نشر مركز «ستراتفور» الأمريكي تقريرًا رصَد فيه نمو الاقتصاد المصري على نحو لافت بمعدلات حازت على إشادة من بعض المؤسسات الاقتصادية العالمية، لكنها جاءت على حساب المواطن المصري، الذي بدلًا عن أن يشعر بهذا النمو تكبَّد مزيدًا من المعاناة الاقتصادية، والتكاليف المعيشية، والتي تزامنت مع تفشي فيروس كورونا المستجد.

استهل المركز الأمريكي تقريره بالتأكيد على صحة المؤشرات التي تفيد بأن أداء مصر القوي في مضمار الاقتصاد الكلي في ظل تفشي جائحة كوفيد-19 وجذبها المتواصل للمستثمرين الأجانب يُبشِّر بتحقيق القاهرة الاستقرار المالي على المدى القريب، لكنه لا يضع حدًا لمعضلة تزايد مستويات الفقر الكؤود، والتي ستُصبح في نهاية الأمر عبئًا سياسيًّا لأنها ستؤدي إلى تأجيج المشاعر المناهضة للحكومة المصرية.

إشادات دولية باقتصاد مصر

وأشار التقرير إلى ما صرَّح به وزير المالية المصري، في خطاب ألقاه يوم 18 أكتوبر (تشرين الأول)، قائلًا: «إن النمو الاقتصادي تجاوز توقعات وزارة المالية السابقة لعام 2020 تمامًا». وتعكس هذه الثقة ما أجراه كلٌ من وكالة فيتش الدولية للتصنيف الائتماني والبنك الألماني وصندوق النقد الدولي من تعديلات إيجابية في الآونة الأخيرة على تقديرات آفاق مصر الاقتصادية، إذ ترى جميع هذه المؤسسات العريقة أن الاقتصاد المصري يشهد نموًّا بنسبة 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي في هذا العام، وهو النمو الذي يتجاوز أداء أغلب نظرائها من دول المنطقة.

وبحسب ما قاله البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، تُعد مصر في الوقت الراهن بمثابة الدولة الوحيدة التي يتلقى اقتصادها تمويلًا من البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، والذي من المتوقع أن ينجح اقتصادها في تجنب الركود في عام 2020.

وأبرز التقرير أن الاقتصاد المصري استفاد من سياسة تحرير سعر الصرف منذ تعويم الحكومة المصرية لعملتها (الجنيه المصري) في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016؛ وهو ما أسهم في زيادة عوامل جذب المستثمرين من خلال تحسين تدفقات رؤوس الأموال التي شهدت انخفاضًا في أعقاب الربيع العربي في عام 2011.

نمو الاقتصاد المصري وتعزيز ثقة المستثمرين

ولفت التقرير إلى أن اهتمام المستثمرين المستدام سيُمكِّن القاهرة من طرح السندات ذات السعر العائم على نحو مستمر، وسيمنحَها فرصة الحصول على قروض لتمويل ميزانيتها، مع أن هذا سيزيد من احتياجات مصر للتمويل الخارجي، وسيؤدي إلى مضاعفة دَينِها العام. كما تُعد مصر في الوقت الراهن واحدة من أقوى الدول في منطقة الشرق الأوسط من حيث الأداء المالي، وهو ما عزَّز جاذبيتها الاستثمارية في ظل ما تتعرض له من ضغوط اقتصادية بسبب جائحة كوفيد-19. وفي غضون الـ12 شهرًا المقبلة، يُتوقع أن يصل إجمالي احتياجات مصر من التمويل لسداد ديونها الخارجية إلى 9.2٪ من ناتجها المحلي الإجمالي.

Embed from Getty Images

وفي أواخر شهر سبتمبر (أيلول) أعلنت مصر لأول مرة على الإطلاق عن طرح السندات الخضراء الحكومية السيادية فى الأسواق العالمية، إذ وفرت سندات بقيمة 750 مليون دولار من أجل تمويل مشروعات مكافحة التلوث والطاقة المتجددة (الصديقة للبيئة). وبلغت عائدات هذه السندات 5.25٪، في حين أن الاكتتاب في السندات ذات الخمس سنوات تجاوز قرابة خمسة أضعاف حجمه، وهو ما يعني تعزيز ثقة المستثمرين في هذا النوع من التمويل، وكذلك في مصر بوجه عام.

