قال إيريك أولسن في مقال له بصحيفة «واشنطن بوست»: إن العالم بات يدرك خطر الخطاب المتطرف لليمين الشعبوي القومي الذي صعد مؤخرًا، وأن هناك «ثورة مضادة» للتصدي لهذه النزعة.

وأوضح أولسن أن عددًا من دول العالم – بما فيها الولايات المتحدة – تشهد تحركات للتصدي للعنصرية ومعاداة المهاجرين؛ مما قلب المحور السياسي رأسًا على عقب.

في العديد من البلدان التي شهدت صعود الأحزاب، أو الحركات المعادية للمهاجرين، يعيد مؤيدوها تقييم أفكارهم. فهؤلاء الناخبون المعتدلون ثقافيًا، أو الليبراليون إلى حد ما، إما تحولوا إلى أحزاب كانوا قد تجنبوها في السابق، أو دفعوا قادتهم إلى التخلي عن التحالفات القديمة.

النوع الأول من التفاعل هو ما رأيناه في الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، إذ عادة ما يجبر نظام الحزبين القويين الناخبين على اختيار الحزب الذي لا يحبونه. قبل صعود الشعبوية انتمى الناخبون ذوو الدخل العالي، والمتعلمون في المناطق الحضرية، أو الضواحي، إلى حزب يمين الوسط. الآن هم يختارون يسار الوسط.

في الولايات المتحدة، كان مؤيدو المرشح الجمهوري السابق لمنصب الرئيس ميت رومني – الذين يقدرون بالملايين – هم السبب في سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب بعد أن بدلوا ولاءاتهم – يكشف أولسن. وحتى في معاقل الحزب الجمهوري السابقة، مثل أورانج كاونتي، وكاليفورنيا، وضواحي دالاس، وهيوستن. وفي الانتخابات العامة البريطانية عام 2017 توافد الناخبون السابقون لحزب المحافظين لدعم حزب العمال، أو الحزب الديمقراطي الليبرالي. وقد صوت المعتدلون – في المناطق الحضرية – الغاضبون من صعود اليمينيين ضد رئيس الوزراء الأسترالي المعتدل، مالكولم تورنبول، لصالح المستقلين أو حزب العمل المعارض في الانتخابات الأخيرة.

Embed from Getty Images

تعاني حكومة ماي الأمرين بسبب استفتاء البريكست

تشهد الأنظمة متعددة الأحزاب أيضًا تحركات مماثلة – يؤكد أولسن – فقد أنهت السويد مؤخرًا مأزقًا لمدة أربعة أشهر حول من سيصبح رئيسًا للوزراء عندما تحول حزبين من أحزاب يمين الوسط، ودعموا الحزب الديمقراطي الاجتماعي الحالي. ورفضوا التعامل مع حزب شعبوي مناهض للمهاجرين، حزب الديمقراطيين السويديين، الذين احتاجوا إلى دعم أنصار يمين الوسط التقليديين لانتخاب رئيس الوزراء. وفي ألمانيا أصبح حزب الخضر المؤيد للمهاجرين الآن ثاني أكبر حزب في استطلاعات الرأي، ويرجع ذلك إلى أن المؤيدين المتعلمين لأحزاب يمين الوسط البارزين قد بدلوا ولاءاتهم كرد فعل لصعود الشعبويين المناهضين للمهاجرين إلى ألمانيا.

هذه الحركة تخلق مشاكل لكل من اليمين واليسار التقليديين. فقدان هؤلاء الناخبين يجعل من المستحيل فوز اليمينيين بالأغلبية. وقد اكتشفت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، ذلك عندما خسرت أغلبيتها في انتخابات عام 2017، وأدى الغضب ضد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي – من قبل المحافظين الذين ما زالوا يمثلون الناخبين ذوي الدخل المرتفع – إلى إحراج حكومتها. لا تستطيع الأحزاب المحافظة أيضًا أن تشكل الأغلبية إذا انتقلت بشكل حاسم إلى الوسط، حيث إن العديد من ناخبيهم يرغبون في سياسة صلبة وشعبية، وهم على استعداد للانشقاق إذا لم يحصلوا عليها.

كما تبخرت أحلام اليسار أيضًا. فالناخبون المحافظون السابقون الذين يدعمون أحزاب جديدة لا يتخلون فجأة عن معتقداتهم. كان على رئيس الوزراء السويدي ستيفان لوفوفن الموافقة على خفض الضرائب وإدخال بعض الإصلاحات في سوق العمل لكسب دعم الأحزاب المحافظة. وقد كلفه ذلك دعم حزب اليسار، الحليف التقليدي. في بريطانيا يتعرّض زعيم حزب العمل جيرمي كوربين لضغوط لدعم استفتاء ثانٍ على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو أمر يريده ناخبو حزب المحافظين السابقين المناهضين لبريطانيا، لكن القيام بذلك من شأنه أن يكسر الثقة في قاعدة الطبقة العاملة التقليدية للحزب، التي صوت الكثير منها لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ودعمت حزب العمل في الانتخابات الأخيرة؛ لأنه وعد بتأييد نتائج الاستفتاء.

Embed from Getty Images

الديمقراطيون يسعون إلى عزل ترامب

ويبدو أن الديموقراطيين في أمريكا سيمرون بأزمة مشابهة – يشير أولسن – فالتقدميون مثل الشابة ألكزاندريا أوكاسيو كورتيز يعتقدون بالفعل أن العديد من الديمقراطيين الحاليين ليسوا يساريين بما فيه الكفاية. يدعم العديد من الديمقراطيين قضايا تقدمية، مثل عزل الرئيس ترامب، وإلغاء تطبيق قوانين الهجرة والجمارك، أو زيادة الإنفاق المحلي بشكل كبير. ولكن المشكلة هي أن الجمهوريين السابقين الذين انتخبوا الديمقراطيين لا يدعمون هذه الأجندة التقدمية.

إن السبب في فوز ترامب في عام 2016 هو أن الناخبين من أمثال هؤلاء دعموه على مضض ضد هيلاري كلينتون. كشف استطلاع للرأي أن 18% من جميع الناخبين لم يميلوا إلى أي من المرشحين في يوم الانتخابات. وقد أظهرت استطلاعات سابقة أن هؤلاء الناخبين هم من خلفيات تعليمية متفاوتة، ويسكنون في الضواحي، ويميلون إلى الحزب الجمهوري. وكشفت تلك الاستطلاعات الأولية أن هؤلاء الناخبين مشتتون، مع إعلان أغلبية كبيرة في منتصف شهر أكتوبر (تشرين الأول) تأييدها لمرشح ثالث، أو يقولون إنهم لم يقرروا من سينتخبون بعد، لكن في يوم الانتخابات دعموا ترامب على مضض، والذي فضلوا سياساته بهامش 47 إلى 30%.

ويؤكد أولسن أن الجمهوريين يستعدون لنصر جديد؛ إذ يعتقدون أن ترامب سوف يعاد انتخابه، ويرجع ذلك إلى حد كبير لأنهم يعتقدون أن الديمقراطيين سيختارون المرشح الأكثر تشددًا تجاه ترامب. وهم يعلمون أنه إذا حدث ذلك، فإن الملايين من معارضي ترامب سيضطرون مرة أخرى إلى اختيار شخص يحتقرونه بشدة.

فكيف سينقسم هؤلاء الناخبون؟ يتساءل أولسن. قد يحاول ترامب الفوز بهم، لكن ذلك قد يسيئ إلى قاعدته من المتشددين. لقد هاجم المحافظ آن كولتر ترامب بسبب خطابه التوفيقي يوم السبت، حيث قال: «صوتنا لصالح ترامب وحصلنا على جيب». كما أن مغازلة الوسط لاجتذاب أنصار رومني سيضر بالائتلاف الجمهوري أيضًا.

إن الانقسام السياسي الحاصل في أمريكا لا يتمحور حول ترامب – يختتم أولسن بالقول. فالتغيير الثقافي والهجرة الجماعية وقوة الكيانات الوطنية تعيد ترتيب السياسة في جميع أنحاء العالم. وقد جادل الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيجل في القرن التاسع عشر بأن التاريخ ينشأ من خلال نزاع بين أطروحة ونقيضها؛ مما يؤدي إلى توليف حل للصراع الأصلي. وإذا كانت الشعوبية هي أطروحتنا والثورة المضادة لها هي نقيضنا، فإننا في منتصف بحثنا عن توليفة. ما يتكون منه ذلك، وكيف يتحدد هو ما سيخلق الظروف التي ستعيشها الولايات المتحدة خلال معظم العقود القليلة القادمة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد