بدأ دييتريش ريتز، الباحث في العلوم السياسية والمتخصص في منطقة جنوب آسيا، مقاله المنشور في موقع «المنتدى الاقتصادي العالمي» بالإشارة على دور العولمة التي تتحدى اليقينيات المحليّة، ويذكر أنه عادة ما يعيد الناس استكشاف هوياتهم الشعورية والثقافية والدينية، ويحاولون إسقاطها على الدولة القومية، إلا أنهم يتناسون أن الدولة القومية محكومة بإدارة سياسية وضوابط قانونية. وعلى الرغم من أنّ الحدود السياسية لا تحدها محددات ثقافية ودينية حصرية، وأنّ المجتمعات العابرة للحدود منتشرة في مجتمعاتها المحليّة، إلا أن الدولة القومية تظل مهمة للنمو الشامل، وضمان حماية المواطنين.

ويضيف الكاتب أنّه بالإضافة إلى تحديات الدولة القومية هذه، إلا أنّ المجتمعات العابرة للحدود والتعددية المجتمعية تؤثر على الاقتصاد والمنظومة الاجتماعية والسياسية بشكل متزايد، وتعتبر الهند وجنوب آسيا نماذج حيّة لهذه المجتمعات؛ ما يُعتبر ميزةً لها في المنظومة العالمية الجديدة.

ويطرح الكاتب أسئلة مثل فوائد التعددية الدينية والثقافية في عالم اليوم، وما هو دور الهند وجنوب آسيا في هذا الشأن؟

دروس من التعددية المجتمعية

يتحدث الكاتب عن خصائص الهنود وسكان دول جنوب آسيا الذين يتحدثون أكثر من لغة واحدة بشكل يومي وروتيني، وتوفر لهم مجتمعاتهم المتنوعة من المغتربين والمهاجرين الذين يعملون في الشتات منفذًا عالميًا، وكذلك مصادر عالمية للدخل المحلي.

حيث تعتبر الهند وبقية دول جنوب آسيا من أكثر المستفيدين من الحوالات الشهرية من العاملين في الشتات، وبسبب التعدد الديني والعرقي والاجتماعي، يشير الكاتب إلى أنّ أكثر من 30 مليون هندي يقوم بتحويل الأموال من دول مختلفة: السعودية، والإمارات، وماليزيا، وسنغافورة، والولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وبريطانيا، وأستراليا.

ويركز الكاتب على بعض المجتمعات التي أسست نفسها كشبكاتٍ مجتمعيةٍ عالمية بناءً على اللغات الإقليمية، والأقلية الدينية، ويعتبر التايميلون في ماليزيا، والسيخ في كندا، مثالًا على هذه المجتمعات. هذا التواصل يخلق فرصًا جديدة في القطاع التعليمي والعملي، كما يُسهل إجراءات التأشيرة من بلد لآخر. شكّلت هذه المجتمعات نظامها الخاص، ومنهم من أصبح لاعبًا دوليًا، كـ«منتدى التاميلين العالمي»، و«منظمة السيخ العالمية».

تجمع آلاف من مجتمع السيخ في ولاية نيويورك تحت تنظيم منظمة السيخ العالمية – مصدر الصورة 

قد تكون الهند على خلاف مع الصين بسبب مشاكل الحدود التاريخية، ولكنهم يتشاركون داخليًا لغات مشتركة وأقليات الديانة البوذية. وعليه فقد تكون المشكلات المُعيقة – كما يُنظر إليها الآن – كمشكلة مجتمع التبت المنفي، وقبائل الروهينجا، أساسًا لبناء ثقافةٍ مشتركة، إذا تم التعامل معها بشكل مختلف.

كما أنّ هذا ينطبق أيضًا على 600 مليون مسلم في جنوب آسيا؛ ففي حين تتعامل المؤسسات الإسلامية معهم على أنهم يعيشون على هوامش العالم الإسلامي، إلا أن عددهم يزيد عن ضعفيّ عدد المسلمين متحدثي اللغة العربية. بالإضافة إلى أنهم يساهمون بشكل كبير في التعدد الثقافي والعرقي واللساني للعالم الإسلامي؛ مما يعود بالنفع على الهند بتوفيرهم منفذًا اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا لمختلف الجهات الدولية فاعلة، بما في ذلك إيران، وفلسطين، والسعودية، ومصر ودول وسط آسيا.

التعددية مفتاح التنمية

يذكر الكاتب في مقاله أنه يوجد 2.2 مليون عامل هندي في الإمارات، و1.5 مليون في السعودية، كما أنّ مجتمع الشتات لولاية كيرالا في جنوب الهند أصبح عاملًا رئيسًا في التطور الاجتماعي لمنطقة الخليج، حيث توفر كيرلا 40% من العُمال الهنود في الإمارات. يدير مسلمو كيرلا مراكزهم الخاصة لتعليم الديانة الإسلامية هناك، ويقدمون دروسهم باللغة المالايالامية، وأحد هذه المؤسسات هو المركز الهندي الإسلامي الذي أسس عام 1995.

عُمال من دول جنوب آسيا يعملون في حقل حماية الشواطئ – مصدر الصورة 

وقد مكّن ودعم هذا التحول في السياسة والاقتصاد العالمي من تنمية المناطق والمجتمعات التي تخلفت عن ركب التنمية والتقدم، وذلك من خلال تطويع «رأس المال العاطفي» مع الاعتماد على التعددية المحلية. هكذا يتمنى المسلمون والبوذيون تجاوز تحديات التنمية في جنوب آسيا على العموم؛ وبنفس الشكل يحشد حزب بهارتيا جناتا أتباعه في جميع أنحاء الهند؛ حيث تستخدم مفاهيم الهوية الثقافية والولاء كمصدر للتنمية، ويسلع الإيمان والهوية لتسويق وتوفر الخدمات بهدف البيع والشراء.

يختم الكاتب مقاله بمفارقة بين قوة التعددية كأداة لتعزيز الوعي وأهمية هذه النماذج، أو زيادة من التوترات بسبب الاختلاف، وبناءً على هذا يركز الكاتب على مفهوم «الشمولية» الذي يعتبر أحد أهم العوامل لهذا التحول، ليس فقط دينيًا وثقافيًا وطائفيًا، وإنما أيضًا فيما يتعلق بالقضايا المجتمعية. فالمجتمعات المحلية متنوعة للغاية في حد ذاتها، لذلك فإن وجود عامل الشمولية داخل المجتمع الواحد وبين المجتمعات المختلفة مهم على حد سواء. وبهذا تصبح الشمولية أداة للتنمية، وتتحول التعددية إلى عامل لتحقيق أهداف التنمية الاجتماعية والاقتصادية أكبر في الهند وجنوب آسيا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!