وأضاف التقرير أنه في مايو (أيار)، باعت مصر سندات دولية بقيمة 5 مليار دولار، وهو ما يُعد أكبر طرح للسندات الدولية المصرية على الإطلاق. وبحسب وحدة الاستخبارات الاقتصادية، جمعت القاهرة قرابة 20 مليار دولار من المؤسسات الدولية، وأسواق الائتمان منذ بدء جائحة كوفيد-19.

المصريون لا يشعرون بالنمو.. لماذا؟

واستدرك التقرير قائلًا: ومع ذلك فإن وضع خزائن الحكومة المصرية الآمن لا يعني تحسين مستوى معيشة المصريين كافة، الذين يواصلون تكبُّد المعاناة في خضم ارتفاع مستويات البطالة ووصول انخفاض نشاط قطاع السياحة المهم في البلاد إلى مستويات قياسية بسبب تفشي جائحة كوفيد-19. ويتناقض نجاح مصر الاقتصادي المُعلَن عنه تمامًا مع واقع أن 32.5٪ من الشعب المصري يعيش حاليًا تحت خط الفقر، وهو ما يُهدد استقرار البلاد على المدى البعيد. وبالإضافة إلى ذلك يتعرض الوضع الاقتصادي الخارجي لمصر لضغوط متزايدة، لا سيما إذا شهدت تحويلات المصريين في الخارج تدنيًا في المدى القريب.

وعلى الرغم من معدلات النمو الإجمالي التي حققها الاقتصاد المصري، إلا أنه من المتوقع أن يشهد قطاع السياحة في البلاد – والذي يعمل به 12٪ من المصريين ويُمثل مصدر 19٪ من العملة الصعبة للبلاد – انخفاضًا يصل إلى نسبة 70٪ خلال العام بسبب استمرار تفشي جائحة كوفيد-19.

ونقل التقرير عن هيئة الإحصاء الرسمية المصرية (الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء)، أن معدل البطالة في مصر ارتفع خلال الأشهر الستة الماضية من 7.7٪ إلى 9.6٪.

وخلُص التقرير إلى أن سعي القاهرة المستمر لإجراء الإصلاحات الاقتصادية المناسبة على الأعمال بدلًا عن سعيها لاتخاذ تدابير تضع حدًّا لمستويات الفقر المتزايدة قد يسفر عن نتائج عكسية عن طريق زيادة مخاطر الاضطرابات الاجتماعية التي تُعيق الاستثمار الأجنبي في نهاية المطاف.

إصلاحات أثقلت كاهل الشعب المصري بالأعباء

Embed from Getty Images

وصحيحٌ أن التزام مصر الثابت بالإصلاحات الهيكلية الاقتصادية، ومن بينها تخفيض الدعم وزيادة الضرائب والرسوم، يجذب المستثمرين والمؤسسات الأجنبية ويجعل النمو الاقتصادي ممكنًا، لكنه يزيد أيضًا من المعاناة الاجتماعية في أوساط المصريين. وبالفعل أدَّت بعض هذه السياسات نفسها، التي حققت لمصر الاستقرار في الاقتصاد الكلي وجذبت المستثمرين، إلى زيادة معدلات الفقر وعرَّضت بعض البرامج الاجتماعية للخطر؛ وهو ما أدَّى بدوره إلى تأجيج مشاعر الاستياء العام.

وقد كشف أحدث بيان من الحكومة المصرية بشأن معدلات الفقر على مستوى البلاد، والذي صدر في عام 2019، أن سياسات الإصلاح الاقتصادي التي نُفِّذت بين عامي 2016 و2018 أدَّت إلى زيادة معدلات الفقر في شتى أنحاء البلاد بنسبة 5٪ تقريبًا.

وفي الختام ألمح التقرير إلى أن السلطات المصرية تحركت خلال فصل الصيف من أجل زيادة نفقات المرافق ووسائل النقل العام. وصحيحٌ أن هذا أسهم في إنعاش خزينة الحكومة المصرية بمزيد من الإيرادات، لكنه أثار استياء بعض المصريين بسبب زيادة تكلفة الحياة المعيشية في ظل تفشي جائحة كوفيد-19. واندلعت مظاهرات غير مسبوقة ضد الحكومة في كل أنحاء مصر خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر سبتمبر، وقد أفادت التقارير أن عددًا من الاحتجاجات كان دافعها الأول المظالم الاقتصادية.

تاريخ

منذ شهر
مترجم: مملكة عريقة نافست الحضارة المصرية.. هذه أعظم حضارات السودان المنسية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد