بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، هل تلحق بها فرنسا وتخرج من الكتلة؟ أثير النقاش حول هذه المسألة مرة أخرى بعد تعليقاتٍ أدلى بها ميشيل بارنييه، مفاوض الكتلة السابق بشأن انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد (بريكست)، وفسرها المتشككون في الكتلة على أنها تحذير من احتمالية أن تحذو فرنسا حذو بريطانيا في الانسحاب من الاتحاد، حسبما رصد تقرير نشرته صحيفة ذي إندبندنت البريطانية.

قال بارنييه، الذي أكد الشهر الماضي استعداده لخوض السباق الرئاسي المقرر انعقاده في عام 2022، مع تصدر إيمانويل ماكرون ومارين لوبان استطلاعات الرأي كفرسي رهان: «يمكننا استخلاص بعض الدروس من بريكست لنستفيد منها في حالتنا. لقد فات الأوان الآن بالنسبة للمملكة المتحدة، ولكن الفرصة لا تزال سانحة أمامنا».

وقال بارنييه للمندوبين المشاركين في مؤتمر انعقد في لو توكيه لمناقشة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومستقبل الكتلة: «يمكننا أن نجد، ليس فقط في المملكة المتحدة، ولكن هنا أيضًا في فرنسا، وتحديدًا في المناطق الشمالية والشرقية.. مواطنون يرغبون في مغادرة الاتحاد الأوروبي».

وتابع بارنييه: «يقولون إن الاتحاد الأوروبي لم يستجب لرغبات المواطنين المشروعة، ويمكن الحديث عن اضطرابات اجتماعية أو مشاعر غضب، كما يشكو البعض من تأثرهم بموجات الهجرة نتيجة عدم وجود حماية للحدود الخارجية، ناهيك عن الانتقادات التي غالبًا ما توجه لأوروبا بسبب الروتين والتعقيد».

خروج فرنسا.. هل نرى «فريكست»؟

بينما يستمر الاستياء من المشروع الأوروبي على جانبي الطيف السياسي في فرنسا، يلفت التقرير إلى تراجع حدة الحديث الأكثر جدية عن مغادرة الاتحاد خلال السنوات الأخيرة. وقد كانت المسألة مطروحة بجدية، لدرجة أن ماكرون نفسه قال في عام 2018: إذا وجد الناخبون في فرنسا أنفسهم أمام خيارٍ ثنائي مشابه للخيار الذي طُرِحَ أمام المملكة المتحدة في عام 2016، فإنهم قد يجيبون بالمثل.

أما السيدة لوبان، التي أطلقت على نفسها لقب «مدام فريكست»، فقد توقفت عن المطالبة بهذه الخطوة قبيل انعقاد الانتخابات الرئاسية لعام 2017، ودعت بدلًا عن ذلك إلى تعديل جذري للكتلة، يتمثل في: إلغاء المفوضية الأوروبية التي وصفتها بأنها «غير ديمقراطية»، وتطبيق سياسات حمائية قالت إنها مستوحاة جزئيًا من سياسات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

Embed from Getty Images

يعزو التقرير هذا التراجع السياسي الواضح عن المطالبة بانسحاب فرنسا من الاتحاد الأوروبي (فريكست) إلى المشاكل التي جلبها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست). فبينما كانت الحكومة البريطانية تكافح في عام 2019 للتوصل إلى اتفاق مناسب بشأن الانسحاب، أشارت مديرة التحرير في صحيفة «لوموند»، سيلفي كوفمان، إلى أن «خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي جعل انسحاب فرنسا من الكتلة مستحيلًا».

التمرد على «سجن» الاتحاد الأوروبي

يشير التقرير إلى حجم التداعيات السياسية المترتبة على هذا النقاش، لدرجة أن لوبان استغرقت عاما للتعافي من المناظرة التي سحقها فيها ماكرون حين أثبت مدى عدم ترابط تصورها للجنَّة الفرنسية خارج منطقة اليورو. لكن على الرغم من الصورة الإصلاحية التي أُجبِرَت لوبان على أن تظهر بها، لم يتضح بعد مدى عمق هذا التحوُّل.

قالت لوبان في فبراير (شباط): «ربما تستطيع بريطانيا العظمى الانضمام إلينا بمجرد أن نبني تكتلًا تحافظ فيه كل دولة على حريتها»، ووصفت الكتلة بأنها «سجن»، سواء كان بإمكان الدول الأعضاء أن تختار المغادرة أم لا تستطيع.

كما لم يتضح بعد مدى تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وما إذا كانت هذه الخطوة سترسل تحذيرًا للدول المتشككة في الكتلة؛ إذ لم تظهر حتى الآن التأثيرات طويلة الأجل على التجارة والتمويل والقطاعات الأخرى، بيد أن انفصال المملكة المتحدة عن الكتلة، ونهاية الفترة الانتقالية والمفاوضات الطاحنة التي جرت في بداية هذا العام، منح المتشككين في الاتحاد الأوروبي العديد من الأهداف الجديدة.

أحد هذه الأهداف هو: توزيع لقاح فيروس كورونا، إذ قال زعيم المجموعة السياسية الهامشية «جينيراسيون فريكست»، تشارلز هنري جالوا، هذا الأسبوع: «إذا كان هناك مثال صارخ يوضح مدى الضرر الذي يتسبب به الاتحاد الأوروبي وعدم جدواه، فهو: التعامل مع أزمة كوفيد-19. عبر القناة الإنجليزية، يحق لنا القول إن تجربة اللقاح هي أفضل إعلان ممكن لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي».

شكوك عميقة الجذور في الكتلة الأوروبية

على الرغم من أن الجائحة يبدو أنها أدت إلى تغييرات واسعة في الأذواق السياسية، فإن تأثيرها على الشكوك الفرنسي تجاه الكتلة الأوروبية أقل وضوحًا، إذ أشار استطلاع رأي أجراه معهد «كيكست سي إن سي» في مارس (أذار) إلى أن الناخبين الفرنسيين كانوا أكثر ميلًا لانتقاد تعامل حكومتهم مع توزيع اللقاح أكثر من الاتحاد الأوروبي.

Embed from Getty Images

علاوة على ذلك، أظهر استطلاعان للرأي أجريا في مارس وأكتوبر (تشرين الأول) 2020، حول أولويات الاتحاد الأوروبي خلال العقد المقبل، أن اختيار المشاركين لأولوية منح الدول الأعضاء مزيدًا من السيادة قد تراجع بمقدار أربع نقاط إلى المركز الخامس، بعد المخاوف بشأن الصناعة والرفاه الاجتماعي ورغبة أكبر في السياسات الحمائية.

مجتمع

منذ شهرين
«بوليتيكو»: كيف تتعامل حكومة فرنسا مع حادثة تخريب متعمد لأحد المساجد؟

ومع ذلك يبدو أنه قد يكون من الصعب تغيير الشكوك عميقة الجذور في الاتحاد الأوروبي، إذ أشارت استطلاعات الرأي التي أجراها ريدفيلد ووينتون في أغسطس (آب) الماضي إلى أنه في حال كان اقتصاد المملكة المتحدة في حالة جيدة بعد خمس سنوات من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن حوالي 36% من الفرنسيين سيصوتون لمغادرة الاتحاد الأوروبي، بزيادة نسبتها 3% عن استطلاع رأي أجراه مركز بيو للأبحاث عام 2016.

على الرغم من أن هذا الشعور يبدو أنه لم يزل يمثل وجهة نظر الأقلية، كان بارنييه حريصًا على تذكير عشاق الوحدة الأوروبية بعدم اعتبار أي شيء كأمر مسلم به. وأشار في حديثه لصحيفة «فاينانشال تايمز» إلى أن ما كان مستعبدًا منذ سنوات، حتى في نظر مؤيدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أصبح واقعًا الآن، للأسباب نفسها التي تتوافر في فرنسا اليوم، خاصة في المناطق الأكثر فقرًا، التي شعرت بأنها مهجورة وغير محمية». وأضاف مستشهدًا بالاضطراب التاريخي في لوبان: «نحن في عالم قد تصبح فيه الأمور المستبعدة واقعًا ملموسًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد