قال مايك ماكري، في مقال له على موقع Science Alert، إنّ علماء الأعصاب قد حددوا الناقلات العصبية التي يحتمل أن تكون مسؤولة عن التطرف الديني.

وأوضح ماكري أنّ «تحديد علاقة الإيمان بالمسائل الشائكة تبدو الشغل الشاغل لعلماء الأعصاب، بعد أن ربطت دراسات سابقة بين التطرف الديني والإدمان، وبين بعض التجارب الروحانية والناقلات العصبية مثل السيروتونين، وتحديد أي جزء من الدماغ المسئول عن الإيمان بالخرافات».

اقرأ أيضًا: اكتشاف منطقة الشر في المُخ واحتمالات التحكم بها!

ويشير مايك إلى أن دراسة جديدة كشفت أن الناقلات العصبية التالفة المرتبطة بالتخطيط في الدماغ تصبح أقل انفتاحًا على الأفكار الجديدة، مما يوضح سبب جنوح بعض الأشخاص نحو التطرف في معتقداتهم الدينية.

قاد الدراسة طبيب الأعصاب جوردان جرافمان من جامعة نورث وسترن في إلينوي، واستخدمت الدراسة قاعدة بيانات دراسة أخرى تحمل اسم «دراسة إصابات الرأس في حرب فيتنام».

إبان حرب فيتنام الدموية، دوّن طبيب الأعصاب ويليام كافانيس سجلًا يضم أسماء ما يقرب من 2000 جندي أصيبوا بصدمات خلال الحرب. وكانت البيانات التي قد جرى جمعها قيّمة للغاية لمختلف الباحثين. يقول ماكري إنّه نتيجة لسرعة علاج الكثير من الجرحى، فقد نجا العديد من الجنود وعادوا إلى بلدانهم حيث واصل الباحثون متابعة حالتهم.

ورغم مرور عقود طويلة، ما زال جرافمان قادرًا على عمل اكتشافات مذهلة فيما يخص عمل الدماغ. فقد اكتشف أجزاءً في الدماغ في المناطق الأمامية والصدغية مسؤولة عن التقليل من أهمية التجارب الغامضة.

وقد قام هو وزملاؤه بفحص سجلات 119 جنديًّا حاربوا في فيتنام، وعانوا من إصابات في الدماغ، وقارنوها مع سجلات 30 جنديًّا لا يعانون من إصابات في الدماغ.

يشير المقال إلى أنّ الاختبار الذي أجري على الجنود شمل نطاقًا عن التشدد الإسلامي، إذ يُطلب من المشاركين الرد على عبارات مثل «لتكون الحياة ذات معنى، لا بد أن يعتنق الشخص الدين الوحيد الصحيح».

شمل الاختبار أيضًا قياسًا لمستوى ذكاء الجنود، ومرونتهم المعرفية عن طريق جعلهم يقومون بتوزيع بطاقات على تصنيفات مختلفة، وذلك وفقًا لمجموعة مختلفة من القواعد. بعد ذلك، استخدم الفريق القائم على الدراسة الأشعة المقطعية لمراقبة موقع وحجم الناقلات العصبية الباقية لدى المحاربين المصابين.

اقرأ أيضًا: «الإندبندنت»: لماذا المسلمون الجدد أكثر عرضةً للتطرف؟

يقول ماكرون إنّ البحث يركز على الجنود المصابين بتلف في Dorsolateral prefrontal cortex، أو قشرة الفص الجبهي الظهرانية، ومن المعروف عنها قيامها بدور معرفي في التجارب الروحانية، فضلاً عن قيامها بدور في حل المشكلات والتخطيط وإدارة المهام.

ووجد الباحثون أنّ هناك علاقةً بين وجود تلف في تلك المناطق وقوة المعتقدات الدينية لدى الجنود، وانخفاض المرونة المعرفية، مما يشير إلى أنّ المناطق مثل قشرة الفص الجبهي الظهرانية تلعب دورًا محوريًّا في المساعدة في الحفاظ على انفتاحنا على الآخر عبر استلهامنا للتجارب الدينية.

وأثبتت دراسات مماثلة أنّ أي تلف في منطقة قشرة الفص الجبهي البطنية، أو Ventromedial prefrontal cortex يجعل الناس سريعي التأثر بالدعاية المضللة، مما حدا بباحثين آخرين إلى اقتراح فكرة أطلقوا عليها اسم «نظرية العلامات الكاذبة» لتوضيح دور تلك الأجزاء من الدماغ في إثارة الشكوك لدى الإنسان.

قال فريق الدراسة: «تضحد نتائجنا أيضًا نظرية الاعتقاد الكاذب». وزعموا أن النتائج تظهر أن التطرف يرتبط بالانفتاح على تجارب جديدة أكثر من كونه وسيلةً للاحتفاظ بالشك.

يؤكد ماكري أنّ الإيمان بالخرافات لا يحدث بسبب ضرر في الدماغ، فعلم تشكيل الاعتقاد ينطوي على مزيج من العمليات العصبية التي لا تقتصر على جانب واحد من أنسجة المخ.

ومع ذلك – يشير التقرير– يقترح البحث أن التلف في أجزاء معينة من المخ التي لها علاقة بالتفكير في أدلة جديدة قد يجعل من الصعب على الشخص تقييم معتقداته الدينية الحالية، في مواجهة الأفكار الأخرى.

وهناك أيضًا محاذير أخرى يجب التفكير فيها، مثل كون كل المشاركين في الدراسة من الأمريكيين الأكبر سنًّا الذين عانوا من أضرار جسدية ونفسية من الحرب. لكن البحث يتطابق مع ما نعرفه بشأن دور مناطق الفص الجبهي بالمخ في إعداد الدماغ لوضع إطار للتجارب الدينية.

اقرأ أيضًا: تساؤلات لا يزال العلم يجهلها عن العقل البشري

صرح جرافمان لموقع Psypost بالقول: «إنّنا في حاجة إلى فهم إلى أي حد تختلف المعتقدات الدينية عن المعتقدات الأخلاقية والقانونية والسياسية والاقتصادية من ناحية تمثيل كل منها في الدماغ، وطبيعة التحول من نظام اعتقاد إلى آخر، والاختلاف بين الاعتقاد والقوة، وطبيعة وعمق المعرفة التي يستخدمها الأفراد في الوصول والإفصاح عن معتقداتهم».

إنّ الأفكار الدينية المتشددة سببت انقسامًا في عالم اليوم، ولا يبدو أن ثمة نهاية لهذا الانقسام في المستقبل المنظور. ولعل أبحاثًا كهذه قد تساعدنا قليلاً على فهم الأسس العصبية للطريقة الغريبة التي تتعامل بها أدمغتنا مع الحقائق والمعتقدات.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد