إن جائحة فيروس كورونا جعلت العالم أسوأ من نواح كثيرة؛ فالمهمة الصعبة بالفعل المتمثلة في إنهاء الاتجار بالبشر والعبودية الحديثة باتت أصعب. ومع توقع أن يدفع الوباء 70 مليون شخص على الأقل نحو الفقر المدقع، وفقًا لتقديرات حديثة للبنك الدولي، فمن المرجح أن يقبل العمال اليائسون عروض عمل محفوفة بالمخاطر أو قروضًا بفوائد عالية للبقاء على قيد الحياة، فقط لينتهي بهم الأمر ضحية أوضاع استغلالية.

وأضاف تقرير نشر في مجلة «فورين بوليسي»، وأعده كل من جميل بيجيو وهايون ولش، أن الشركات المتلهفة لزيادة الإنتاج بعد شهور من فقدان الدخل قد تكون أكثر استعدادًا لتوظيف أرخص العمالة المتاحة، بما في ذلك شركات التوظيف الوهمية، عبر تخطي تدابير الرقابة – وبالتالي تمكين تجارة البشر من الازدهار.

حقوق إنسان

منذ سنة واحدة
«الجارديان»: 10 أسئلة تجيبك عن كل ما تود معرفته عن العبودية في عصرنا

حجم الاتجار بالبشر في زمن كورونا

أوضح الكاتبان أن الانهيار الاقتصادي العالمي المرتبط بالوباء ليس عذرًا لتجاهل المشكلة. بالإضافة إلى كونه إهانة خطيرة لحقوق الإنسان وكرامته، فإن الاتجار بالبشر يضعف الاقتصادات ويهدد الأمن العالمي. يؤثر العمل الجبري على 25 مليون شخص وينتج ما يقدر بنحو 150 مليار دولار سنويًا، مما يجعله أحد أكثر الجرائم ربحية في العالم. هذه الممارسة تمول المنظمات الإجرامية، والجماعات الإرهابية والمسلحة، وتمكن الأنظمة القمعية، وتقوض الاستقرار. عندما يزدهر الاتجار بالبشر، تتعرض سلامتنا الجماعية للخطر.

وبينما تكافح البلدان للتخفيف من الضرر الواسع الناجم عن جائحة كورونا، يجب على القادة التأكد من أن الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمعات لا تقع فريسة للاستغلال. يجب إيلاء الاهتمام أولاً للناجين من الاتجار بالبشر – 72% منهم نساء وفتيات. في الأشهر الأخيرة، عانت عاملات المنازل – العديد منهن يعشن في ظروف شبيهة بالرق – من العنف الجسدي والجنسي المتزايد، وانخفاض الأجور، والحبس في المنزل.

Embed from Getty Images

ويضيف التقرير أنه في أجزاء من الشرق الأوسط، يخفي المستغلون وثائق الضحايا، ويمنعونهم من العودة إلى بلدانهم الأصلية. ولما كان الحظر قد أوقف السفر، يجد الناجون الذين يفرون من المتاجرين بهم أنفسهم عالقين. في ساحل العاج، تحدث كل من شولا لاوال وكورين ريدفيرن من مشروع فولر عن مجموعة من النساء النيجيريات اللائي هربن من بيت للدعارة حيث تم احتجازهن وأصبحن محاصرات الآن في مأوى، حيث تمنعهن قيود السفر في نيجيريا من العودة إلى ديارهن.

يؤثر الوباء أيضًا على الخدمات الاجتماعية التي تدعم – وتساعد في تحديد – الأشخاص الذين نجوا من الاتجار: فقد وجدت دراسة استقصائية أجرتها الأمم المتحدة مؤخرًا عن المنظمات العاملة في 102 دولة أن العديد منها تخشى تحول التمويل والاهتمام بعيدًا عن مكافحة الاتجار بالبشر مما سيجبرها على إغلاق ملاجئها، التي بدونها يواجه الناجون خطر التشرد والمزيد من الاستغلال.

الأطفال يقعون في حيل المتاجرين بالبشر

وفي الوقت نفسه – يؤكد الكاتبان – بالنسبة للأطفال في جميع أنحاء العالم، فإن إغلاق المدارس يزيد من خطر تعرضهم للاستغلال. يقضي الأطفال وقتًا أطول على الإنترنت في العمل المدرسي والتفاعل الاجتماعي، ويستهدفهم المتاجرون بشكل متزايد للاستغلال الجنسي عبر الإنترنت. حدث ارتفاع بنسبة 200% في المشاركات على منتديات الاستغلال الجنسي للأطفال بين فبراير ومارس، في مقابل انخفاض بنسبة 90% تقريبًا في كمية مواد الاستغلال الجنسي للأطفال التي أزيلت من الإنترنت، إذ يكافح المحققون لمواكبة الأمر بسبب انخفاض قدرة الموظفين وإغلاق الخطوط الساخنة المستخدمة للإبلاغ عن الحوادث.

يتعرض الأطفال غير الملتحقين بالمدارس لمزيد من مخاطر العمل القسري بسبب الضغوط الاقتصادية التي تعاني منها أسرهم – ينوه الكاتبان. وتتوقع الأمم المتحدة أن البقاء في المنزل، والضعف الاقتصادي، وبرامج الوقاية المعطلة ستسهم في زواج 13 مليون طفل حول العالم، حيث تجبر العائلات الفتيات المراهقات على الزواج في وقت مبكر باعتبار ذلك وسيلة أمان اقتصادية.

بالنسبة للعمال المهاجرين، فإن الجائحة تزيد من معاناتهم. نظرًا لأن التسريح الجماعي يكلف العمال المهاجرين دخلهم اليومي الأساسي، فإن الفقراء منهم بالفعل يتمكنون بالكاد من شراء الطعام، ويحصلون بصعوبة على الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية. وتستمر ديونهم في التراكم، وتصبح أسرهم في أوطانهم، التي تعيش على الأجور التي لم يعودوا يرسلونها، أكثر يأسًا. تزيد هذه العوامل مجتمعة من احتمالية قبول العمال المهاجرين لعروض العمل الاحتيالية للبقاء على قيد الحياة. إن واحد من كل أربعة ضحايا للعمل القسري كان مهاجرًا قبل انتشار الوباء؛ الآن، يحتمل أن يكون العدد أكبر بكثير.

العثور على خمسة رُضع في شقة أحد المهربين في روسيا

ما يمكن أن تقدمه الحكومات وصناع القرار

ويستكمل التقرير: في الواقع، مع إعادة فتح الاقتصادات وتعافي الإنتاج، يمكن للشركات وصانعي السياسات أن يتوقعوا زيادة في معدل العمل الجبري. كما أن الضغط لتلبية الطلب المتزايد سيحفز الشركات على اتباع طرق مختصرة وتوفير التكاليف، مما قد يؤدي إلى تفاقم العبودية الحديثة.

إن الطريقة التي يتعامل بها القادة مع تأثيرات الوباء على أولئك المعرضين لخطر الاستغلال والاتجار بالبشر ستشكل مستقبل اقتصاداتنا ومجتمعاتنا – يشدد الكاتبان. نظرًا لأن القطاع الخاص يعيد توظيف العمال وترتفع هجرة اليد العاملة إلى مستويات ما قبل الجائحة، فإن الشركات لديها فرصة لتحديث توظيف العمالة لزيادة السلامة والشفافية والكفاءة – ومكافحة الفساد والحد من مخاطر العمل الجبري. من الضروري أيضًا أن تقوم الحكومات بتعزيز وإنفاذ اللوائح الخاصة بهجرة اليد العاملة والتوظيف الأخلاقي. ولمحاسبة المتاجرين بالبشر وعرقلة أرباحهم، يجب أن تشارك أجهزة إنفاذ القانون في القطاع المالي في تحديد المعاملات المالية غير المشروعة ووقفها.

ويمكن للجهود الوطنية لمساعدة المجتمعات المتضررة من جائحة كورونا أن تمنع العمال والأسر التي تعاني من ضائقة اقتصادية من قبول المواقف الاستغلالية. لتحقيق هذه الفائدة، يجب على الحكومات ضمان وصول المجتمعات المعرضة للخطر إلى الخدمات الأساسية، من الرعاية الصحية والتحويلات النقدية إلى الائتمان ومعدلات الفائدة المنخفضة، بغض النظر عن تاريخ التوظيف الحديث أو الوضع القانوني. ولحماية الناجين من الاتجار بالبشر، يجب على الحكومات ضمان توفر خطوط ساخنة وأماكن إقامة آمنة تراعي التباعد الاجتماعي – بالإضافة إلى الدعم طويل الأمد لإعادة اندماج الناجين في المجتمع.

يزدهر الاتجار بالبشر بسبب الفقر والضعف، وكلاهما ينمو بشكل كبير خلال أزمة كوفيد-19. ولكن نظرًا لأن الوباء يتسبب في دمار المجتمع، فإنه يخلق أيضًا فرصة للقادة لإعادة البناء بشكل أفضل – ولجعل بلدانهم أكثر أمانًا وإنصافًا للجميع، وبذلك يتم القضاء على العبودية الحديثة.

عام

منذ 3 سنوات
مشاريع وتطبيقات محمولة لمكافحة الإتجار بالبشر..فهل تُصلح التكنولوجيا ما أفسدته؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد