استعرض «دومينيك ليفين»، وهو أستاذ باحث في جامعة كامبريدج وزميل الأكاديمية البريطانية، بعض الرؤى بشأن الثورة البلشفية التي شهدتها روسيا عام 1917 والحجج التي تناولها المؤرخون حول الصراع الأيديولوجي بين الرأسمالية الديمقراطية والشيوعية التي اندلعت في حقبة ما بعد الحرب الباردة.

وقال «ليفين» في مقال نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية: «عندما بدأت مسيرتي الأكاديمية في السبعينيات، كان ظل ثورة 1917 يلوح في الأفق على كامل التاريخ الروسي. المؤرخون المختصون بأواخر عهد الإمبراطورية وأوائل روسيا السوفيتية، على وجه الخصوص، انصب تركيزهم على الصراع الأيديولوجي بين الرأسمالية الديمقراطية والشيوعية التي اندلعت في حقبة ما بعد الحرب الباردة».

وأضاف الكاتب أنه كان يتعين على العلماء في الاتحاد السوفيتي الانضمام علنًا إلى الرأي القائل بأن الشيوعية والنظام اللينيني كانوا ورثة شرعيين وحتميين للتاريخ الروسي. على النقيض، جادل معظم المؤرخين الغربيين أنه تم إنشاء مؤسسات المجتمع المدني والديمقراطية في روسيا القيصرية.

التحول الديمقراطي

 

أشار الكاتب إلى أن هذه الصورة تغيرت خلال عقد الستينيات الثوري. كما هو الحال مع زملائهم في مناطق أخرى، فإن معظم المؤرخين الغربيين الشباب من روسيا باتوا منجذبين إلى التاريخ الاجتماعي والسياسي للعمال والفلاحين. ولأن التاريخ الروسي كان بالفعل مسيسًا بشكل كبير، فإن صراع الأجيال بين المؤرخين الروس في الغرب قد يكون مريرًا، لا سيما في الولايات المتحدة في أعقاب حرب فيتنام.

علق الكاتب على ذلك بقوله: «حتى إنني اعتقدت في هذا الوقت أن الحجج بين المؤرخين الغربيين حول مصير روسيا القيصرية تشغل بال المثقفين الغربيين أكثر من واقع روسيا ما قبل الثورة. لم أعتقد أبدًا في احتمالية الانتقال السلمي من روسيا القيصرية إلى الديمقراطية؛ بعد تخلي نيقولا الثاني في 15 مارس (آذار) (حسب التقويم الغربي) 1917، وتشكيل حكومة مؤقتة سيطر عليها في البداية الليبراليون وبعد ذلك الاشتراكيون المعتدلون، كانت آفاق الديمقراطية على المدى الطويل ضئيلة».

خلال الحرب «العالمية الثانية» في أوروبا، حقق عدد قليل جدًا من الدول مثل هذا التحول في أوائل القرن العشرين.

وتساءل الكاتب بقوله إنه إذا كانت دول مثل إسبانيا وإيطاليا ودول البلقان قد فشلت في القيام بذلك، فماذا كانت فرصة روسيا، حيث كانت التقاليد الاستبدادية حتى أقوى بكثير والمشاكل التي تواجه الحكومة حتى أسوأ من ذلك بكثير؟

وأجاب بقوله إن روسيا كانت إمبراطورية عظيمة، واحدة من هذه الإمبراطوريات التي سادت العالم في عام 1914. لم تنجُ أي من هذه الإمبراطوريات وانهارت وسط صراع هائل.

بحسب الكاتب، كانت البلشفية الديكتاتورية نتيجة مفضلة عن الديمقراطية الليبرالية ولكنها بالتأكيد ليست النتيجة الوحيدة أو حتى الأكثر تفضيلًا. وبصرف النظر عن العوامل الداخلية الروسية، إذا كان النظام الملكي الروسي انهار في وقت السلم، كما حدث تقريبًا في شتاء 1905-1906، فقد كان التدخل الأجنبي الهائل من شأنه أن يجعل انتصار الثورة المضادة من شبه المؤكد، على الأقل في المدى المتوسط والقصير.

في زمن السلم، كانت ألمانيا ستأخذ زمام المبادرة في التدخل الأجنبي في قضية مكافحة الثورة. كقوة مجاورة مع الجيش الأكثر شراسة في أوروبا، فقد كان دورها دائمًا حيويًّا. وبالإضافة إلى ذلك، فإن إنقاذ الأقلية الألمانية الكبيرة في روسيا (التي ارتبطت النخب بها بصلات قوية ببرلين) كان من شأنه أن يعطي ألمانيا أكبر سبب للتدخل واسع النطاق مقارنة بالقوى الأوروبية الأخرى.

«آخر القياصرة»

 

احتفظت الظروف المختلفة جدًا لعام 1917-1918 بأهمية حاسمة. في هذه السنوات، فعلت ألمانيا كل ما في وسعها لتعزيز قضية الثورة – أشهرها عن طريق تقنين عودة «لينين» إلى روسيا. لمدة عام، وبينما اندلعت الحرب العظمى، كان البلاشفة قادرين على تعزيز قبضتهم على قلب روسيا. وكانت السيطرة على الموارد والاتصالات في هذا المعقل عاملًا حاسمًا في انتصار البلاشفة في الحرب الأهلية.

قال الكاتب إن انهيار الاتحاد السوفيتي حرر المؤرخين داخل روسيا من أي شيء يرتبط بالعقيدة اللينينية. وفي الوقت نفسه، تحطمت الافتراضات الليبرالية في الغرب منذ الأزمة المالية عام 2008. ومن الممكن الآن دراسة الثورة من جميع الأطراف دون افتراضات مسبقة لنتائجها.

وفقًا للكاتب، لا يوجد أحد في بريطانيا يكتب عن ثورة 1917 أفضل من الكاتبين «روبرت سيرفس» و«ستيفن سميث». على حد سواء، كرس كلا الكاتبين معظم حياته العلمية لدراسة الثورة. تقترب الثورة في كتبهم الجديدة من طرفي نقيض: كتاب «سميث»: «Russia in Revolution» أو «روسيا في الثورة» هو تاريخ كلي لعصر الثورة ما بين عامي 1890-1928، في حين ركز «سيرفس» في كتابه «The Last of the Tsars» أو «آخر القياصرة»، على مصير رجل واحد، وهو «نيقولا الثاني» وعائلته.

بحسب الكاتب، فإن كتاب «سيرفس» هو أفضل عمل حول «نيقولا الثاني» بعد تنازله عن العرش. ويعود ذلك جزئيًا إلى فهم الكاتب لكافة العقليات والتنافسات المعقدة بين مختلف العناصر التي يتكون منها النظام البلشفي في وقت مبكر.

كثيرًا ما اختلف قادة الحزب في موسكو، والأورال وأماكن أخرى في سيبيريا، بقوة حول كيفية التعامل مع عائلة «رومانوف». القصة غير العادية لـ«فاسيلي ياكوفليف»، الذي حملته موسكو مسئولية انتقال عائلة «رومانوف» من توبولسك، شُرحت بطريقة مثلى في كتاب «آخر القياصرة» مقارنة بأي كتاب آخر بسبب معرفة الكاتب للسياسة البلشفية.

ومن المثير للاهتمام، فإن وجهة نظره حول الجدال بشأن ما إذا كان «لينين» أمر مباشرة بقتل عائلة «نيقولا الثاني» وخدمهم، هي أن الزعيم البلشفي كان يعرف بالتأكيد أن القتل كان مقصودًا من قبل قيادة حزب إيكاترينبرغ ولم يفعل شيئًا لوقفه. ولكن «سيرفس» يضيف أن أدلة ظرفية قوية تشير إلى أن موسكو سمحت في الواقع بعمليات القتل وبعد ذلك تسترت على الأدلة.

يركز كتاب «آخر القياصرة» على شخصية وآراء «نيقولا الثاني» وتطورها في أعقاب التنازل. ويستشهد الكتاب بأدلة جديدة حول هذا الموضوع، بما في ذلك دراسة مثيرة جدًا حول ما قرأه الإمبراطور السابق في الشهور الـ16 الأخيرة من حياته.

إرهاب ستالين

 

الصورة التي تتضح لنا هي صورة الرجل الذي لم يتغير فهمه للسياسة كثيرًا نتيجة لفشله حاكمًا وانهيار نظامه. كان أولًا وقبل كل شيء وطنيًا روسيًا وشعر بالفزع لخسارة جميع الأراضي التي اكتسبها أسلافه منذ منتصف القرن الـ17 بعد معاهدة «بريست ليتوفسك». على الجانب الإيجابي، كان «نيقولا الثاني» قادرًا على التسامح تجاه الأعداء السابقين: اعترف بأن بعض القادة الليبراليين والاشتراكيين كانوا وطنيين حقيقيين أحبوا روسيا.

فيما تختلف رؤية «سميث» لـ«نيقولا الثاني» حاكمًا عن رؤية «سيرفس» ومعظم المؤرخين الآخرين. ولكن حتى فيما يتعلق بـ«نيقولا الثاني»، فإن أحكام «سميث» قامت على الإنصاف والبصيرة والإنسانية. كتابه يتناول جميع القضايا الكبرى في التاريخ الروسي بين عامي 1890 و1928، ويقيم الأدلة، ويعرض وجهات نظر مختلفة من العلماء، ويتوصل إلى استنتاجات متوازنة.

ذكر الكاتب أن «سميث» ناقش الآمال الهائلة التي أطلقتها الثورة في بعض الدوائر، وخاصة بين الشباب. ويصف، على سبيل المثال، رؤى العالم المتحول والأفضل الواضحة في التعبير الثقافي، وكذلك في الحياة اليومية. ولكن الكاتب أوضح أن المشكلة هي أن نعرف ما حل بعد ذلك، حيث لم يلحق الإرهاب الستاليني فقط معاناة إضافية واسعة للشعوب السوفيتية ولكنه انتزع أيضًا معظم مكاسب الثورة فيما يتعلق بالتعبير الثقافي وتحرر المرأة.

واختتم الكاتب بقوله إن الأسوأ من ذلك كله هو معرفة أن الحرب العالمية الثانية اندلعت بعد ذلك بفترة قريبة. لم يكن من المرجح أبدًا أن تبقى التسوية السلمية التي تم التوصل إليها في مؤتمر باريس للسلام في عام 1919، من دون ألمانيا وروسيا، على قيد الحياة، حيث كانت هاتان الدولتان إلى حد بعيد الأكثر نفوذًا في أوروبا.

لم تتكرر جميع الأهوال التي وصفها «سميث» و«سيرفس» فقط في الحرب العالمية الثانية، ولكنها وقعت بشكل أكبر. حتى الفظائع المعادية للسامية التي شهدتها الحرب الأهلية الروسية تتضاءل بالمقارنة مع الإبادة الجماعية التي وقعت بين عامي 1939-1945، وهي جريمة يمكن تصورها فقط في خضم حرب تجري في عموم أوروبا.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد