ربما لا يتفق كل من تنظيم الدولة الإسلامية، وجون ستيوارت، ورئيس كردستان العراق على الكثير من الأمور، ولكن ثمة أرضية مشتركة صلبة بين ثلاثتهم، وهي التأثير الضار لاتفاقية سايكس بيكو، وهي خطة سرية لتقسيم الشرق الأوسط وقعتها كل من فرنسا وبريطانيا، وبحلول هذا الأسبوع يكون قد مضى عليها 100 عام. أصبح من الحكمة القول، كما فعل نائب الرئيس جوزيف بايدن مؤخرًا، إن المشاكل في الشرق الأوسط تنبع من «حدود اصطناعية، خلقت دولاً اصطناعية تتكون من مجموعات مختلفة تمامًا من الأعراق والديانات والثقافات».

كان لهذه الإمبريالية الغربية تأثير خبيث على مسار تاريخ الشرق الأوسط من دون أدنى شك. ولكن هل سايكس بيكو هي الهدف الصحيح لهذا غضب؟

إن الحدود القائمة اليوم – التي يدعي تنظيم الدولة الإسلامية سعيه إلى محوها – ظهرت فعلا في عام 1920 وجرى تعديلها على مدى العقود التالية. وهي لا تعكس أي خطة واحدة بل سلسلة من المقترحات الانتهازية التي كتبها الاستراتيجيون المتنافسون في باريس ولندن وكذلك القادة المحليون في منطقة الشرق الأوسط. وبصرف النظر عن المشاكل التي تسببت بها تلك المخططات، فربما لم تكن الأفكار البديلة لتقسيم المنطقة أفضل منها بكثير. فخلق دولة من مناطق مختلفة هو عملية شاقة وعنيفة.

سايكس وبيكو يحددان خطتهما

في مايو (أيار) من عام 1916، وضع كل من مارك سايكس، وهو دبلوماسي بريطاني، وفرانسوا جورج بيكو، نظيره الفرنسي، خطة اتفاق لضمان أنه بمجرد انهزام الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، تحصل بلدانهم على نصيب عادل من الغنائم.

سيطرت كلا الدولتين بشكل مباشر على المناطق التي شملت مصالح استراتيجية واقتصادية معينة لهما. كان لفرنسا علاقات تجارية مع الشام، وكانت ترعى المسيحيين في المنطقة منذ زمن طويل. واعتزمت بريطانيا تأمين طرق التجارة والاتصالات إلى الهند عبر قناة السويس والخليج الفارسي.

قدمت اتفاقية سايكس بيكو وعدًا مبهمًا بإنشاء دولة أو عدة دول عربية، خاضعة للسيطرة الفرنسية والبريطانية بالطبع، لدرجة أنها حاولت الدمج بين العرقيات والثقافات والجماعات الدينية المحلية.

أحلام فيصل بالمملكة العربية المتحدة

في مارس (آذار) من عام 1920، أصبح فيصل بن الحسين، الذي قاد الجيوش العربية في ثورة تدعمها بريطانيا ضد العثمانيين خلال الحرب العالمية الأولى، زعيم المملكة العربية المستقلة في سوريا، وعاصمتها دمشق. كان يحلم بدولة تمتد حدودها لتشمل ما يعرف الآن بسوريا والأردن وإسرائيل وأجزاء من تركيا (ولكن ليس العراق).

هل كان من الممكن أن تكون خريطة فيصل بديلاً حقيقيًا لحدود مفروضة من الخارج؟ لن نعرف أبدا. وقد هزم الفرنسيون، الذين عارضوا خطته، جيشه في يوليو (تموز).

ولكن حتى لو لم يلحقوا به الهزيمة، فإن المطالبات الإقليمية كانت ستضعه في صراع مباشر مع المسيحيين الموارنة الذين كانوا يضغطون من أجل الاستقلال في ما يعرف اليوم بلبنان، ناهيك عن المستوطنين اليهود الذين بدأوا المشروع الصهيوني في فلسطين، ومع القوميين الأتراك الذين سعوا لتوحيد الأناضول.

فرنسا تقسم سوريا

عندما استولت فرنسا على ما يعرف الآن بسوريا، كانت خطة باريس تقضي بتقسيم المنطقة إلى دويلات صغيرة خاضعة للسيطرة الفرنسية. وسيجري تقسيمها على أسس عرقية وإقليمية وطائفية: تصور الفرنسيون دولة للعلويين، وأخرى للدروز، وثالثة للأتراك واثنتين أخريين تحيطان بأكبر المدن السورية، دمشق وحلب.

وكان الغرض من استراتيجية «فرق تسد» استباق دعوات القوميين العرب بإنشاء «سوريا الكبرى». واليوم، وبعد خمس سنوات من الحرب الأهلية في سوريا، اقترح تقسيم مماثل للبلاد كبديل أكثر واقعية للدولة السورية القائمة الآن. ولكن عندما حاول الفرنسيون تقسيم سوريا قبل قرن من الزمان تقريبا، قاوم بشدة سكان المنطقة، مسلحين بأفكار الوحدة السورية أو العربية ومدفوعين من قبل القادة الوطنيين الجدد، تلك الخطة، فتخلت فرنسا عنها.

تدخل الأمريكيين لإنقاذ الوضع

في عام 1919، بعث الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون وفدًا لإيجاد طريقة أفضل لتقسيم المنطقة. أجرى كل من هنري كينغ، وهو عالم في اللاهوت، وتشارلز كرين، أحد الصناعيين، مئات من المقابلات من أجل إعداد خريطة تتوافق مع فكرة الحق في تقرير المصير.

فهل كانت هذه فرصة ضائعة لرسم حدود «حقيقية» في المنطقة؟ هذا أمر مشكوك فيه. ولكن بعد دراسة متأنية، أدرك كل من كينغ وكرين مدى صعوبة المهمة، فقد فرّقا بين جعل لبنان دولة مستقلة أو جزء من سوريا مع اقتراح «الحكم الذاتي المستقل». وقد اعتقدا أنه من الأفضل ضم الأكراد إلى العراق أو حتى تركيا. وكانا على يقين من أن السنة والشيعة ينتمون معًا إلى عراق موحد. في النهاية، تجاهل الفرنسيون والبريطانيون التوصيات. وحتى لو كانوا قد أخذوا بها، لانتهى المطاف بالوضع على الحال نفسه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد