بالمكالمات والرسائل وأوامر الاعتقال المزيفة وطرق خبيثة متعددة أخرى استخدمها المحتالون هذه السنة لخداع الناس وسرقة ملايين الدولارات منهم مستغلّي الاضطراب العام الناجم عن جائحة كورونا. يغطي تقرير منشور حديثًا على موقع «بلومبرج» المتخصص في الشؤون الاقتصادية أبرز الأساليب التي اعتمدها المحتالون وكيفية الوقاية منها.

الاحتيال في زمن كورونا

قد يكون عام 2020 هو العام المفضّل والأكثر مثالية للمحتالين والمجرمين في أنحاء العالم، إذ يشمل عالم ما بعد كورونا جميع العناصر التي حددها الباحثون منذ أمدٍ بعيد باعتبارها الأسباب الرئيسية لازدهار الخداع في الأزمان الصعبة وفترات الكوارث: الاضطرابات العاطفية والضائقة المالية وانهيار شبكات الدعم السويّ.

Embed from Getty Images

يحذّر المهتمون بشؤون حماية المستهلك والمنظمون حول العالم من ارتفاعٍ مقلق في عمليات الاحتيال هذا العام، ويذكر التقرير أن الأمريكيين خسروا حتى الآن ما يقارب 161 مليون دولار ضمن عمليات الاحتيال ذات الصلة بجائحة كورونا، كما خسر البريطانيون ما يعادل 21.8 مليون دولار، والأستراليين أكثر من 3.6 مليون دولار، وذلك وفقًا للبيانات الصادرة من الوكالات المعنية. وينقل التقرير تعقيب إيمي نوفزيجر، مديرة شبكة مراقبة الاحتيال لدى منظمة AARP–وهي إحدى أكبر مجموعات حملات المستهلكين في الولايات المتحدة الأمريكية-: «في الوقت الحالي، الناس أقلّ مناعة أمام عمليات الاحتيال من المعتاد. يفكر الناس بجانبهم العاطفي تحت الضغط، لا بوعيهم».

ارتفعت الإبلاغات عن جميع أنواع الاحتيال على مستوى العالم، وكانت بعض الارتفاعات مهوّلة. على سبيل المثال، ارتفعت في هونج كونج بنسبة 111% في النصف الأول من العام، وشهدت سنغافورة قفزة بنسبة 140% في عمليات الاحتيال رغم كونها إحدى أكثر المدن أمانًا في العالم، وهو ما تعتبره الشرطة سببًا رئيسًا في زيادة معدل الجريمة الإجماليّ هذا العام. ارتفع معدل الاحتيال عبر الحدود أيضًا.

الحيوانات الأليفة

ليست طرق الاحتيال في زمن جائحة كورونا جديدة، ولكن هذه الظروف الصعبة مكّنت المحتالين من استعمال أساليبهم الراسخة لاستهداف ضحاياهم بمستويات جديدة واستغلال الحال العالمي سياقًا لحيلهم –مثل مواقع الويب التي تبيع أقنعة الوجه ومعقمات اليدين وغير ذلك، وهي مواقع غير موجودة من الأساس- ولكن اقتناء الحيوانات الأليفة كان أحد أبرز الأشكال القاسية للاحتيال والتي أثارت اهتمامًا وقلقًا عالميين.

Embed from Getty Images

يذكر التقرير مثالًا عن شخصٍ وقع ضحية احتيال في مجال شراء الحيوانات الأليفة، ميركاي أندرسون وهي مسؤولة الحسابات لشركة تأمين في دنفر. حين بدأت حالة الحظر وتقييد الحركة بسبب جائحة كورونا، خطر لأندرسون –حالها حال الآلاف- بأن هذا هو الوقت الأنسب لاقتناء جروٍ جديد في حياتها. بدأت أندرسون بالبحث عن جروٍ محلي، وأثناء ذلك صادفها إعلانٌ عن جراء بولدوغ فرنسي تتبع لمربّية كلابٍ تقيم في جورجيا.

بدأت أندرسون بتبادل الرسائل الإلكترونية مع البائعة التي كانت ودودة للغاية وقد أرسلت لها صورًا وأرقامًا مرجعيّة لبناء الثقة. أعلمت البائعة أندرسون أن تكلفة الجرو 1500 دولار، ويمكن شحنه عبر خدمة نقل الكلاب. عملت البائعة على تهدئة أعصاب أندرسون بشأن عدم رؤيتها للجرو مقدمًا، مؤكدةً بالقول «أنا امرأة مسيحية، لن أخدع أحدًا بعمري» وتستذكر أندرسون أنها كانت تضع شعارًا يحوي آية من الإنجيل.

لحظة حوّلت أندرسون المال بدأ سلوك البائعة يختلف، فجأة بدا أن خدمة الشحن لم تعد تعمل وأرادت البائعة 2000 دولار إضافي «للتأمين». استمر التواصل بين الاثنتين لمدة ثلاثة أسابيع تقريبًا، حتى اليوم الذي كان من المفترض أن تسلم البائعة الجرو بنفسها. كانت هذه النهاية، لم تتلق أندرسون أيّ خبر من البائعة بعدها.

تستذكر أندرسون الحادثة بأسف: «فقدان المال مع عدم الحصول على الكلب، والطريقة التي استمرّت بالتلاعب بي فيها على طول الخط-كان الأمر نوعًا من الإيذاء النفسيّ. شعرتُ بالسوء حقًا لتعرّضي للخداع». يذكر التقرير أن أندرسون أبلغت عن عملية الاحتيال لكن الأمل باستعادة الأموال ما يزال بعيدًا، لكنها تقتني الآن جروًا جديدًا من نوع تيرير.

Embed from Getty Images

كيف تحمي نفسك؟

– فكّر بطريقة دفعٍ آمنة: هناك أشكال حماية مضمّنة إذا كنت تدفع عن طريق بطاقة الائتمان. إذا حوّلت المال، فيصعب استعادته للغاية في أغلب الحالات. ينوّه التقرير إلى الابتعاد عن أشكال الدفع غير الاعتيادية مثل التي تُرسل كهدايا أو بطاقات آي تيونز إذ تعتبر إشارات إنذارٍ بالخطر.

– تحقق من أوراق الاعتماد: ابحث عن الطرق التي يمكن عبرها التحقق من المعلومات التي يقدمها الشخص ومن كونه شخصًا حقيقيًّا أيضًا. على سبيل المثال، يجب على مربِّي الحيوانات الأليفة في العديد من البلدان الحصول على ترخيص، وبالتالي يمكنك التحقق منهم عبر الجمعيات الرسمية.

تخفيف الضرائب واستغلال الدعم الحكومي

ينتقل التقرير إلى مجالٍ آخر برزت بهٍ طرق المحتالين باستغلال الأزمة، فمع اقتراب المملكة المتحدة من بدء تنفيذ الإجراءات الصارمة والإغلاق التام في أواخر شهر مارس (آذار) الماضي، ترافق ذلك مع ازدياد السياسات الهادفة لتخفيف وطأة العبء الاقتصادي للجائحة يشمل ذلك ذلك دعم الأجور للعمال والإعفاءات من مدفوعات الضرائب وغيرها.

Embed from Getty Images

رأى محمد خان -طالب السياسة البالغ من العمر 20 عامًا- فرصةً في هذا الوضع ليبدأ بعمليته الاحتيالية الموجهة. بدأ خان بإرساله رسائل نصية بسيطة تعد باسترداد الضرائب ويرفقها برابطٍ لموقع ويب مطابق تقريبًا للموقع الحقيقي. طلب خان بالرسائل البيانات الشخصية، بما في ذلك اسم الأم قبل الزواج. نجح خان بالحصول على 191 مجموعة من البيانات الشخصية عبر إرساله لـ1200 رسالة نصية على مدار يومين، بمعدل نجاح يقارب 16% من المجموع كله. وبشكل إجمالي، تمكن خان من الاستيلاء على 10.019.17 جنيه من 49 حسابًا. عرفت وحدة الجرائم المالية المتخصصة في لندن بأنشطته، وتلقى خان حكمًا بالسجن لمدة 30 أسبوعًا في شهر يوليو (تموز).

بصورة عامةٍ أثبتت السياسات الحكومية الموضوعة لتخفيف التداعيات الاقتصادية لأزمة فيروس كورونا كونها هدفًا رئيسيًا مفضلًا للمجرمين، وتتنوع الأساليب من عرض تسريع دفع الحوافز في الولايات المتحدة مقابل رسومٍ معينة أو محاولة الحصول على تفاصيل شخصية للوصول عبرها لصناديق التقاعد في أستراليا أو غير ذلك من طرقٍ متجددة. وينقل التقرير تعليق خبير علم الجرائم في المعهد الأسترالي لعلم الجريمة راسل سميث: «تتدفق الكثير من الأموال من الحكومات، عبر الحزم ومدفوعات الدعم التابعة لأنظمة الرعاية الاجتماعية، والتي تعتبر هدفًا جذابًا جدًا للمجرمين بطبيعة الحال. تتزايد تقديرات خسائر الدولار طول الوقت».

Embed from Getty Images

كيف تحمي نفسك؟

احذر من الروابط: إذا كان لديك أدنى شك بالمصدر، لا تفتح الروابط المرسلة إليك في البريد الإلكتروني أو الرسائل النصية وكن دائمًا حذرًا من المرفقات. من الأفضل دائمًا تسجيل الدخول إلى مواقع الويب مباشرة بدلًا من الاعتماد على الروابط المرسلة عبر البريد الإلكتروني.

كن يقظًا لعمليات الاحتيال: ضع في اعتبارك دائمًا احتمال أن تكون أيّ جهة اتصال جديدة تابعة لشخصٍ محتال أو مخادع، وكذلك الحال مع أيّ شخص تشتري منه لأول مرة. ينصح التقرير بالتسجيل في أيّ من خدمات رصد العمليات الاحتيالية للبريد الإلكتروني «scamwatch» والتي تطلعك أولًا بأول على التكتيكات والطرق المستخدمة حديثًا في هذا المجال.

الاحتيال بالترهيب والتلاعب

حتى حين لا يكون فيروس كورونا ذا صلة بعمليات الاحتيال بصورة مباشرة، إلا أن البيئة المحمومة التي خلقتها الجائحة تجعل الجميع أكثر عرضةً للخطر والقابلية للوقوع في مسائل قد لا يكون لها نفس الأثر في الأيام العادية. يذكر التقرير في هذا الصدد كريستيان جشنيتسر الذي انتقل مؤخرًا من يوتا إلى سويسرا حيث تلقى مكالمةً تزعم اكتشاف ارتباطه بتهم غسيل الأموال.

استجوب جشنيتسر رجالٌ عرّفوا عن أنفسهم بأنهم مسؤولين في الحكومة الأمريكية بمسائل تخصّ تحركاته وأوضاعه المالية، واقترح أحدهم إمكانية نقل مدخراته إلى حساب مصرفي في سنغافورة «لصونهم» وتأمينهم أثناء عملية التحقيق. وأكد له الرجال أولئكم بأن امتلاك الأموال في هذا الحساب سيساعده في تجنب الرسوم الإضافية على التحويل.

يوضح التقرير كيف عرّض المحتالون جشنيتسر لأيامٍ من الضغط النفسي الشديد عبر المكالمات الممتدة لساعاتٍ طويلة يتخللها تحذيرات بإشعار رئيسه بتورطه بهذه التهم، ما جعل جشنيتسر يقع تحت وطأة الأمر ويرسل الأموال إلى سنغافورة. ولحظة أرسل الأموال توقف عن تلقي أي شيء. أخبر جشنيتسر زوجته شارلوت بالأمر، ومن ثم الشرطة. وبالمجمل، خسر الزوجان مبلغ 263.000 دولار في هذه العملية الاحتيالية.

Embed from Getty Images

وينقل التقرير عن شارلوت اعتبارها أن «كوفيد وتعقيدات الانتقال جعلتنا أكثر هشاشةً بكل تأكيد، كان هذا العام مُرهقًا للغاية». وعبّر الزوجان عن غضبهما من استجابة البنوك المعنية، وخاصة بنكهم الرئيسي الذي سمح بمثل هذه التحويلات الكبيرة غير الاعتيادية دون تشغيل أي أنظمة مخصصة للتنبيه باحتيالٍ محتمل أو أيّ من الإجراءات الاحترازية اللازمة لمثل هذي الحالات.

تضيف شارلوت في هذا الصدد: «لو كان المصرف الذي أتعامل معه قد توخّى العناية الواجبة لعلموا بتعرضنا للخداع إذ لم نرسل في حياتنا أموالًا إلى سنغافورة ولم نقم بأي معاملات دولية سابقة. أريد من بنكي التعامل معي على محمل الجد». لكن المتحدث باسم بنكها رفض التعليق على القضية، مستشهدًا بقواعد السرية المصرفية السويسرية، وقال متحدث باسم شرطة سنغافورة إن بإمكانهم التدخل لتجميد الحسابات المشتبه في تورطها في عمليات احتيال في حال تمّ التبليغ عنها بسرعة كافية.

ويضرب التقرير مثالًا آخر على نفس نوع عمليات الاحتيال والتي جرت في الجانب الآخر من العالم، حيث كلفت إحدى عمليات الاحتيال أربعة متخصصين في القطاع المالي في هونج كونج أكثر من 14.9 مليون دولار هونج كونجي (ما يقارب 1.9 مليون دولار) في الأشهر الثلاثة الماضية وحدها، وفقًا لما ينقله التقرير عن متحدث باسم الشرطة. في إحدى الحالات التي راجعتها بلومبرج، اتصل محتالٌ بالضحية ليخبره أن تفاصيله الشخصية استُخدمت لتسجيل هاتفٍ صيني أرسل منه رسائل مناهضة للحكومة، وذلك بهدف ترهيب الضحية. وبعدها تُحول المكالمة إلى محتالين آخرين، يدّعون بأنهم ضباط شرطة صينيين.

يقدم المحتالون أوامر اعتقال مزيفة، ويطالبون الضحية بتسلم معلومات شخصية للمساعدة في التحقيق. ومن ثم يطلب من الضحية إدخال أرقام الهوية والوثائق الشخصية والمعلومات المصرفية عبر الإنترنت في موقع ويب مزيف، والذي يبدو أنه تابع لمكتب المدعي العام الصيني. وبمجرد إدخال الضحية لبياناته، يحوّل المحتالون الأموال من حسابه المصرفيّ إلى حيث يريدون. وتوضح الشرطة إن المجرمين يستخدمون تقنيات متطورة لإظهار أنهم يتصلون بأرقامٍ حقيقية تابعة لوكالات إنفاذ القانون ما يصعب كشف خداعهم من الضحية.

Embed from Getty Images

كيف تحمي نفسك؟

اسعى للمشورة: يحاول المحتالون دائمًا عزل ضحاياهم والضغط عليهم، لذلك تمهل بالاستجابة لمثل هذه الأمور. ابحث عبر الإنترنت عن القصة. تحدث إلى شخصٍ تثق به قبل أن تتخلى عن أموالك أو تعطي أيًّا من بياناتك الشخصية، مهما كانت التهديدات الموجهة لك حاول ألا تتصرف بانعزال.

مجتمع

منذ 7 شهور
حتى الجريمة اختلفت.. هذه هي الجرائم الأكثر انتشارًا في عصر كورونا

لا تصدّق المعرّفات الظاهرة على هاتفك: يمكن للمحتالين تزوير معلومات هوية المتصل أو الرسائل النصية بسهولة، لذا فإن الاسم والرقم والمعلومات التي تظهر على شاشة هاتفك ليست حقيقية بالضرورة. إذا طلب شخصٌ ما تفاصيل شخصية منك أو حاول التطرّق لأمر المال ينبغي عليك إنهاء المكالمة على الأغلب، حتى ولو قال إنه من طرف الحكومة. أعد الاتصال برقمٍ تعرف أنه حقيقي، ولا تستخدم أبدًا تفاصيل الاتصال التي قدمها لك الطرف المشبوه.

لا أحد معصوم

يركّز التقرير على رسالتين يرغب الخبراء في إيصالهما بشدة، أولًا: علينا التحدث بشأن عمليات الاحتيال وطرق الخداع أكثر، لا تظنّ أبدًا أنه أمر بعيد عنك. ثانيًا: من المغري أن نستهجن عدم اكتشاف الأشخاص الواقعين ضحايا للاحتيال للعلامات التحذيرية، أو أن نظن أننا كنّا لنتصرف بطرقٍ مختلفة في مكانهم، ولكن في الواقع ينوّه الخبراء إلى أن المحتالين متخصصون في استهداف نقاط الضغط النفسي.

يختتم التقرير بنصيحة الخبيرة في جرائم الإنترنت والاحتيال في جامعة كوينزلاند للتكنولوجيا في أستراليا كاساندرا كروس: «يمكن للجميع أن يصبحوا عرضةً للاحتيال. لدى كل فرد جوانب ضعفٍ أو نقاط تأثير التي إن استُهدِفت بالطريقة الصحيحة وفي الوقت المناسب فإنها قد تؤدي للوقوع ضحية للاحتيال».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد