تساءل الكاتبان جمال خاشقجي وروبرت ليسي في مقال لهما بصحيفة «الجارديان» عن جدوى مطالبة البعض تيريزا ماي – رئيسة الوزراء البريطانية – بالضغط على ولي العهد السعودي محمد بن سلمان – الذي سيزور لندن اليوم الأربعاء – كي يوقف الحرب المدمرة في اليمن، موضحين أنه لا يصغي إلى من حوله، فهل سيصغي إلى تيريزا؟

وقال الكاتبان: «إن هذه المطالبات ربما كانت لتصبح منطقية، لو أنها كانت في زمن كان لبريطانيا شأن عظيم، أما الآن فقد فقدت البلاد نفوذها الدولي، وكل ما يعنيها هو الصفقات التجارية مع المملكة».

حدث أول لقاء بين زعيمي البلدين تاريخيًا في القاهرة في عام 1945، حين التقى ونستون تشرشل – المنتشي بانتصاره في الحرب العالمية الثانية – بالملك عبد العزيز بن سعود – موحد المملكة – الذي هو جد حاكم البلاد الفعلي حاليًا محمد بن سلمان.

أشاد تشرشل بامتناع ابن سعود عن التدخين وتناول الخمر – يشير الكاتبان – واصفًا إياه بـ«المتدين الملتزم». لكنه قال إنه يقدس التدخين وكذا شرب الكحوليات في كل الأوقات. ويتمنى الكاتبان أن تتحلى ماي بنفس الصراحة وتوضح أن بريطانيا تقدس حرية التعبير وسلطة القانون واحترام المعارضين، وأن قادة البلاد، سواء في الملكيات، أو الجمهوريات، هم مجرد «خدم للشعب».

بيد أن الأمير الشاب يبدو أنه لا يهتم لهذه الأمور – يستدرك الكاتبان – فقد شن حملة اعتقالات واسعة طالت المفكرين ورجال الدين والصحافيين، دون إخضاعهم للمحاكمة. ولهذا قررت لندن أن يلتقي ابن سلمان بالملكة إليزابيث في قصر وندسور تجنبًا للمظاهرات الحاشدة المرتقبة للمدافعين عن حقوق الإنسان.

قبل قيام دولة إسرائيل، وحين كانت المملكة تتلقى مساعدات من بريطانيا العظمى قبل اكتشاف النفط، طلب تشرشل من ابن سعود – الكاره للصهيونية – المساعدة على تغيير الرأي العام العربي؛ كي يتقبل وجودًا صهيونيًا في إسرائيل. وقد عبر ابن سعود للأمريكيين لاحقًا عن استيائه من هذا «التسلط البريطاني».

وهنا يتساءل الكاتبان: «هل تجرؤ تيريزا ماي على اتباع نهج تشرشل مع ابن سلمان وهي تلهث خلف المملكة؛ كي تقنعها بجعل الاكتتاب المزمع لشركة أرامكو العملاقة يتم عبر يورصة لندن؟» وتأتي الإجابة بأن هذا مستبعد. لم تعد بريطانيا ذات نفوذ مثلما كانت، وعلى الأرجح سيتجلى أن تيريزا ليست تشرشل، فكيف نتوقع أن يتصرف ابن سلمان؟ يتساءل الكاتبان مجددًا.

على خلاف أجداده – ينوه الكاتبان – لم يضيع ابن سلمان الوقت، وتصدى مباشرة لقضايا المرأة، ووقف في وجه الشرطة الدينية والأفكار المتشددة. كما سمح بافتتاح دور السينما وبإقامة الحفلات الغنائية الترفيهية. وفي أقوى تحركاته، ألقى القبض على عشرات الشخصيات النافذة – معظمهم أمراء ورجال أعمال – على خلفية اتهامات بالفساد، فيما عُرف بقضية «الريتز كارلتون».

ونتيجة لذلك، فإن ولي العهد الشاب يحظى بشعبية كبيرة لدى الشباب والنساء من جميع الأعمار، لكن جده عبد العزيز كان دائم اللقاء مع مستشاريه وزواره الأجانب وزعماء القبائل والأفراد العاديين من الجمهور، ويستمع إلى أفكارهم ومظالمهم.

عندما احتل مدينة مكة المكرمة عام 1925 – يواصل الكاتبان كلامهما – أنشأ الملك عبد العزيز مجلس شورى محليًا قائلًا: «إن أهل مكة أدرى بشعابها»، حيث يمكن للسكان المحليين تنظيم أمور، مثل: نقل الحجاج، وإدارة المدينة، وأنشأ مجلسًا استشاريًا مماثلًا في الرياض.

اليوم توجد هيئة وطنية كهذه هي مجلس الشورى السعودي، وكان قد أنشأه الملك فهد في التسعينات، ويضم 150 عضوًا، بعضهم من النساء، وكلهم يرشحهم الملك. وسعى الملك الراحل عبد الله إلى تعيين بعض أعضائه بالانتخاب، ولكن توقف هذا الحديث فجأة مع ظهور ابن سلمان، الذي يتبع نهجًا حادًا في سياساته الداخلية، والخارجية مع دول، مثل: قطر، ولبنان، وحرب، اليمن، ولا يصغي إلى أية نصائح.

إن بريطانيا تتحمل جزءًا من المسؤولية عن حرب اليمن الكارثية – يشدد الكاتبان – من خلال توريد الأسلحة الفتاكة الحالية إلى التحالف المدعوم من السعودية الذي يقاتل المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران. وبعيدًا عن اليمن، توقفت المملكة عن دعمها السابق للتطرف الإسلامي، لذلك ربما يمكن لتيريزا أن تجد أرضية صلبة لبريطانيا لمحاولة صنع السلام الإقليمي قليلًا.

وبالنسبة لبرنامج الإصلاح المحلي، يرى الكاتبان أن ولي العهد يستحق الثناء. ولكن في الوقت نفسه، لم يشجع الأمير الشاب أي نقاش شعبي في السعودية حول طبيعة تغييراته العديدة. ويبدو أن البلاد ستنتقل من التطرف الديني القديم إلى تطرف جديد عنوانه «يجب أن تقبل إصلاحاتي»، دون أية مشاورة.

لذلك – يختتم الكاتبان بالقول – هل يفتقر برنامج الإصلاح إلى أهم عنصر، وهو الديمقراطية؟ يقترح ولي العهد فرض ضرائب على المواطنين في السعودية كجزء من استراتيجيته الاقتصادية في مواجهة أسعار النفط المنهارة، وهي خطوة يراها الكاتبان شجاعة وضرورية جدًا. لكنه يبدو عازفًا عن أية مناقشة شعبية لذلك. «لا ضريبة دون تمثيل شعبي»، هو درس غير مرن من التاريخ تعلمته بريطانيا عبر الطريق الصعب، وستقدم تيريزا خدمة جليلة لضيفها، إذا ما ذكرته بذلك بشكل مهذب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!