كتب محمد محمود، وهو مدير برنامج المناخ والماء، وزميل أول في معهد الشرق الأوسط، أنه في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول)، وصل إعصار شاهين إلى الأراضي العُمانية، بالقرب من مسقط، بعد أن وصل إلى خليج عُمان، قادمًا من بحر العرب. ووفقًا لإدارة الأرصاد الجوية الهندية التي تراقب وتتتبَّع تشكُّل الأعاصير في شمال المحيط الهندي، صُنِّف إعصار شاهين على أنه عاصفة إعصارية شديدة عندما وصل إلى اليابسة مع رياح مستمرة بلغت سرعتها 70 ميلًا في الساعة.

وتابع محمد واصفًا الأثار المدمرة لإعصار شاهين في مقاله الذي نشره معهد الشرق الأوسط قائلًا: أدَّى وصول إعصار شاهين إلى الأراضي العُمانية إلى هطول أمطار غزيرة وحدوث فيضانات في عديد من الوديان، التي تُعد جزءًا طبيعيًّا من تضاريس البلاد. وتسببت الرياح العاتية للإعصار في حدوث عواصف هائلة على طول الساحل؛ ما تسبب في وقوع أضرار جسيمة في البنية التحتية والمنازل، وأُجبِر كثيرون على مغادرة منازلهم. وبلغ عدد ضحايا هذا الإعصار في عُمان وحدها 14 شخصًا على الأقل ومن المرجح أن يزداد هذا العدد في الأيام المقبلة. وشعرت الدول المحيطة ببعض آثار هذا الإعصار الخطير للغاية، على هيئة زيادة في هطول الأمطار ورياح شديدة، كما في الإمارات العربية المتحدة وإيران، مع تعرُّض إيران لأضرار في المباني وإصابات ووفيات.

أعاصير اعتيادية وأخرى مدمرة

يلفت الكاتب إلى أنه ليس غريبًا أن تتشكل الأعاصير المدارية في شمال المحيط الهندي جنوب شرق بحر العرب؛ إذ إن الجمع بين درجات حرارة سطح البحر الدافئة بالقرب من خط الاستواء (حيث تمتص الأرض معظم الإشعاع الشمسي) والرطوبة النسبية العالية (الرطوبة الجوية) يخلق ظروفًا مناسبة لتوليد الأعاصير المدارية غرب الهند (مع توفير خليج البنغال ظروفًا مماثلة مواتية للأعاصير شرق الهند).

Embed from Getty Images

وما يقرب من نصف الأعاصير المدارية التي تتولد في بحر العرب لا تصل إلى اليابسة، ومعظم التي تصل إلى الجزيرة العربية تكون قد ضعُفت كثيرًا، وانخفضت شدتها إلى درجة الانحسار. وتنتقل بعض الأعاصير إلى الغرب باتجاه القرن الأفريقي، ولكنها تميل إلى أن تفقد شدتها في هذا المسار أيضًا بسبب المياه الأكثر برودة نسبيًّا في غرب بحر العرب.

وكانت عُمان واليمن تاريخيًّا الأكثر تضررًا في شبه الجزيرة العربية من نشاط الأعاصير نظرًا لطول الخط الساحلي المشترك بينهما على بحر العرب. وفي حين أن عددًا قليلًا جدًّا من الأعاصير وصل إلى اليابسة في هذين البلدين، وكان بالشدة التي امتلكها عند تكوِّنه في بحر العرب، إلا أن هذه العواصف لا تزال تجلب معها ثلاث مصائب متلازمة: الفيضانات والموت والدمار.

علوم

منذ أسبوع
سنصبح أصغر حجمًا وأغمق لونًا.. كيف يغير التغير المناخي الآن شكل البشر والحيوان؟

وعندما تحافظ الأعاصير المدارية العنيفة على شدتها الأصلية عند الوصول إلى اليابسة، تحدث نتائج كارثية حقًّا. وضرب إعصار جونو الطرف الجنوبي الشرقي من عُمان في يونيو (حزيران) 2007 وكان عاصفة إعصارية شديدة للغاية وصُنِّفت على أنها عاصفة إعصارية فائقة (أعلى تصنيف ممكن للإعصار المداري) في بحر العرب. ولا يزال هذا هو الإعصار المداري الأقوى والأكثر تدميرًا على الإطلاق في شبه الجزيرة العربية.

ومع سرعة رياح تزيد على 100 ميل في الساعة، وأمطار غزيرة، وفيضانات داخلية، وأمواج ساحلية قوية، تسبب إعصار جونو في أضرار ودمار بالغَيْن في المباني والبنية التحتية، إضافة إلى انقطاع التيار الكهربائي على مناطق كبيرة من البلاد. وبلغت الحصيلة النهائية للدمار الناجم عن هذا الإعصار في عُمان 4 مليارات و50 وفاة. ولا تزال هذه أكبر كارثة طبيعية في تاريخ عُمان.

ما المختلف في إعصار شاهين؟

يشير الكاتب إلى أنه موازنةً بالأعاصير المدارية الكبيرة السابقة التي نشأت في شمال المحيط الهندي، نجد أن سلوك إعصار شاهين غير مسبوق إلى حد ما في العصر الحديث، ويمكن أن يمثل تحولًا محتملًا في كيفية تأثير تغير المناخ على تشكيل الظواهر الجوية القاسية التي يمكن أن تصيب الشرق الأوسط. وهناك جانبان مقلقان في إعصار شاهين؛ إذا أصبحا سمة سائدة في الأعاصير المستقبلية التي قد تتأثر بها الجزيرة العربية، وهما:

1- مواصلة الإعصار مساره نحو اليابسة

تشكَّل إعصار شاهين في بحر العرب من بقايا إعصار سابق وهو جولاب. ونشأ إعصار جولاب في خليج البنغال قبل أن يتحرك غربًا عبر الهند، حيث تراجعت شدته إلى درجة الانحسار. وبدلًا من التبدد الكامل بعد فقده كثيرًا من شدَّته، استعادت بقايا إعصار جولاب نشاطها في بحر العرب وانتقلت غربًا إلى خليج عُمان.

Embed from Getty Images

ومع بداية دخوله خليج عُمان، أصبح إعصار شاهين عاصفة إعصارية شديدة للغاية، وجعلت منه إعصارًا أقوى مع سرعة رياح أكبر من سرعة رياح الإعصار الأصلي الذي نشأ عنه (إعصار جولاب). وأُثبت مسار إعصار جولاب/شاهين الاستثنائي من خليج البنغال عابرًا الهند إلى بحر العرب ثم إلى عُمان مرتين فقط في التاريخ الحديث: في عام 1921 و1959. ولم يصل في أي من هاتين الحالتين الإعصار إلى اليابسة بوصفه عاصفة إعصارية شديدة كما حدث مع إعصار شاهين. 

2- حركة إعصار شاهين إلى ما وراء بحر العرب

ألمح الكاتب إلى أن عددًا قليلًا جدًّا من الأعاصير المدارية التي تنشأ في بحر العرب تصل إلى خليج عُمان، وعدد أقل يصل إلى اليابسة في شبه الجزيرة العربية على أنه عاصفة إعصارية شديدة للغاية بعد اجتياز خليج عُمان. وباستثناء إعصار جونو (حيث وصل الإعصار إلى الطرف الجنوبي الشرقي من عُمان قبل أن يجتاز الإعصار خليج عُمان ويتبدد في إيران)، لا يوجد سوى تسجلَيْن لأعاصير شديدة تحركت من بحر العرب إلى خليج عُمان وتصل إلى اليابسة في شمال عُمان (بالقرب من مسقط). وحدث الأول في يونيو (حزيران) 1890، فماذا عن الثاني؟ إعصار شاهين، بعد أكثر من 130 عامًا. 

ويختم الكاتب بالقول: عادةً لا تنتقل الأعاصير المدارية التي تتكون في بحر العرب إلى ما وراء خليج عُمان أو في عمق شبه الجزيرة العربية؛ إذ يُعد الهواء الجاف وانخفاض الرطوبة فوق شبه الجزيرة العربية موازنة بالمحيط الهندي عائقًا أمام هذا النوع من مسار الأعاصير، يسلب كثيرًا من شدته المحتملة ويسرِّع من تبديده في نهاية المطاف.

لكن الاحترار المتزايد للمحيطات والبحار بالقرب من خط الاستواء كما يتضح من ارتفاع درجات حرارة سطح البحر، إلى جانب التوقعات المناخية بزيادة الاحترار العالمي في المستقبل، يشير إلى احتمالية حدوث أعاصير أكثر تواترًا وشدة في شبه الجزيرة العربية والمناطق المحيطة بها. وهذا ما يجعل إعصار شاهين بمثابة تذكير بهشاشة الجزيرة العربية في مواجهة الظروف المناخية القاسية، ومؤشرًا مبكرًا لكيفية تفاقم هذه الهشاشة بفعل التغير المناخي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد