في عام 2015، أبلغ مجموعة من الأطباء في ألمانيا عن حالة غريبة لامرأة تعاني من «اضطراب الهوية الانفصامية» – كان يُعرف قبل ذلك بـ«اضطراب تعدد الشخصيات»، أظهرت المرأة تشكيلة من الشخصيات (المتغيرات)، وقد ادعت في إحداها أنها مصابة بالعمى، وباستخدام تقنية رسم المخ (EEG)، كان بإمكان الأطباء التأكد من أن نشاط الدماغ المرتبط عادة بوجود حاسة الإبصار كان غائبًا في الوقت الذي أظهرت فيه المرأة شخصية العمياء، بالرغم من أن عينيها كانتا مفتوحتين، وحين عادت إليها شخصية أخرى تتمتع بحاسة الإبصار، عاد النشاط المعتاد للمخ إلى العمل.

كان هذا افتتاحًا لمقال مشترك منشور على «ساينتيفيك أميريكا» لكل من برناردو كاسترب، وآدم كرابتري، وإدوارد كيلي، والذي يتحدث عن دور مرض «اضطراب الهوية الانفصامية» في فتح آفاق جديدة في مباحث فلسفة العقل، تساعد على فهم مسائل الواقع والوعي التي لطالما حيرت الفلاسفة والمفكرين.

ووفقًا للمقال، كان هذا توضيحًا قهريًا للقوة المسببة للعمى التي تتلبس الأشكال المتطرفة من الانفصام، وهي الحالة التي تعطي فيها النفس البشرية فرصة الظهور للعديد من مراكز الوعي العاملة، حيث كل منها يمتلك حياته الداخلية الخاصة.

وقد أظهرت التقنيات الحديثة للتصوير العصبي أن «اضطراب الهوية الانفصامية» مرض حقيقي، ففي دراسة تعود إلى العام 2014، قام أطباء بإجراء مسح دماغي وظيفي لمجموعة من المصابين بـ«اضطراب الهوية الانفصامية» بالإضافة لبعض الممثلين الذين يحاكون الاضطراب نفسه، وقد أظهرت نتائج المسح بالنسبة للمرضى الحقيقيين أن ثمة اختلافات حقيقية تميزهم عن الممثلين، فيما يُظهر أن هذا الانفصام لديه بصمة نشاط عصبي مميزة، بعبارة أخرى: فإن عمليات الانفصام الهوياتي هذه لها ما يشبهها في نشاط الدماغ نفسه.

ثمة بيانات سريرية أخرى تظهر أن الشخصيات المختلفة يمكن أن تكون جميعها واعية في الوقت ذاته وترى بعضها البعض كهويات متمايزة، وقد كُتبت معالجات مكثفة للأدلة التي تظهر تمايز الهوية والأشكال المعقدة للذاكرة التفاعلية التي تصحبها، خاصة في الحالات المتطرفة من «اضطراب الهوية الانفصامية» التي يُشار إليها عادة بـ«اضطراب تعدد الهويات».

وفقًا للتقرير، يعود تاريخ تلك الحالة إلى بدايات القرن التاسع عشر، ويشير الكم الهائل من المطبوعات حول الموضوع إلى الإحساس الراسخ بالانفصام الذي يتم اختباره بواسطة الشخصيات المتغيرة، كما يظهر دليلًا دامغًا على أن النفس البشرية دائمة النشاط فيما يتعلق بإنتاج وحدات الإدراك والفعل التي تحتاجها للتعامل مع التحديات المختلفة في الحياة. وبالرغم من أننا قد نحتار في التوصيف الدقيق للكيفية التي تتم بها تلك العملية، فإن الأدلة الإكلينيكية تجبرنا على الاعتراف بأن شيئًا ما يحدث وله تأثيرات هامة على نظرتنا لما هو ممكن وغير ممكن في الطبيعة.

الآن، تطرح ورقة بحثية نُشرت حديثًا افتراضًا مفاده أن الانفصال من شأنه أن يوفر لنا حلولًا لبعض المشكلات المعقدة في فهمنا الحالي للواقع، ويتطلب هذا الحديث قليلًا عن خلفية الأمر. فحسب الرؤية المادية: يتكون الواقع من حولنا من مجموعة من الأشياء المادية التي تقع خارج العقل ومستقلة عنه، ومن هنا، فإن الحالات العقلية لا يمكن وصفها إلا وفق مصطلحات ومتغيرات مرتبطة بالعمليات الفيزيائية التي تتم داخل الدماغ.

إحدى المشكلات الأساسية التي تواجه تلك النظرة المادية، هي عجزها عن تفسير إحساسنا الشخصي بصفات الأشياء، ما الذي يعنيه أننا نحس بحرارة النار، باحمرار ثمار التفاح، بمرارة الإحباط، كيف يمكن لكل ذلك أن ينبثق من الترتيبات المجردة لأشياء مادية في الواقع.

تمتلك الكائنات المادية مثل الجسيمات دون الذرية خصائص تجريدية مثل الكتلة والحركة والشحنة، لكن لا شيء بخصوص تلك الخصائص أو الطريقة التي تنتظم بها تلك الجسيمات في الدماغ، بحيث يمكن للمرء أن يصل إلى استنتاج بخصوص ما الذي تعنيه حرارة النار أو احمرار التفاحة أو مرارة الألم، هذه هي المشكلة الصلبة للوعي.

وللتحايل على تلك المشكلة، تقول «ساينتيفيك أمريكان»، فقد وفر بعض الفلاسفة بديلًا، بحيث يصبح لكل كيان مادي أولي خبرة أصيلة، وانطلاقًا من تلك النظرية التي سميت «الروحية الشاملة»، فإن المادة بالفعل تمتلك تجربتها ووعيها الخاص منذ البداية، وليس منذ اللحظة التي تنظم فيها نفسها في صورة عقول. حتى الجسيمات دون الذرية تمتلك بعض صور الوعي البسيطة. ومن هنا فإن وعينا البشري يتكون عبر مزيج من الحيوات الداخلية الذاتية لعدد لا يحصى من الجسيمات المادية التي يتكون منها الجهاز العصبي.

لكن ثمة إشكالية حقيقية تحيط بـ«الروحية الشاملة»، إذ ليس ثمة طريقة متماسكة وغير سحرية يمكن أن تندمج بها وجهات نظر الكيانات المادية الصغيرة مثل الأجسام دون الذرية وأعصاب المخ – إذا صح أن لتلك الأشياء وجهات نظر – لتشكل وجهات نظر الذاتيات الأخرى  – أي الوعي البشري -، وتسمى هذه بإشكالية الدمج، كما تبدو عصية على الحل تمامًا كما هو حال المشكلة الصلبة للوعي.

وحول مشكلة الدمج هذه، علينا أن نفترض أنه برغم كون الوعي أصيلًا وأساسيًَا في الطبيعة، فإنه ليس مفككًا مثل المادة، وبعكس «الروحية الشاملة» التي تضيق من حدود الوعي إلى حد الجسيمات ما دون الذرية، فإن هناك أفكارًا تجعل حدود الوعي تمتد إلى مجمل نسيج الزمكان، وهو ما يسمى «cosmopsychism كوزموسايكيزم» في الفلسفات الحديثة، بالرغم من أن الصيغة المفضلة لنا تتلخص فيما يمكن أن نطلق عليه «المثالية»، هنا يصبح الكون المادي بأكمله ليس إلا انعاكاسًا ظاهريًا للحياة الداخلية الكونية.

تقول الصحيفة: لا يلزمك أن تكون فيلسوفًا لتدرك العوار الذي يعتري تلك النظرية، فالناس يمتلكون مجالات خاصة ومنفصلة من الوعي، لا يمكنك أن تقرأ أفكار الآخرين وبالمثل لا يمكن للآخرين أن يقرؤوا أفكارك، كذلك لا يمكن لأحد منا الإلمام بكل ما يجري في الكون من حولنا، لذلك ولكي تكون النظرية «المثالية» قابلة للتصديق، فإن عليها أن تشرح – على الأقل من حيث المبدأ – كيف يمكن لوعي كوني واحد أن ينبت العديد من مراكز الوعي المتزامنة، كل منها له شخصيته وإحساسه وشخصياته المتمايزة.

وهنا يأتي دور الانفصامية التي نشير إليها، فنحن نعلم من «اضطراب الهوية الانفصامية» أن الوعي يعطي الإمكانية لنشوء العديد من المراكز العاملة والمتمايزة، التي تمتلك كل منها شخصية متفردة وإحساسًا متميزًا بالهوية، وبالتالي، إذا كان ثمة شيء شبيه بـ«اضطراب الهوية الانفصامية» يحدث على المستوى الكوني، فإن الوعي الكوني بإمكانه إذًا أن ينبثق عنه العديد من المتغيرات (الشخصيات) كل منها له حياته الخاصة مثلنا. ومن هنا، ربما لسنا جميعًا سوى شخصيات متعددة  لوعي كوني واحد.

علاوة على ذلك، وكما رأينا من قبل، فإن هناك شيئًا من قبيل العمليات الانفصامية تحدث في أدمغة المصابين بـ«اضطراب الهوية الانفصامية»، لذلك، إذا كان ثمة صورة من «اضطراب الهوية الانفصامية» تتم على المستوى الكوني، فإن الشخصيات (المتغيرات) الكونية للوعي يجب أن تمتلك بدورها مظهرًا خارجيًا. ونحن نفترض أن هذا المظهر هو الحياة ذاتها، الكائنات الحية هي ببساطة ما يتمخض عنه الانفصامية على المستوى الكوني.

ويختتم الثلاثي تقريرهم بالقول: «المثالية» هي الرؤية المحيرة لطبيعة الحياة، وهي هنا تلتف بفطنة على مشكلتين عصيتين على الحل: الإشكالية الصلبة للوعي وإشكالية الدمج. الآن يوفر مبدأ الانفصامية طريقًا لتفسير كيف يمكن – طبقًا للنظرية المثالية – لوعي كوني واحد أن يصبح عقولًا فردية متعددة، الآن صرنا نمتلك أرضية يمكننا من خلالها تفسير الحياة والكون وكل شيء.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك