيروس كورونا؟

وعلى الرغم من تاريخ هذا النوع من الاختبارات الذي يتجاوز 100 عام، لم يسبق أبدًا أن جرى فحص استخدام بلازما النقاهة فحصًا شاملًا لاستخدامها كعلاج صالح. وأيًا كانت نتيجة العديد من التجارب السريرية قيد الاختبار، سنتعلم الكثير بالتأكيد عن أنجع طرق جمع بلازما النقاهة ومعالجتها واستخدامها بأمان.

واختتمت سارة تقريرها بالقول: نأمل أن تتوصل الاختبارات إلى نتيجة إيجابية لاستخدام بلازما النقاهة في علاج كوفيد-19. ونتمنى أن يكون فهمنا المُحسَّن لبلازما النقاهة أيضًا ذا قيمة لعلاج جوائح المستقبل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد