نشرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية تقريرًا للصحافيين، سيمون دينير، وجول آخينباخ، عرضا فيه التفسيرات التي يقدمها الباحثون حول تأثير فيروس كورونا المستجد في الأماكن المختلفة من العالم، حيث ترتفع أعداد الوفيات نتيجة الإصابة بالفيروس في مناطق معينة أكثر من غيرها.

يطرح الكاتبان في بداية تقريرهما التساؤل التالي: لماذا تقل أعداد الوفيات بالفيروس في آسيا مقارنة بأوروبا الغربية وأمريكا الشمالية؟ هذا أحد الألغاز الكثيرة التي تطرحها الجائحة.

يتابع التقرير: حتى مع اعتماد سياسات اختبار مختلفة وطرق أخرى لإحصاء المصابين والأسئلة المثارة حول الإفصاح الكامل عن عدد الحالات، لفت الاختلاف الكبير في أعداد الوفيات في أنحاء العالم انتباه الباحثين الذين يحاولون فك شفرة هذا الفيروس، وفهم طريقة انتشاره.

صحيح أن البلدان في أجزاء من آسيا تفاعلت سريعًا مع التهديد، وفرضت في وقت مبكر سياسات التباعد الجسدي، لكن الباحثين يدرسون أيضًا عوامل أخرى؛ بما فيها الاختلافات الوراثية واستجابات جهاز المناعة، وسلالات الفيروس المختلفة، والتباينات الإقليمية على مستويات الصحة العامة والسمنة.

ماذا تقول الأرقام عن فيروس كورونا؟

أعداد الوفيات بين كل 100 ألف شخص في بلدان مختلفة. المصدر: جامعة جونز هوبكنز

سجَّلت الصين، التي ظهر فيها فيروس كورونا لأول مرة أواخر العام الماضي في مدينة ووهان، أقل من 5 آلاف حالة وفاة بالفيروس؛ ما يعني ثلاث حالات وفاة من بين كل مليون نسمة. أما اليابان فسجَّلت سبع وفيات من بين كل مليون شخص، وكان نصيب باكستان ستة، وكوريا الجنوبية وإندونيسيا خمسة، والهند ثلاثة، وتايلاند أقل من واحد من بين كل مليون، في حين أعلنت فيتنام وكمبوديا ومنغوليا أنها لم تسجل أي وفيات بسبب الفيروس.

يقارن التقرير هذه الأرقام بحوالي 100 وفاة من بين كل مليون شخص في ألمانيا، وحوالي 180 في كندا، و300 وفاة في الولايات المتحدة، وأكثر من 500 في بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا.

وكان فريق من العلماء في جامعة تشيبا اليابانية قد قدَّم رسمًا بيانيًّا حول مسار الفيروس في مختلف أنحاء العالم، وقالوا إنهم لاحظوا تفاوتات إقليمية صارخة. وعلَّق أكيهيرو هيساكا، من كلية الدراسات العليا لعلوم الصيدلة بالجامعة، قائلًا: «هذا يعني أن علينا أن نأخذ في الاعتبار الاختلافات الإقليمية أولًا قبل تحليل السياسات والعوامل الأخرى التي تؤثر في انتشار العدوى في أي بلد».

صحة

منذ 4 شهور
«فورين بوليسي»: هل تأخرت منظمة الصحة العالمية في استجابتها لجائحة كورونا؟

الحكمة التقليدية

يضيف الكاتبان: الافتراض الأساسي المطروح حاليًا، هو أن الفيروس المعروف رسميًّا باسم سارس كوف 2 يحوِّر الطريقة التي تسلكها الفيروسات عادة؛ وهي أنها معدية بطبيعتها وقاتلة بالمقدار نفسه في أي منطقة من العالم. وينقل الكاتبان عن جيفري شامان، عالم الأوبئة في جامعة كولومبيا، قوله: «نواجه جميعًا الفيروس نفسه بترسانة الاستجابات المناعية العامة نفسها». ويضيف: «بالطبع هناك اختلافات في الاختبارات والإبلاغ عن الحالات والسيطرة من بلد لبلد، ولكن هناك اختلافات أيضًا في معدلات ارتفاع ضغط الدم وأمراض الرئة المزمنة، وما إلى ذلك في كل بلد عن الآخر».

قد يرجع سبب ارتفاع عدد الوفيات في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية جزئيًّا إلى التردد في الاستجابة لخطر الجائحة، الذي بدا بعيدًا ولا يمثل تهديدًا حقيقيًّا، بينما أتاحت التجارب السابقة مع وباء سارس، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية في آسيا، استجابات أسرع بكثير للتهديد الجديد.

على سبيل المثال، تلقَّت تايوان إشادة واسعة لاستجابتها السريعة للجائحة، واتخاذها إجراءات تضمنت الفحص الذي أجرته للركاب القادمين من ووهان في مرحلة مبكرة جدًّا من انتشار الجائحة. في حين أنشأت كوريا الجنوبية برنامجًا ضخمًا لفحص المرضى وتعقبهم، وعزلهم في مرحلة مبكرة أيضًا.

ولكن ما حيَّر العلماء حقًّا؛ هو تدني أعداد الوفيات في كل من اليابان والهند، وهما دولتان مختلفتان تمامًا، وأكملت باكستان والفلبين نسج خيوط هذا اللغز.

كورونا

ميلانو – إيطاليا

هل للطقس والثقافة دخل في المسألة؟

يتابع التقرير: قد يكون الطقس الحار والرطب عاملًا مؤثرًا في دول مثل كمبوديا وفيتنام وسنغافورة؛ إذ دفعت  العديد من الدراسات بأن الحرارة والرطوبة يمكن أن تبطئ انتشار الفيروس- وإن كانت لا توقفه – تمامًا كما هو الحال مع الإنفلونزا العادية والفيروسات التاجية التي تسبب نزلات البرد الاعتيادية. إلا أن الوفيات العديدة الناتجة من الإصابة بفيروس كورونا التي شهدتها دول استوائية مثل: البرازيل والإكوادور تثير الشكوك حول صحة هذه الفرضيات.

ويضيف الكاتبان سببًا آخر للتفاوتات الإقليمية هذه، وهو التركيبة السكانية، فربما كانت الطبيعة الشابة للمجتمعات الأفريقية أكثر مقاومة للفيروس من المجتمعات المسنَّة في إيطاليا على سبيل المثال. ولكن أسبابًا أخرى تُكتشف في اليابان، التي يعد سكانها الأطول عمرًا في العالم. فهناك اعتقاد شائع في اليابان بأن النظافة، وعادات مثل ارتداء الكمامات، وتجنب المصافحة ساهمت في الحد من انتشار الفيروس، في حين أن الرعاية الصحية الشاملة والأهمية الكبيرة التي توليها الدولة للعناية بالمسنين وحمايتهم، أدت دورًا في انخفاض عدد الوفيات نتيجة الفيروس.

ماذا عن سلالات فيروس كورونا المختلفة؟

أظهر بحث أجراه فريق من جامعة كامبريدج، كيف تحوَّر الفيروس عندما انتقل من شرق آسيا نحو أوروبا، مشيرين إلى احتمالية أن تكون السلالة الأولية من فيروس كورونا قد تكيفت مناعيًّا وبيئيًّا مع شريحة كبيرة من سكان شرق آسيا، فاحتاج الفيروس للتحوُّر كي يستطيع التغلب على المقاومة التي تواجهه خارج تلك المنطقة.

وينقل التقرير عن بيتر فورستر، عالم الوراثة الذي قاد تلك الدراسة، أن هناك بيانات سريرية محدودة للغاية حول كيفية تفاعل السلالات المختلفة من الفيروس مع المجموعات السكانية المختلفة. وأشار إلى ضرورة متابعة السؤال حول ما إذا كانت هذه السلالات المختلفة تفسر معدلات الوفيات المتناقضة.

كما دفع فريق من العلماء في مختبر لوس ألاموس الوطني أيضًا، بأن سلالة أكثر فتكًا من الفيروس هي التي انتشرت في أوروبا والولايات المتحدة، ولكن عارضهم في هذا خبراء آخرون، قائلين إن تأثير السلالات الجديدة المتحورة عن الفيروس ما يزال غير واضح.

وقال جيريمي لوبان، عالم الفيروسات في كلية طب جامعة ماساتشوستس: «ربما تكون الإصابات قد نشأت من ذهاب شخص يحمل هذا الفيروس المتحور إلى معظم مهرجانات الروك والنوادي الليلية، ونقل المرض لمعظم هؤلاء الناس. ولكن هناك احتمالًا آخر أن هذه السلالة أكثر قابلية للانتقال بين الأشخاص».

الاستخبارات كورونا

ماليزيا

 

الجينات والجهاز المناعي

يتابع التقرير مع «تاسوكو هونجو» الطبيب والعالم الياباني المتخصص في علم المناعة، وحائز جائزة نوبل، الذي يقول إن هناك اختلافات هائلة في النمط الفردي لمستضد الكريات البيضاء البشرية لدى الأشخاص المنحدرين من أصول آسيوية وأوروبية، وهي جينات مسؤولة عن الاستجابة المناعية للفيروس. وأضاف أن هذا ربما يفسر سبب انخفاض عدد الوفيات في آسيا، ولكن من المستبعد أن يكون هذا هو السبب الوحيد.

وفي هذا الصدد، قال علماء من جامعة شيبا إن مجموعة كاملة من العوامل الوراثية من المحتمل أن تكون مسؤولة عن تهيئة استجابة الجسم للفيروس، وهي تستحق مزيدًا من الدراسة، حتى مع تأكيد أنه لا يوجد دليل يدعم هذه الفكرة حتى الآن؛ إذ قد تؤدي الاستجابات المناعية المختلفة دورًا أيضًا.

أما «تاتسوهيكو كوداما» من جامعة طوكيو فيقول إن الدراسات الأولية تظهر أن جهاز المناعة لدى الشعب الياباني يميل إلى التفاعل مع فيروس كورونا الجديد كما لو كان قد تعرض له سابقًا، وأشار إلى أن هناك تاريخًا يمتد على مدى قرون يشير إلى نشأة العديد من هذه الفيروسات من شرق آسيا. وأضاف: «يمكن تفسير لغز انخفاض عدد الوفيات في شرق آسيا بوجود مناعة ضد الفيروس».

اقترحت دراسات أخرى أن معدلات التطعيم بلقاح Bacille Calmette-Guerin (BCG) ضد السل ربما أدت دورًا أيضًا، إذ ربما يعزز هذا اللقاح استجابة جهاز المناعة على مستوى الخلية.

يقول «تسويوشي مياكاوا» من جامعة فوجيتا الصحية: «فرضيتنا هي أن لقاح BCG بالإضافة إلى الإصابة بمرض السل أو التعرض له ربما تقي من الإصابة بفيروس كورونا». ولكن اليابان وفرنسا لديهما سجلات التطعيم بهذا اللقاح نفسها، وإن كان من سلالة مختلفة، ومع ذلك فإن معدل الوفيات في البلدين مختلف تمامًا.

يلفت التقرير إلى انقسام آراء الخبراء حول الأمر، ولكن التجارب السريرية ما زالت جارية.

وينقل عن ميجان موراي، عالمة الأوبئة في كلية الطب في جامعة هارفارد، قولها إن هناك عاملًا آخر يستحق البحث والاستكشاف، ألا وهو الاختلافات في الميكروبيومات؛ وهي تريليونات من البكتيريا موجودة في أمعاء الإنسان وتؤدي دورًا كبيرًا في الاستجابة المناعية. وتضيف: «تختلف الميكروبيومات في الأماكن المختلفة؛ فالناس تأكل طعامًا مختلفًا تمامًا».

عامل السمنة تحت الدراسة.. وفرص الإصابة العشوائية غير مستبعدة

أرقام فيروس كورونا

(نسبة السمنة في دول مختلفة. المصدر: منظمة الصحة العالمية)

هناك شيء آخر تشترك فيه الدول الآسيوية؛ وهو أن معدلات السمنة لديها أقل بكثير مما هي عليه في الغرب، فالسمنة عامل خطر رئيسي في مرض كوفيد-19. إذ إن هناك حوالي 4% فقط من اليابانيين يعانون من السمنة، وأقل من 5% من الكوريين الجنوبيين، مقارنة بالـ20% أو أكثر في أوروبا الغربية، و36% من الأشخاص في الولايات المتحدة، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.

ولكن الفرصة العشوائية للإصابة أيضًا واردة. فروسيا على سبيل المثال صمدت لمدة شهرين وبدت سالمة تمامًا من الفيروس، بينما هي الآن نقطة ساخنة لانتشار الفيروس. وبعد المنحنى المسطح نسبيًّا، ترتفع حالات الإصابة الآن في الهند.

ويقول الكاتبان في ختام مقالهما إن جميع الأبحاث الوبائية عن الفيروس تعاني من قلة البيانات؛ وبالتالي قد تذهب الاستنتاجات التي بُنيت على الأعداد الأولية أدراج الرياح مع ظهور بيانات جديدة. وينقلان ما يقوله العلماء من أننا ما زلنا في بدايات انتشار الجائحة، وأسئلة العلوم الصعبة هذه تحتاج وقتًا طويلًا للإجابة عنها.

وعلى أية حال، لا يغير هذا الأمر شيئًا من حاجة كل دولة إلى البقاء في حالة تأهب قصوى. فكما يقول البروفيسور جيرمي لوبان: «يبدو أن جميع السلالات المنتشرة على هذا الكوكب قادرة على قتل البشر».

ريادة أعمال

منذ 4 شهور
ابتكارات محليَّة ساعدت المغرب في مواجهة كورونا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد