نشر موقع ڤوكس تقريرًا لبريان ريسنيك، مراسل علمي للموقع الأمريكي ويغطي العلوم الاجتماعية والسلوكية، والفضاء، والطب، والبيئة، تناول فيه تفشي جائحة كورونا في الغزلان، موضحًا أن الفيروس أصاب القطط، والكلاب، والقوارض، لكن تفشِّيه في الغزلان مختلف.

وفي مطلع تقريره أوضح الكاتب أنه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 ارتفع عدد حالات الإصابة بكوفيد-19 في ولاية أيوا إلى 32.081 حالة في أسبوع واحد، وكان هذا العدد قياسيًّا في ذلك الوقت. ومن ثم بدأت الجائحة أيضًا في الانتشار بين العديد من الغزلان ذات الذيل الأبيض في الولاية الأمريكية. وفي استطلاع استمر سبعة أسابيع في أعقاب الزيادة في إصابات الغزلان بالفيروس في ولاية أيوا، قال فيفيك كابور، عالم الأحياء المجهرية البيطرية في ولاية بنسلفانيا، لقد «أدهشنا هذا الأمر تمامًا».

كورونا بين الغزلان: صندوق باندورا

وأفاد الكاتب أن الأمر لم يتوقف عند حد ولاية أيوا؛ إذ إن هناك مؤشرات على تفشي الجائحة في الغزلان في جميع أنحاء البلاد. وتوصَّلت دراسة منفصلة نشرتها مجلة «نيتشر» إلى وجود إصابات بالفيروس في ثلث الغزلان في ولاية أوهايو، وأبلغت «وزارة الزراعة الأمريكية (USDA)» عن وجود أجسام مضادة لفيروس كورونا في الغزلان الموجودة بولايات إلينوي، وميشيغان، ونيويورك، وبنسلفانيا.

والظاهر أن الغزلان نفسها لا تمرض بشدة من جرَّاء الفيروس – تشير الدراسات المعملية إلى أن المرض لديها يتطور إلى التهابات عديمة الأعراض – لكنَّ هذا ليس أكثر ما يثير القلق. ويصف خبراء الأمراض المُعدية البيطرية هذا التفشي للفيروس في الغزلان على أنه صندوق باندورا محتمل (هو صندوق يتضمن كل شرور البشرية في الميثولوجيا الإغريقية) – والآن بعد أن انفتح هذه الصندوق، هناك فرصة قد تكون ضئيلة، ولكنها حقيقية في أن يؤدي هذا التفشي إلى متحوِّرات مستقبلية تصيب البشر، أو تنتشر فتصيب الحياة البرية الأخرى.

وقبل بدء الدراسة اعتقد كابور وزملاؤه أنه من غير المرجَّح أن تكون نتيجة اختبار إصابة الغزلان بفيروس كورونا إيجابية. وقد يكون مستقبل فيروس كورونا في الحيوانات خارج سيطرتنا إلى حد كبير. تقول سارة أولسون، عالمة الأوبئة في جمعية الحفاظ على الحياة البرية، إننا «لا يمكننا السيطرة على الفيروس في البشر، فكيف نسيطر عليه في البرية».

Embed from Getty Images

وتُعد كيفية انتشار الفيروس بين الحيوانات البرية صندوقًا أسود يحاول العلماء النظر فيه من خلال نافذة ضيقة للغاية. ومع انتشار فيروس كورونا في الحياة البرية، فإنه من المرجَّح أن يكمن الفيروس في أنواع أخرى؛ مما يجعل من الصعب للغاية مراقبته والتغلب عليه. ويمكن أن يكون لمخاطر انتشار الفيروس في الحياة البرية عواقب وخيمة. ويجب على العلماء الحذر واليقظة بشأن الأخطار التي يمكن أن تنشأ من البرية.

قد يكون هناك انتشار واسع للغاية

يؤكد الكاتب أن حقيقة انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في الحيوانات ليست جديدة. وجرى توثيق حالات إصابة حيوانات عديدة بالفيروس بدرجات متفاوتة من المرض. وظهر المرض في القطط، والكلاب، والأسود، والنمور، والبوماء، والقوارض، ونمور الثلج، وغيرها.

ويبدو أن معظم الإصابات في الحيوانات كانت إصابات ذاتية. يقول سوريش كوتشيبودي، باحث الأمراض المعدية في ولاية بنسلفانيا والذي تعاون مع كابور، عن حالات معروفة في الحيوانات: «كانت جميعها حالات منعزلة».

ولكن كانت عدوى الغزلان مختلفة. يقول كوتشيبودي: «هذه هي المرة الأولى التي تُكتشَف فيها إصابة نوع من الحيوانات التي تعيش طليقة في البرية، وتنتشر فيها العدوى هذا الانتشار الواسع».

ولم تزل كيفية إصابة الغزلان لغزًا محيرًا، لكن يعتقد الباحثون أن تفشي المرض فيها جاء من البشر. يقول أندرو بومان، أستاذ الطب البيطري الوقائي في جامعة ولاية أوهايو: إنني «لا أعتقد أن هناك كثيرًا من التفاعل المباشر بين الإنسان والغزلان». ويشتبه بومان في أن إصابة الغزلان جاءت من بعض مصادر التلوث البيئي، مثل القمامة أو مياه الصرف الصحي.

ووجدت الدراسات أنه بمجرد أن ينتقل الفيروس إلى الغزلان، فإنه ينشره أيضًا بين أبناء جنسه. يقول كوتشيبودي: «لم ينتقل الفيروس من إنسان إلى غزال فحسب، بل انتقل أيضًا من غزال إلى غزال، كما يتضح من التغيرات الجينية التي ستؤكد ذلك».

إمكانية تحّور الفيروس بين الغزلان

يوضح الكاتب أن هناك سببين رئيسين يثيران القلق بشأن الغزلان التي تنشر الفيروس فيما بينها.

1- الفيروسات تتطور دائمًا

عندما تنتشر الفيروسات في جسم الإنسان، فإنها تكتسب تغيرات جينية ببطء، والتي يمكن أن تؤدي إلى ظهور متحوِّرات مثل ألفا ودلتا. ومن الناحية النظرية، يمكن للغزلان بعد مدة طويلة من انتهاء الجائحة لدى البشر – ربما حتى بعد 10 سنوات من الآن – إعادة إصابة البشر بمتغير جديد لا يستطيع نظام المناعة لدينا مجابهته جيدًا)، حتى أن هناك بعض تكهنات تفيد أن متغير أوميكرون نشأ من مجموعة حيوانات). يقول أولسون: «ومن ثم يعود الفيروس، ونخوض ضده معركة جديدة تمامًا».

Embed from Getty Images

وحتى الآن لم يجد العلماء أي مؤشر على أن نوعًا خطيرًا جديدًا يتشكَّل داخل الغزلان. وهذا أمر مطمئن أيضًا، تقول أنجيلا بوسكو لاوث، التي تدرس الأمراض المُعدِية والطب البيطري في جامعة ولاية كولورادو، إنني «لا أرى أن هذا يمثل تهديدًا كبيرًا في حقيقة الأمر». لكن إذا انتقل الفيروس من حيوان إلى إنسان، فسيكون من الصعب إثبات ذلك، كما يقول بوسكو لاوث.

2- الحيوانات كثيرة للغاية

ويلفت الكاتب إلى أن مثار القلق الآخر يتمثل في أن تفشي المرض قد لا يتوقف عند الغزلان. يقول أولسون إن الغزلان يمكن أن تنقل الفيروس إلى حيوانات أخرى. لنفترض أن هناك غزالًا مصابًا بفيروس كورونا، عندئذٍ من الممكن أن ينقل الفيروس إلى حيوان آخر. وإذا انتقل الفيروس إلى تلك الأنواع الأخرى وبدأ تفشي المرض بينها، فربما ينتهي الأمر بأنواع مختلفة عديدة من كوفيد-19. ومن هنا يمكن أن تتكون شبكة معقَّدة من الحيوانات التي تنقل الفيروس ذهابًا وإيابًا، أليس كذلك؟

وكل هذه الأمور افتراضية. ولكن إذا حدث ذلك فلن ندرك حدوثه بالضرورة. وفي حين أن الباحثين ليس لديهم دليل على أن كورونا يتسبب في نفوق الغزلان، إلا أنه يمكن أن يكون سببًا في نفوق فصيلة العرسيات، مثل ابن عرس والمنك، وابن مقرض، ونمور الثلج المهدَّدة بالانقراض. وبالنظر إلى مدى تطور فيروس كورونا لدى البشر، فمن المحتمل أن يتحور بطريقة تؤذي بعض الحيوانات. يقول أولسون: «هناك تهديدات تتعلق بالحفاظ على البيئة».

ما الذي يمكننا فعله حيال هذا؟

يشدد الكاتب على أن الجائحة التي تصيب البشر أكثر إلحاحًا من كوفيد-19 الذي يصيب الحيوانات. وكل العلماء الذين تحدثتُ معهم وافقوا على ذلك. ولم يزل فيروس كورونا يقتل الآلاف من البشر كل يوم، وهذه هي المشكلة التي يجب أن تحظى بالجزء الأكبر من اهتمامنا ومواردنا.

يقول بوسكو لاوث: «يؤدي البشر دورًا رائعًا في نشر كوفيد بين بعضهم بعضًا. ولا أشعر بأي قلق بشأن أي حيوانات يمكن أن تطيل عمر هذه الجائحة – أعتقد أننا نفعل ذلك جيدًا دون أي مساعدة».

وعلى الجانب الآخر يقول العلماء إنهم يريدون رؤية أوضح لما يحدث في عالم الحيوان. يقول أولسون: «نحن بحاجة إلى مراقبة الحياة البرية»؛ مما يعني إجراء مزيد من الاختبارات على الحيوانات بحثًا عن الأجسام المضادة لفيروس كورونا أو أي عدوى نشطة. ويضيف أولسون: «ليس لدينا الأدوات اللازمة للبدء في فهم النظام، بل إننا ليس لدينا إمكانية لرسم خرائط لما يحدث هنا؛ لأن قدرتنا على رؤية الأمور غامضة للغاية في الوقت الحالي».

Embed from Getty Images

ولم يزل أمام العلماء كثير ليتعلموه حول كيفية انتقال الفيروسات بين الأنواع، كما يقول أولسون، والعوامل التي تجعل هذه القفزات أكثر أو أقل احتمالية. ويتساءل الكاتب: هل يمكن للعلماء تلقيح الغزلان أو الحيوانات البرية الأخرى؟

ويجيب قائلًا: لا، لا يمكن ذلك في حقيقة الأمر. يقول أولسون: «لا يوجد شيء يمكن القيام به». ومع أن هناك بعض لقاحات تُعطى للحيوانات الأليفة على نحو روتيني، إلا أننا لا نعرف القدر الذي يكفي الجهاز المناعي لدى الغزلان. ومن ثم تأتي بعد ذلك المشكلات اللوجستية: كيف يمكن إعطاء اللقاح للحيوان؟ وقد لا تكون جرعة واحدة كافية، و يقول كوتشيبودي: «لا يمكننا تجاهل هذه المشكلة. ويكمن الخطر إذًا في أنه إذا لم نتصد له، فقد نتفاجأ تمامًا عندما يظهر متغير جديد».

واختتم الكاتب مقاله بالقول: لم يزل من المستحيل التنبؤ بمسار الجائحة، حتى عند البشر. وانتشار الفيروس في الحياة البرية يجعل الأمر أكثر صعوبة. وإذا كان هناك من درس يجب أن تعلمه، فهو أن «هذا الفيروس لا يتوقف عن مفاجأتنا»، كما يقول كابور.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تحميل المزيد