الاختلاف في رد فعل الحكومات الغربية على الحادثين يشير إلى تركيز في غير محله على الإجراءات الانتخابية.

نشرت مجلة «ذا دبلومات» الأمريكية المتخصصة في الشؤون الدبلوماسية والأمنية مقالًا لسيباستيان إسترانجيو، محرر القسم المعني بجنوب شرق آسيا في المجلة، تناول فيه تداعيات الانقلاب العسكري الذي شهدته ميانمار في بداية شهر فبراير (شباط)، مشيرًا إلى أن هناك تبيانًا ملحوظًا بين رد فعل الحكومات الغربية على هذا الانقلاب ورد فعلها على الإبادة الجماعية التي نفَّذها الجيش الميانماري ضد مسلمي الروهينجا.

يقول الكاتب في مستهل مقاله: بعد مرور ما يقارب شهر على استيلاء الجيش الميانماري على السلطة، سرعان ما بدأت التكاليف الدولية التي تكبَّدها المجلس العسكري، فيما يتعلق بكلٍ من الأموال والسمعة، في الازدياد. وقد أعلنت الحكومة الأمريكية عن فرض جولتين من العقوبات ذات الأهداف المُحدَّدَة، كما اتخذت المملكة المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي الإجراء ذاته.

تداعيات انقلاب الأول من فبراير

يشير الكاتب إلى أن الشركات التجارية قد قطعت علاقاتها مع الشركات المرتبطة بالجيش الميانماري، فضلًا عن أنها تعيد النظر في خطط الاستثمار في ميانمار. كما أوقف البنك الدولي المدفوعات المُقدَّمة للمشروعات المطلوبة منذ اندلاع الانقلاب، وحظرت إدارة «فيسبوك» الجيش الميانماري من استخدام منصات موقع التواصل الشهير.

Embed from Getty Images

كل هذه الإجراءات اقترنت بمجموعة من الإدانات الدولية لاستيلاء الجيش على السلطة في بداية فبراير ودعوات لإعادة تنصيب الحكومة الشرعية المُنتخَبَة بقيادة الزعيمة أون سان سو تشي.

يقول الكاتب: إن جميع هذه الإجراءات يمكن تفهُّمها، وتستحق الإشادة في حالات كثيرة. ولكنَّها تطرح سؤالًا أيضًا وهو: لماذا لم يكن رد الفعل القوي هذا مُتوقعًا في حالة التطهير العِرقي ومزاعم الإبادة الجماعية ضد مسلمي الروهينجا التي نفَّذها الجيش الميانماري في عام 2017؟

ويجيب الكاتب: بناءً على ردود الأفعال في الأسابيع القليلة الماضية، يبدو أن الحكومات الغربية استاءت من محاولة الانقلاب التي نفَّذها جيش تاتماداو (جيش ميانمار) أكثر من استيائها من الأعمال الوحشية التي ارتكبها الجيش تحت رعاية الحكومة المُنتخبَة.

حملة تطهير عِرقي لمسلمي الروهينجا

ولفت الكاتب إلى أنه في عام 2017، شنَّ الجيش الميانماري عملية تطهير عِرقي وحشية ضد القرى التي كان يقطنها مسلمو الروهينجا في الجزء الشمالي من ولاية راخين (كانت تسمى آراكان قديمًا) في غرب البلاد، وهَدَمَ المنازل وأطْلَق النيران على أهالي القُرى، وفي نهاية المطاف، دَفَعَ أكثر من 700 ألف مدني خائف إلى عبور المنطقة الحدودية نزوحًا إلى بنجلاديش. وبعد أن أجروا تحقيقًا، دعا خبراء الأمم المتحدة لاحقًا إلى التحقيق مع الجيش في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك ارتكابه إبادة جماعية.

وأكَّد الكاتب على أن الدول الغربية أدانت بشدة معاملة الجيش للروهينجا، وفرضت عقوبات ردًا على ذلك. ولكن يمكن القَول إن رد الفعل الحالي يختلف اختلافًا كميًّا؛ ذلك أن الولايات المتحدة لم تفرض عقوبات على جيش ميانمار إلا في أغسطس (آب) 2018، أي بعد مرور عام واحد على وقوع الهجمات الأولى التي نفَّذها جيش تاتماداو، وجاء ذلك بعد أن قرَّرت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة أن الهجوم كان يحمل نية ارتكاب «إبادة جماعية».

دولي

منذ شهرين
مترجم: بوريس جونسون يندد بانقلاب ميانمار.. لكن لماذا لم يتحدث عن الروهينجا؟

في الوقت ذاته انتهى الحال بالقائد الأعلى لجيش ميانمار، مين أونج هلاينج، إلى إدراجه في قائمة العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية في نهاية عام 2019. وعلى نحوٍ مماثلٍ، حظر «فيسبوك» 18 حسابًا و52 صفحة ترتبط بجيش تاتماداو في أغسطس 2018، بما فيها الحسابات والصفحات التابعة لمين أونج هلاينج، ولكن إدارة الموقع ماطلت في اتِّخاذ أي إجراءات أكثر شمولية ضد الجيش الميانماري.

وفي مثل هذه الحالة، ونظرًا لخطورة الجرائم المزعومة، قد نتوقع تطابقًا في المواقف التي اتَّخذتها الحكومات الغربية. ونحن نتحدث هنا عن بعض أسوأ الجرائم التي يستطيع بنو البشر فِعلها، حتى أن الواجب الأخلاقي الذي يقف في وجه هذه الجرائم يرفض بازدراء أن يصدِّق صيحة «لن تتكرر أبدًا» (صيحة مختصرة لذكرى محرقة الهولوكوست). أو كما كتب عنها ديفيد ريف، وهو كاتب أمريكي مهتم بالشؤون السياسية، قائلًا: «لن تتكرر أبدًا، أبدًا، أبدًا» (ومع ذلك تكررت مع الروهينجا).

«القشة التي قصمت ظهر البعير»

ويرى الكاتب أن أحد تفسيرات هذا الأمر يتمثَّل في أن الانقلاب كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير؛ أي أنه بعد التخلُّص من أي ذريعة متبقية تفيد بأن الجيش الميانماري كان ملتزمًا بالإصلاحات الديمقراطية، استلزم الأمر استجابة قوية غير عادية لما حدث. وهناك تفسير آخر مفاده أن سياسات الحكومات الغربية تستقي أفكارها من مشاعر شعب ميانمار، كما اتَّضح في الاحتجاجات وحملات العصيان المدني التي انتشرت انتشارًا سريعًا.

Embed from Getty Images

إلا أنه في هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن شوارع ميانمار كانت خالية تقريبًا من المحتجين عندما طُرِد الروهينجا من ديارهم وأطلق عليهم جنود المشاة التابعين لجيش تاتماداو النار في أواخر عام 2017. ومع وضع هذا الأمر في الاعتبار، من المنطقي أن نسأل عن ما إذا كانت الحكومات الغربية لا ينبغي أن تُصدر أحكامها الأخلاقية والسياسية أم لا.

ويمضي الكاتب قائلًا: بينما أعتقد أن كلا العامِلَين أدَّيا دورًا، إلا أنني أعتقد أيضًا أن هذا مثال مثير للاهتمام على كيفية تركيز الحكومات الغربية والمُراقبين في أمريكا الشمالية وأوروبا بصفة عامة، تركيزًا في غير محله على الإجراءات والانتخابات الديمقراطية بوصفهما مقياسًا للتقدم السياسي.

وربما ينبع هذا في بعض جوانبه من حقيقة أن المعايير الإجرائية يسهل تقييمها ومراقبتها، بالإضافة إلى أنَّها تُمثِّل في جزء منها انعكاسًا خارجيًّا للتصورات الغربية السائدة بشأن الديمقراطية. وفي الولايات المتحدة، على وجه الخصوص، تميل هذه التصورات إلى التركيز الشديد على الحقوق السياسية، أي حق الانتخاب، على حساب أي مناقشة موضوعية لأوجه التفاوت المادي أو التوزيع الاقتصادي، أو على حساب نقاط تقاطعها المعقَّدة مع التحيز العِرقي.

تحديات الاندماج العرقي في ميانمار

ويستدرك الكاتب قائلًا: ومع ذلك لا يمكن تناول مسألة الديمقراطية في ميانمار بمعزل عن تحديات الاندماج العِرقي التي تعصف بالدولة منذ استقلالها، إذ تمتد جذورها في التصدعات العِرقية والدينية، وهي الانقسامات التي حققت نتائجها المروِّعة في المسيرات التي شهدتها ولاية راخين في الأشهر الأخيرة من عام 2017. ولا يمكن فصلها عن الشكل غير المتوازن والمشوَّه للرأسمالية التي استشرت في ميانمار في تسعينات القرن الماضي، ذلك أنها تورطت في الاقتصادات المتصارعة للدول المجاورة.

ويؤكد الكاتب أن السياسات الغربية المُتَّبعَة تجاه ميانمار على مدار العقد الماضي يبدو أنها كانت تستند إلى افتراض ليبرالي أساسي مفاده أن «كل الأشياء الجيدة تسير معًا». ووفقًا لهذا النمط من التفكير، ستخلق «الانتخابات الحرة والنزيهة» زخمًا نحو السلام والازدهار الذي يتمتع بقاعدة عريضة في البلاد. وحقيقة أن هذا الأمر سوف يفتح المجال أمام اقتحام أحد الأسواق الحدودية بعد ذلك لم تتحقق.

دولي

منذ شهر
«فورين بوليسي»: لماذا يدعم الرهبان البوذيون الجيش في ميانمار؟

ومن الناحية العملية، كانت الصورة أكثر فوضوية. وكما كتب ثانت مينت يو، مؤرخ بورمي، في كتابه الذي صدر حديثًا «تاريخ بورما الخفي: العِرْق والرأسمالية وأزمة الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين»، لم تفعل الحلول الغربية للديمقراطية والأسواق الحرة سوى القليل لرأب صدع الانقسامات العِرقية والدينية في ميانمار. وبالفعل يزعم مينت يو أنها وسَّعت هوَّة التفاوتات الاقتصادية القائمة و«أضافت طبقة جديدة من المنافسة الحزبية على الساحة المنقسمة بالفعل». ومع فتح أبوب المجال السياسي في البلاد، وصل القتال بين الجيش العسكري والمجموعات المسلحة العِرقية إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ سنوات، بينما ازداد تدهور معاملة الروهينجا.

وكما جادل الكاتب في مواضع أخرى بإسهاب، يُعد الدور المهيمن للجيش عَرَضًا من أعراض مشاكل ميانمار وهو سبب هذه المشاكل بالقدر ذاته. وعلى كل حال، كان الخوف من انفصال الأقليات العِرقية مُسوِّغًا للانقلاب الذي وقع في عام 1962، وهو ما عزَّز تصوُّر الجيش منذ ذلك الحين بوصفه المؤسسة الوحيدة التي يمكنها الحفاظ على تماسك ميانمار. وهذا يفسر أيضًا التناقض الذي يتَّسم به كثير من شعوب الأقليات العِرقية تجاه أون سان سو تشي وحزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية.

أهداف ضرورية للحكومات الغربية

ويُعد إسقاط الانقلاب وإعادة تنصيب الحكومة التي شكَّلها حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية هدفين يستحقان الإشادة، كما أنهما ضروريان للحكومات الغربية. وتظل مسألة ما إذا كانت هذه الجهود ستُكلل بالنجاح مسألة بلا إجابة. ولكن من المهم أن نعترف بأنه إذا نجحت الحكومات الغربية في تحقيق ذلك، فلن يكون هذان الهدفان وحدهما كافيين لحل المشكلات الأكثر عمقًا التي تواجهها البلاد، ما يفوِّت جميع فرص الحل، ويؤدي إلى استمرار دوامة الصراع في حصد الضحايا. وكما كتب كنعان مالك، (وهو فيلسوف وصحافي وعالم أعصاب بريطاني)، في صحيفة الجارديان هذا الأسبوع، «هناك شيء واحد مؤكد، وهو: لا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية ما لم يتمتع الجميع بالديمقراطية والحقوق المتساوية».

Embed from Getty Images

وكما أصبح واضحًا، شهدت الحركة الاحتجاجية الحالية بعض البوادر المشجِّعة على أن دفة الأمور ربما تكون أوشكت على التحوُّل. وكان محتجون من العِرقية البورمانية قد أعربوا، على مواقع التواصل الاجتماعي، عن ندمهم إزاء عدم دفاعهم عن الروهينجا عندما أُتيحَت لهم الفرصة. وهناك قصص الآن عن إقامة روابط جديدة بين الحركة الديمقراطية وناشطي الروهينجا، ودعوات متزايدة من جانب ناشطين بورمانيين لإلغاء دستور عام 2008 وإنشاء ديمقراطية اتحادية شاملة.

ويختتم الكاتب مقاله بالقول: في نهاية فبراير، وجَّه كياو هسان هلينج، وهو صحافي من ولاية راخين، نداءً عاطفيًّا إلى الحركة الاحتجاجية المناهضة للانقلاب من أجل إعادة النظر في سياسات ميانمار بدلًا من إعادة الأمور في البلاد إلى نِصَابها فحسب، مُعربًا عن تفاؤله بشأن قدرة الاحتجاجات التي أعقبت الانقلاب على تحقيق ذلك. وكتب هسان هلينج: «أعتقد أن اللحظة الراهنة لا يقتصر دورها على تقديم فرصة لمكافحة الدكتاتورية العسكرية فحسب، ولكنَّها تؤدي أيضًا إلى تفاهمٍ أفضل بين البرماويين وغيرهم من المجموعات العِرقية». ويعلق الكاتب على ما كتبه هسان هلينج قائلًا: لا يسعنا إلا أن نأمل أن يكون محقًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد