قال تقرير نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية المعنية بالشأن الاقتصادي، إن محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في تركيا ساهمت في تذكير العالم بأن المخاطر السياسية في الأسواق الناشئة ما تزال أكبر منها في نظيراتها المتقدمة، رغم محاولة بريطانيا إثبات العكس بتصويتها للخروج من الاتحاد الأوروبي.

وتساءل التقرير بقوله: «كم هي المخاوف التي ينبغي على المستثمرين والشعوب أن يشعروا بها حول هذه الأحداث؟».

وجاء الجواب بحسب التقرير بأنها تترنح بين ما هو ليس بكثير وكثير جدًّا.

وأضاف التقرير أنه وعلى الرغم من الادعاءات بأننا نعيش في عالم يزداد خطورة، فإن الدليل، على الأقل عندما يتعلق الأمر بالانقلابات، يشير إلى النقيض من ذلك. فالواقع أن الانقلابات باتت نادرة الحدوث في العصر الحديث.

457 محاولة انقلاب

وأشار التقرير إلى أن جوناثان باول، وكلايتون تاين من جامعة كنتاكي، حددا 457 محاولة انقلاب في 94 بلدًا بين عامي 1950 و2010. بينما كانت نسبة قارة أفريقيا من هذه الانقلابات (37%)، استأثرت الأمريكتان بنسبة (32%). ونجحت ما يقرب من نصف هذه المحاولات في إطاحة الحكومة المستهدفة.

بحسب التقرير، فقد أظهرت بيانات باول وتاين أن هذه الأحداث بلغت ذروتها في منتصف الستينات، ومنتصف السبعينات، وأوائل التسعينات، مع نهاية الحرب الباردة.

ومنذ ذلك الحين تراجعت وتيرة تلك الانقلابات باطراد إلى أدنى مستوى على الأقل منذ الخمسينات، كما يظهر في الرسم البياني الأول.

وعلى الرغم من أن البيانات متاحة فقط حتى عام 2010، فقد بُذلت محاولات انقلابية قليلة نسبيًّا منذ ذلك الحين، مع تلك الموجودة في جزر المالديف ومالي في عام 2012، ومصر في عام 2013، وتايلاند في عام 2014، جنبًا إلى جنب مع الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا، كونه الأكثر وضوحًا.

ومع ذلك، قال التقرير إن التحليل يشير إلى أن مدبري الانقلاب باتوا أكثر كفاءة، مع تحقيق أكثر من 60% من محاولات الانقلابات التي تعاقبت في السنوات الأخيرة نجاحًا. وهذا هو أعلى معدل على الإطلاق، وأعلى بكثير من معدلات النجاح التي بلغت 20% في بداية الألفية.

نتائج وخيمة

التقرير ذكر أن البحوث المنفصلة التي أجراها إريك ميرسون، الأستاذ المساعد في معهد ستوكهولم للاقتصادات الانتقالية، تشير إلى أن النتائج المترتبة على الانقلابات وخيمة، لا سيما عندما يتم إطاحة الديمقراطيات بنجاح.

فحص ميرسون تأثير المحاولات الانقلابية التي تم تحديدها من قبل باول وتاين على النمو الاقتصادي حتى عام 2001. ووجد أن الانقلابات الناجحة في الديمقراطيات عادة ما خفضت النمو في دخل الفرد بنسبة 1 إلى 1.3 نقطة مئوية سنويًّا على مدى عشر سنوات لاحقة.

وفقًا للتقرير، يتعارض ذلك مع وجهة النظر في بعض الأوساط التي ترى أن الانقلابات العسكرية يمكن في بعض الأحيان أن تكون ضرورية من أجل الإصلاح.

وقد جادل البعض بأن «المعجزة الاقتصادية» في تشيلي منذ منتصف الثمانينات لم تكن لتتحقق لولا الانقلاب العسكري الذي حدث في عام 1973، والذي أطاح سلفادور اليندي، الرئيس المنتخب، ومهد الطريق لبرنامج التحرير الاقتصادي، والخصخصة، والقيود المفروضة على حقوق العمال.

وبالمثل، فإن تتبع الازدهار الاقتصادي في تركيا في الثمانينات يعود إلى انقلاب عام 1980، والذي حقق التحرر الاقتصادي.

ويشير تحليل ميرسون -بحسب التقرير- إلى أن هذه الحجج خاطئة. ففي كلتا الحالتين، يشير إلى أن نصيب الفرد من النمو الاقتصادي هو أقل بعد الانقلاب مما قبل الانقلاب. وعلاوة على ذلك، كان النمو في كلتا الحالتين أقل مما هو متوقع لهذا البلد، وذلك باستخدام توقعات النمو الصناعي على أساس أداء البلدان المشابهة.

ويصور هذا في الرسم البياني الثاني، جنبًا إلى جنب مع مثال الجزائر بعد الانقلاب العسكري في عام 1992، والذي حال دون تحقيق فوز محتمل من قبل الحزب الإسلامي في الانتخابات العامة. في حالة الجزائر، كان النمو بعد الانقلاب أفضل مما قبل الانقلاب، ولكن ما يزال أسوأ من المعدلات المتوقعة.

ونقل التقرير عن ميرسون قوله: «وجهة النظر الشائعة هي أن الانقلابات تطيح القادة المنتخبين ديمقراطيًّا، وكثيرًا ما توفر الفرصة للمشاركة في الإصلاحات الاقتصادية الضرورية التي لا تحظى بشعبية، ولكن تبقى الحاجة إليها ملحة».

وأضاف ميرسون: «ولا أريد أن أوضح أن الانقلابات تخفق في ذلك فحسب، بل تنزع أيضًا إلى إبطال الإصلاحات الاقتصادية الهامة، وخاصةً في القطاع المالي. وعلاوة على ذلك، تؤدي الانقلابات إلى زيادة المديونية، وتدهور صافي المركز المالي الخارجي، وتزايد معدل المعاناة من الأزمات الاقتصادية الحادة».

ويختتم قائلًا: «إن فرض الأحكام العرفية وما يرتبط بها من انتهاكات لحقوق الإنسان يعد بمثابة شهادة على معاناة الإنسان جراء تلك التدخلات».

ضعف النمو الاقتصادي

في المقابل، أشار التقرير إلى أن الانقلابات الناجحة التي تطيح القادة الاستبداديين هي في كثير من الأحيان ذو فائدة من الناحية الاقتصادية، وترفع النمو في السنوات العشر التي تلي الانقلاب بمعدل 0.7 نقطة مئوية سنويًّا.

وذكر التقرير أنه «لا يبدو أن الانقلابات الفاشلة في الدول الاستبدادية تؤدي إلى نمو أضعف بكثير، مع الأمثلة الأكثر فظاعة في الديكتاتوريات الأفريقية مثل ليبيريا (بعد المحاولة الانقلابية لعام 1985)، وسيراليون (1987)، والكاميرون (1984). ومع ذلك، لم يتم العثور على هذا التأثير في الأنظمة الديمقراطية».

واختتم التقرير بقوله إنه وبالنظر إلى أن انقلاب تركيا فشل، فإن التأثير المحتمل قد يعتمد على ما إذا كان الفرد يعتبر تركيا بلدًا ديمقراطيًّا أم مستبدًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد