نشر موقع مركز «أوراسيا ريفيو» الأمريكي للدراسات والبحوث مقالًا كتبه إم آر نارايان سوامي، كاتب صحافي مخضرم في الشؤون الدبلوماسية والسياسة، سلَّط فيه الضوء على رحلة الدالاي لاما، الزعيم الروحي والدنيوي لشعب التبت، بدءًا من احتلال الصين لمنطقة التبت، حتى استقر به الحال في الهند منذ أكثر من 60 عامًا. 

قِصَرُ نظر الحزب الشيوعي الصيني

استهل الكاتب مقاله بالقول: إذا لم تكن الصينُ دولةً ملحدةً ومنكرةً لوجود الله، لكان لزامًا على قيادتها الشيوعية بأسرها أن تصلي الآن لله وتدعوه من أجل أن يرحل عن عالَمِنا مبكرًا الزعيم الروحي الدالاي لاما، القائد الديني الأعلى للبوذيين التبتيين، والأيقونة الموقرة، والذي بلغ من العمر 87 عامًا يوم الثلاثاء 6 يوليو (تمّوز) الحالي.

يقول كاتب المقال، الذي نشره أيضًا موقع نورث آسيا مونيتور: إن اللوم يقع في المقام الأول على قِصَر نظر الحزب الشيوعي الصيني، وزعيمه الأسطوري ماو تسي تونج، في تحويل الدالاي لاما من مجرد شخص كان يتمنى في السابق أن ينضم إلى الحزب الشيوعي الصيني، الذي يحتفل في الوقت الراهن بالذكرى المئوية لتأسيسه، إلى جيش قوامه رجل واحد يُحرض حاليًا ضد بكين.

Embed from Getty Images

عباءة الدالاي لاما

وكعهدنا بهم دومًا كان الشيوعيون الصينيون، وبالأخص الشوفينيون الهانيون، مندفعين تمامًا بعد انتصار عام 1949 في الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد، حتى أنهم لم يُضيِّعوا كثيرًا من الوقت حتى هرولوا نحو منطقة التبت المترامية الأطراف، وذلك لأنهم يعرفون جيدًا أن المعارضة هناك كانت ضعيفة جدًّا من الناحية العسكرية.

وعندما دخل أوائل الجنود من القوات الصينية إلى التبت حاملين صورًا للزعيم الصيني ماو تسي تونج، وتشو إن لاي (زعيم سياسي صيني، وأول من تولى منصب رئيس وزراء جمهورية الصين الشعبية)، كان الدالاي لاما الحالي، لامو ثوندوب، المولود في 6 يوليو 1935، يستعد وقتئذ لارتداء عباءة الدالاي لاما الرابع عشر، مع الأخذ في الحسبان أن الصين لم يكن لديها أي دور تؤديه هناك.

رفض الانتساب إلى الشيوعية

ويُوضح الكاتب أن الدالاي لاما الشاب، والذي كان يميل إلى النزعة الروحية منذ طفولته، أظهر في ذلك الوقت شجاعة يُضرب بها المثل عندما قَبِل دعوة الحزب الشيوعي الصيني، بينما كان مساعدوه معارضين بقوة للدعوة خوفًا على سلامته، وذهب إلى بكين للقاء ماو، وعقد على مدار 10 أيام عدة اجتماعات مع الزعيم الشيوعي، والتقى بعدد آخر من قادة الثورة الصينية. وكانت هذه الرحلة والتجربة المحدودة كافية للدالاي لاما آنذاك كي يتوصل إلى نتيجة مفادها أن الشيوعية لم تكن تناسبه.

ولفت الكاتب إلى أن الأمر لم يقتصر على نَكْثِ ماو تسي تونج وُعودَه بالسماح لشعب التبت بأن يُديروا شؤونهم ويحكموا أنفسهم ذاتيًّا، بل إن الشيوعيين بدأوا بوحشية طائشة أيضًا في تمزيق مجتمع التبت شديد التدين، ولم تنج النساءُ من ممارساتهم ولا الأطفال. وبعد سنوات من محاولة تحمُّل القيادة الصينية الغاشمة، نفَّذ الدالاي لاما الخيار الوحيد المتوفر لديه: وهو الهروب. مخادعًا الصينيين، ذهب الدالاي لاما في رحلة طويلة شاقة استمرت 15 يومًا سيرًا على الأقدام فوق جبال الهمالايا حتى وصل إلى الهند بنجاح في 30 مارس (آذار) 1959.

Embed from Getty Images

ونظرًا لخبرته السياسية التي تمتد لعقود تنبأ ماو تسي تونج على نحو صحيح في ذلك الوقت بأن الصين خسرت نصف المعركة بعد السماح للدالاي لاما بالفرار. وأثبت الدالاي لاما أن ماو كان محقًا.

وجه المقاومة ضد الصين

نوَّه الكاتب إلى أن الدالاي لاما استطاع على مدار أكثر من 60 عامًا قضاها في المنفى الاختياري، ومع عدم اعتراف أية دولة بإدارته، أن يكتسب المكانة المرموقة التي طغت بوضوح على الحرب الدعائية الصينية في التبت.

بيد أن الأمور لم تكن تصب في مصلحة الدالاي لاما على الدوام؛ إذ اعتقد كثيرٌ من الناس حول العالم في السنوات الأولى من «تحرير التبت» – لما كانت الروح الثورية الجديدة لا تزال وثَّابة لدى الشيوعيين الصينيين (كانت هذه المساعي بعد مدة قصيرة من تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949) – أن الدالاي لاما إقطاعي رجعي كان يجب أن يرحل. بل عندما كانت الصين تعدو مسرعة ومتنقلة من مستوى للقوة إلى مستوى أعلى منه، على الرغم من التخبط المتكرر خلال هذه الحقبة، حوَّل الدالاي لاما عزلته الطويلة إلى نقطة قوة؛ لكي يُصبح وجهَ المقاومة ضد قوة بكين الفَتيَّة القوية.

ويُؤكد الكاتب أن الدالاي لاما، الذي كان يتودد إليه ماو كثيرًا، تحوَّل بهذه الطريقة إلى «كلب إمبريالي» و«انفصالي». وكان الاعتداء اللفظي دليلًا كافيًا على أن الدالاي لاما كان يُسبب للشيوعيين آلامًا كثيرة، بل هائلة، حتى أن الصين، التي دمرت عددًا من الأديرة البوذية في التبت، بخلاف أنها ملحدة، أعلنت حاليًا أنها تبحث اختيار خليفة للدالاي لاما الحالي.

دور الهند وواجبها

وفي الوقت الذي وفَّرت فيه الهند ملاذًا آمنًا للدالاي لاما، وللشتات التبتي الهائل، وقد بلغ عددهم حوالي 100 ألف، يبدو أن الهند مدركة تمامًا الأثر الصيني، حتى أنها تحافظ في الوقت الراهن على مسافة واضحة آمنة من الفائز بجائزة نوبل للسلام (حصل الدالاي لاما الرابع عشر على جائزة نوبل للسلام عام 1989؛ لإسهاماته في الترويج لمبادئ الحرية في التبت التي تحتلها الصين).

Embed from Getty Images

وأفاد كاتب المقال: وفي المقابل كان الدالاي لاما دائمًا يُخاطب العالم بوجه عام، وأتباعه بوجه خاص، قائلًا: إنهم في حاجة إلى أن يكونوا مدركين تمامًا للحساسيات الهندية، وأن التبتيين ممتنون كثيرًا للهند على كل ما قدَّمته لهم.

وأشار الكاتب إلى أنه التقى بالدالاي لاما غير مرة، وأجرى معه مقابلة أيضًا، ووجده مفعمًا بالحياة والحيوية، مع أنه زعيم روحي، بل يُمكن أن تزيل ضحكته الصاخبة كل همومه؛ إذ يبدو كطفل عندما يضحك من أعماق قلبه. ومن المحتمل أن تكون سنوات من التأمل والمنحة البوذية سببًا في أن يبدو الرجل المثقل بهذه الأعباء من التجاوزات الصينية في حق شعبه وأرضه وكأنه شخص ليس لديه اهتمامات واضحة في العالم.

الهند تحافظ على صورتها باحترام الدالاي لاما

وعندما أصرَّت الصين على أنها ستقرر خليفة الدالاي لاما، تساءل عن السبب وراء شعور بكين بالقلق بشأن خليفته، في حين أنه ليس لديه أي خطط للموت في أي وقت قريب! 

دولي

منذ 3 شهور
هل تدخل الهند وأمريكا في صراع مع الصين بسبب اختيار خليفة الدالاي لاما؟

ويُشير الكاتب إلى أن الشيوعيين الصينيين لم يشعروا بالخجل مطلقًا من مصافحة الثوار والمتمردين من الهند. في حين – وعلى النقيض من ذلك – لم يحمل الدالاي لاما مطلقًا أي سلاح، وبهذا المعنى يُمكن اعتبار الدالاي لاما أيضًا مثل المهاتما غاندي. ولهذا السبب – وبينما يحتفل بعيد ميلاده – يجب أن تتمنى له الهند كل خير، وهو ما لن يجعل الصين سعيدة. ولكن هل ستكون الصين فيما بعد سعيدة مع الهند؟

ويختتم الكاتب تقريره بالقول: وعندما يلفظ الدالاي لاما أنفاسه الأخيرة، يجب على الهند أن تُظهر له الاحترام والتقدير نفسه الذي أظهرته للراهبة الكاثوليكية الأم تيريزا الحائزة على جائزة نوبل للسلام (عام 1979) – ومؤسسة منظمة التبشير الخيرية – عندما فارقت الحياة. وإن أيَّ تمييز بين الشخصين كفيلٌ أن يُظهِر العاصمة الهندية نيودلهي في أسوأ صورها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد