نشرت مجلة «ناشيونال إنترست» مقالًا للكاتب طلال بلهريتي، أحد مؤسسي منظمة المستشارين الأفارقة، سلط فيه الضوء على عملية انتقال السلطة السلمي في الكونغو بعد مفاوضات دامت ثمانية أشهر فقط، مشيرًا إلى الدور المنتظر من المجتمع الدولي والولايات المتحدة على وجه الخصوص في تقديم المساعدة للكونغو .

وخلص الكاتب إلى أن جمهورية الكونغو الديمقراطية تتأهب لاستغلال الفرص الناجمة عن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين.

واستهل الكاتب مقاله بالقول: إن قصة أفريقيا كانت مخيبة للآمال منذ الاستقلال، ولم يتجل هذا الأمر على نحو أكثر وضوحًا كما هو في جمهورية الكونغو الديمقراطية التي تشهد أول انتقال سلمي لسلطتها على الإطلاق.

فبعد نحو ثمانية شهور من المفاوضات، اتفق جوزيف كابيلا، رئيس البلاد في الفترة من 2001 إلى 2018، وفليكس تشيسكيدي، الرئيس المُنتَخب في ديسمبر (كانون الأول) 2018، على تشكيل حكومة تقاسم السلطة.

وتُعَد جمهورية الكونغو الديمقراطية أكبر بلد في أفريقيا جنوب الصحراء وأكبر البلدان الفرانكوفونية (الناطقة بالفرنسية) في العالم من حيث تعداد السكان. وتقع الكونغو في قلب أفريقيا وتشارك حدودها مع تسعة بلدان أفريقية.

ويمر هذا البلد بتحولات سياسية. ومن الواضح الآن أن القيادة السياسية في كينشاسا قررت القطيعة التامة مع الماضي. وينبغي على المجتمع الدولي دعم الشعب الكونغولي في بناء مستقبلهم الاقتصادي والسياسي.

10 ملايين قتيل وأمة مدمرة.. تاريخ استعمار بلجيكا للكونغو البلد الأصلي لـ«لوكاكو»

لمحة تاريخية

يبدأ تاريخ جمهورية الكونغو الديمقراطية الحديث في عام 1885 في ظل مطامع ليوبولد الثاني الكارثية، ذلك الملك البلجيكي غريب الأطوار، وقد أعقب هذا في عام 1908 الاستعمار البلجيكي الذي على الرغم من أنه كان أقل ضراوة من حكم ليوبولد، إلا أنه لم يكن أقل استغلالًا.

بحلول عام 1960 ردت بلجيكا على الأصوات الثائرة المناهضة للاستعمار بمنح البلاد الاستقلال على نحو عاجل. وسرعان ما انسد فراغ السلطة الناجم عن الرحيل البلجيكي بالانفصال الإقليمي والصراع الأيديولوجي أثناء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، فضلًا عن عملائهم المعنيين.

Embed from Getty Images

وقد أسفرت مؤامرة قوى أجنبية وجهات محلية عن اغتيال باتريس لومومبا، أول رئيس منتخب ديمقراطيًا في الكونغو. وأعقب ذلك خمس سنوات من الأزمة وحكم جوزيف موبوتو الذي أعاد تسمية البلاد «زائير»، حيث يشتهر عهد موبوتو بأنه الأكثر فسادًا وشراسة في القارة؛ فقد أغنى نفسه، وأغنى عائلته والمقربين منه، وأفقر ما تبقى من السكان.

يضيف الكاتب أن نهاية موبوتو نجمت عن الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 التي نفذها مرتكبو الإبادة الجماعية المتطرفين داخل مجموعة الهوتو المعروفين بـ«إنترهاموي» ضد أقلية التوتسي ومجموعات الهوتو المعارضة.

وبحلول يونيو (حزيران) 1994، استعادت الجبهة الوطنية الرواندية البلاد من الإنترهاموي ووضعت حدًا لهذه الإبادة الجماعية.

وهرب العديد من مرتكبي الإبادة الجماعية إلى دولة زائير المجاورة التي هاجموا منها رواندا. وفي نفس التوقيت، كان لوران ديزيريه كابيلا، الرفيق القديم في جيش تشي جيفارا، يترصد الأوضاع في تنزانيا في انتظار دوره في التاريخ.

وبدعم من رواندا وبوروندي وأوغندا، تزعَّم عصيانًا ضد قوات موتوبو، حينئذ مرض وانهارت معنويات قواته، ففر إلى المغرب في السادس عشر من مايو (أيار) 1997 ونصَّب كابيلا نفسه رئيسًا في نفس اليوم، وأعاد تسمية البلاد جمهورية الكونغو الديمقراطية مرة أخرى.

حرب عالمية أفريقية!

في السنوات اللاحقة، كان كابيلا يرفض تنفيذ أوامر رواندا، وركز بدلًا عن ذلك على تعزيز سلطته في كينشاسا، فقررت رواندا وأوغندا عزله عن السلطة أيضًا، وبالتالي غزو البلاد لهذا الغرض.

وقد تسبب ذلك في حرب إقليمية كما فتح الباب أمام البلدان والمجموعات لمواصلة قتالهم داخل جمهورية الكونغو الديمقراطية واستغلال اتساع البلاد كملاذٍ لشن هجمات ضد البلدان المجاورة، الأمر الذي دعا وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق مادلين أولبرايت إلى وصف هذه الأجواء بأنها أول حرب عالمية في أفريقيا.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تستخدم فيها سلطات أجنبية جمهورية الكونغو الديمقراطية كميدان لتصفية حساباتهم، ولكن بحلول عام 2003، تمنى العديد من الكونغولين أن تكون هذه هي المرة الأخيرة.

وفي نهاية المطاف، انتهت الحرب إلى طريق مسدود وأسفرت عن مقتل ما يزيد عن 5 مليون إنسان.

وكانت الإبادات الجماعية المأساوية قد ارتكبها جميع الأطراف ضد عدد كبير من المدنيين، حتى انتهت رسميًا في عام 2003، ولكن في الحقيقة، استمرت الحرب في الجزء الشرقي من البلاد من خلال العديد من المجموعات المسلحة التي تناحرت من أجل إحكام السيطرة على ثروات البلاد إما لمصالحهم الخاصة أو لصالح بلدان مجاورة.

في هذه الأثناء، اغتيل كابيلا على يدي أحد حراسه الخاص، بعد ذلك أدى ابنه البالغ من العمر 29 عامًا اليمين كرئيس للبلاد.

وأثبت ابن كابيلا أنه سيكون سياسي قدير جدًا، حيث مضى قدمًا في تنظيم سيادة مدنية على الجيش وتعزيز نظام المحسوبية السياسية والتجارية الذي ساعد في بقائه في السلطة من خلال نظام أمن داخلي قوي.

وتابع الكاتب: تحت ضغط داخلي ودولي، وعد كابيلا بعدم انتهاك الدستور وسمح بإجراء انتخابات. تذمّر العديد من الكونغوليين بعد الانتخابات التي دفعت فليكس تشيسكيدي إلى السلطة، حيث وجد تشيسكيدي، بعد قضائه سنوات في منفاه، نفسه رئيسًا لحزب الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم الاجتماعي، أحد الأحزاب الرئيسة التي واصلت الكفاح لتكون الديمقراطية على قيد الحياة ومتناسقة في الكونغو تحت قيادة والده إتيان تشيسيكيدي الذي وافته المنية في بروكسل عام 2017.

دقت ساعة التغيير

على الرغم من كل هذا الاضطراب، أطلَّ التغيير على جمهورية الكونغو الديمقراطية، إذ قال برلماني رفيع المستوى تابع لحزب الشعب للإعمار والديمقراطية، الحزب الذي أنشأه كابيلا، إن عصر بقاء الرؤساء في السلطة لأكثر من 10 سنوات قد ولّى.

وكانت هذه إشارة إلى أنه حتى أنصار كابيلا يفهمون أنهم دخلوا عصرًا جديدًا لم يعد فيه بالمقدور احتكار السلطة السياسية.

Embed from Getty Images

وقد أخذ تشيسكيدي ثمانية شهور لتشكيل الحكومة، ويشير هذا الإطار الزمني إلى أنه ليس عميلًا للنظام، بل رجل عصاميّ يتفاوض على السلطة السياسية مع كابيلا الذي لا يزال يتمتع بنفوذ.

واليوم، تقف البلاد بين مفترق طرق مضطرب، حيث يبدو الانتقال إلى الديمقراطية الحقيقية لا رجعة عنه، إن لم يكن بطيئًا، كما تبدو العودة إلى العنف غير مرجحة، على الرغم من كونها ليست مستبعدة.

ما زالت تطلعات الشعب عالية جدًا ولا تزال بعض القوى الأجنبية ترى أقاليم جمهورية الكونغو الديمقراطية البعيدة على أنها موارد منهوبة.

ولفت الكاتب إلى أن تشيسكيدي يتولى مهمة جسيمة في الوقت الحالي، حيث يسعى إلى تحقيق اقتصاد محترم يماثل ثروات جمهورية الكونغو الديمقراطية، بينما يعمل على استقرار الجزء الشرقي من البلاد حيث لا تزال المليشيات العنيفة قائمة.

ويُعَد شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، تاريخيًا المكان الذي بدأت منه الاضطرابات. ويمكن أن يحقق استقرار هذه المنطقة استقرارًا سياسيًا في كينشاسا ويحل السلام في أوغندا وبوروندي وجنوب السودان.

المجتمع الدولي ودوره في دعم الكونغو

يجب أن يساعد المجتمع الدولي جمهورية الكونغو الديمقراطية لتمضي قُدُمًا، حيث يحتاج هذا البلد إلى ضخ الاستثمارات ورؤوس الأموال.

وتُظهر خطوات البلاد الأخيرة صوب الديمقراطية أن مسار التنمية لم يعد مقتصرًا على استخلاص العائدات التي يمكن الحصول عليها من خلال المحسوبية السياسية فقط. وتقوم الحكومة الجديدة على هيكل ضوابط وموازين داخلي.

ويتابع الكاتب أن اقتصاد البلاد آخذ في الاستقرار. فقد جعل الرئيس الجديد بناء البنية التحتية اللازمة لدعم النمو من أولوياته. وهذا يتضمن زيادة إنتاج الكهرباء لتلبية الاحتياجات المحلية وتشجيع التصنيع الذي لن يتم إلا بالوصول إلى السلطة. وتُتَاح تمويلات هذه المشروعات من خلال أطراف ثالثة، لكن القروض الاستغلالية ليست الحل.

تتمتع الولايات المتحدة بالأدوات اللازمة لتكون جزءً من هذه التنمية الجديدة، فقد عملت الحكومة الأمريكية والكونجرس على سنّ قانون (الاستخدام الأفضل للاستثمار الذي يؤدي إلى التنمية) في عام 2018.

وقد سمح هذا القانون بأن تصير المؤسسة الأمريكية لتمويل التنمية الدولية وسيلة لقنوات الاستثمار بين الولايات المتحدة والعالم النامي. وبالتالي تستطيع المؤسسة الأمريكية لتمويل التنمية الدولية ووكالات أخرى تقديم المساعدة لجمهورية الكونغو الديمقراطية في بناء استقرارها السياسي.

وبالفعل هناك روح نامية للاضطلاع بالأعمال الحرة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تتعامل النخب الحضرية الشابة في كينشاسا التي تقود عددًا من الشركات الناشئة مع مجموعة واسعة من التحديات الاجتماعية والاقتصادية، حيث يعي أصحاب المشاريع الحرة هؤلاء جيدًا الإرث المُلقى على عاهل بلدهم، لكنهم متفائلون بالواقع السياسي والتجاري الجديد.

ومن ثم، ففي خضم حروب التجارة العالمية المستمرة، تقدم جمهورية الكونغو الديمقراطية – وقارة أفريقيا – فرصة أكبر للمستثمرين المحتملين.

اختتم الكاتب مقاله بالاستشهاد بما قاله مسؤول أمريكي سابق رفيع المستوى الذي يُعد جزءً من شركة استثمار عالمية في مذكرة شخصية: «إن التدهور في الحكم، وحكم القانون، والأمن قد قادونا إلى غلق مكاتبنا في أفريقيا».

بينما يحدث العكس في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تسلك البلاد مسلكًا أفضل، وسوف يكون نجاحها مبشّرًا بأفريقيا أفضل وعالم مستقر.

«جاكوبين»: باتريس لومومبا.. ناضل من أجل الكونغو وسلمه رفيقه لرصاص البلجيكيين

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد