منذ بداية ثورة العملات المشفرة، مع إطلاق عملة بيتكوين في 2009، وُصِفت هذه العملات بأنها تصنع نوعًا جديدًا من المال. وصل عدد العملات الرقمية المشفرة اليوم إلى أكثر من ألفيّ عملة، وتحظى باهتمام الملايين حول العالم وثقتهم؛ فما سبب اهتمامهم وثقتهم المستمرين بالرغم من التحذيرات من كون ثورة العملات المشفرة خادعة؟ هذا ما أوضحه الاقتصادي الأمريكي البارز الحاصل على جائزة نوبل الاقتصاد عام 2013، روبرت شيلر، في تقريره لصحيفة «الجارديان» البريطانية.

يقول الكاتب إن محاولات إعادة اختراع المال لها تاريخ طويل، فكما تقول عالمة الاجتماع فيفيانا زيليزر في كتابها «المعنى الاجتماعي للمال»: إنه على الرغم من الفكرة المنطقية بأن «الدولار هو الدولار هو الدولار» (وتعني أن قيمة ورقة نقدية بواحد دولار هي قيمة شيك بواحد دولار نفسها)، إلا أن البشر مستمرون في إنشاء أنواع مختلفة من المال. هذه الأنواع الجديدة تجذب اهتمامًا كبيرًا، على الأقل لبعض الوقت.

رمز للأفكار

باعتباره وسيلة لتبادل القيمة في جميع أنحاء العالم، فإن المال في أشكاله المختلفة هو لغز، فالبشر يميلون إلى قياس قيمة بعضهم البعض من خلال المال، كما يمثّل قيمة الأشياء بشكل لا مثيل له. ومع ذلك، فالمال ما هو إلى ورق يتم تناقله من خلال الإنفاق، لذلك تعتمد قيمته على الثقة في هذا الورق.

تقول الكاتبة إن إنشاء نوع جديد من المال قد يُنظر إليه على أنه إيمان من المجتمع بفكرة ما، ومحاولة لإنجازها. في كتابه الذي يحمل عنوان «مأساة اليورو: دراما من تسعة فصول»، يقول الاقتصاديّ أشوكا مودي: إن التبرير الشعبي الحقيقي لإنشاء عملة أوروبية موحدة في عام 1992 كان بمثابة «تفكير جماعي»، وإيمان متجذر في النفوس بأن «مجرد وجود عملة موحدة… من شأنه أن يخلق قوة دافعة للدول لتتعاون في إطار سياسي أقرب».

يبدو أن الأفكار الجديدة للمال تصاحب الثورات، ويصحبها سرد مقنع سهل الفهم. في عام 1827، افتتح يوشيا وارنر متجر «سينسيناتي تايم ستور»، الذي كان يبيع السلع مقابل وحدات من ساعات العمل، اعتمادًا على أوراق تسمى أوراق العمل، والتي كانت تشبه الأوراق النقدية. كانت هذه الأموال الجديدة تُعد تأكيدًا لأهمية العاملين، حتى تم إغلاق المتجر عام 1830.

بعد ذلك بعامين، حاول روبرت أوين، الذي يوصف أحيانًا بأنه «أبو الاشتراكية»، إنشاء بورصة وطنية عادلة للعمل في لندن، والتي تعتمد أوراق العمل، أو كما تُسمّى «نقود الوقت»، عملةً لها. في هذه الحالة أيضًا، تم استُخدِم الوقت -بدلًا من الذهب أو الفضة- معيارًا للقيمة ليُبرز مفهوم أولوية العمل. لكن، مثلها مثل تجربة متجر سينسيناتي، فقد فشلت تجربة أوين.

ورقة نقدية يوغوسلافية يظهر عليها أحد العمال في صناعة المعادن

بالمِثل، اقترح كارل ماركس وفريدريك إنجلز أن إلغاء الملكية الخاصة سيصاحبه «إلغاء شيوعي للبيع والشراء». على الرغم من ذلك، كان إلغاء النقود تمامًا أمرًا مستحيلًا، ولم تقم به أي دولة شيوعية. بدلًا من ذلك، أظهر المعرض الأخير للمتحف البريطاني الذي حمل اسم «عملة الشيوعية» أن الدول الشيوعية أصدرت نقودًا ورقية تحمل صورًا رمزية للطبقة العاملة.

«موضة» العلم

أثناء فترة الكساد الكبير في ثلاثينات القرن الماضي، اقترحت حركة راديكالية، كانت تُسمى «تكوقراطية» وارتبطت بجامعة كولومبيا، أن يتم الاستغناء عن الدولار المرتبط بالذهب، واستخدام وحدة كمية الطاقة «إرج» بدلًا منه. في كتابها بعنوان «ألف باء التكنوقراطية» والذي نشرته تحت الاسم المستعار فرانك أركرايت، أوضحت الحركة فكرتها بأن يُبنى الاقتصاد على أساس الطاقة، ورأت أن هذا من شأنه أن يحل مشكلة البطالة. على الرغم من ذلك، سرعان ما ثبت خطأ بدعتها، بعد أن قام كبار العلماء بكشف سطحية الفكرة.

لكن الجهود لطرح فكرة غير مدروسة جيدًا مع محاولة إضفاء غطاء علمي عليها لم تتوقف عند هذا الحد، ففي عام 1932، وبالتزامن مع حركة «تكوقراطية»، اقترح الاقتصادي جون بيز نورتون أمام جمعية الاقتصاد القياسي أن يتم إنشاء دولار مدعوم بالكهرباء، بدلًا من الذهب. على الرغم من أن فكرة نورتون لاقت اهتمامًا كبيرًا، إلا أنه لم يكن لديه سبب وجيه لاختيار الكهرباء تحديدًا لدعم الدولار. في وقت كانت فيه الكهرباء قد وصلت حديثًا إلى أغلب البيوت في الدول المتقدمة، ودخلت الأجهزة الكهربائية مثل الراديو والثلاجات المنازل، استحضرت الكهرباء صورة للعلوم المتقدمة. على الرغم من ذلك، وكما حدث من قبل، فإن محاولة استمالة العلم جاءت بنتائج عكسية. في عام 1933، لم ير الكاتب هاري فيليبس في الدولار الكهربائي سوى مادة للكوميديا، فكتب أنه سيكون من المسليّ إرسال 300 فولت للحكومة سدادًا لضريبة الدخل.

غموض العملات المشفرة

الآن نحن أمام فكرة جديدة، وهي بيتكوين وغيرها من العملات المشفرة، والتي أنشأت ما يسمّى بالعرض الأوّلي للعملة المشفرة «ICO». يزعم مصدرو العملات الرقمية أن العروض الأوّلية للعملات معفاة من الإجراءات والضوابط التنظيمية المتعلقة بالأوراق المالية؛ لأنها لا تنطوي على الأموال التقليدية، ولا تمنح ملكية للأرباح.

يشير الكاتب إلى أن كلًّا من هذه الابتكارات النقدية اقترنت بقصة تكنولوجية فريدة من نوعها. في الوقت ذاته، ترتبط هذه الابتكارات بثورة من نوع ما في المجتمع، فالعملات المشفرة تؤكد الإيمان بمجتمع جديد من الرياديين العالميين اللامركزيين الذين يفرضون أنفسهم على الحكومات الوطنية، والتي يُنظر إليها باعتبارها دافعًا لتاريخ طويل من عدم المساواة والحروب.

كما كان الحال في الماضي، فإن افتتان الناس بالعملات المشفرة يرتبط بنوع من الغموض -مثل غموض قيمة المال نفسه- حول اتصال النقود الجديدة بالعلم المتقدم. وأشار الكاتب إلى أنه لا يمكن لأحد خارج أقسام علوم الكمبيوتر أن يشرح كيف تعمل العملات المشفرة، وهذا الغموض يخلق شعورًا بالتفرد يزيد داعميها حماسًا وافتتانًا. لكن الكاتب يؤكد أن هذه العملات حالها كحال الابتكارات النقدية السابقة، قد لا تكون مقنعة بما يكفي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد