هذا الأسبوع، عادت حلب إلى صدارة عناوين الأخبار في الصحف العالمية والعربية، مع اقتراب النظام السوري والميليشيات الموالية للنظام من حسم المعركة ضد الثوار، واستعادة السيطرة الكاملة على الجزء الشرقي من المدينة. تصاعدت مأساوية الوضع إلى حدٍ خرج معه العديد من أبناء المدينة بـ«رسائلهم الأخيرة» مع توغّل قوات النظام في أحياء حلب، وأخبار الفظائع التي ترتكبها ميليشيات النظام بحق المدنيين وقوات المعارضة.

إلا أن الحياة في دمشق، عاصمة الأسد، طبيعية ومستمرّة على وتيرتها، أو هكذا يُريد النظام السوري للعالم أن يعتقد. أطلقت إدارة العاصمة عددًا من الحملات الدعائية والمقاطع الاحترافية التي تُظهر معالم المدينة والحياة فيها، كما يجتهد النظام في إزالة أي آثار دمار تلحق بدمشق القديمة أو نواحيها؛ جراء سقوط القذائف.

لكن الحقيقة أن دمشق مزقتها الحرب، وإن لم تبدُ آثار الدمار جليّة كما في باقي نواحي سوريا. صمّ الكثير من سكانها آذانهم عن أصوات الصراخ في بقية أنحاء البلاد. من غرق في الملذّات والمُتع، ومنهم من فقد اتزانه النفسي ولجأ إلى الأدوية، ومنهم من يختبئ هربًا من الاعتقال أو ما هو أسوأ: التجنيد الإجباري في جيش الأسد. والميليشيات المسلّحة التي جلبها النظام لمساعدته في القضاء على الثورة السورية بسطت نفوذها على قطاعاتٍ من المدينة، وصارت أشبه بمنظمة إجرامية تُدير أنشطتها بحريّة على حساب الدمشقيين. يحكي تقريرٌ بمجلة «دير شبيجل» الألمانية قصةً دمشق: عاصمة اليأس، والفجور.

جولة سعيدة

يتتبّع التقرير سير حافلة لمجموعة دمشقية تُدعي Phoenix Adventure، في رحلة تجوال متّجهة إلى حمص. «كنان حداد»، مالك واحدة من الحانات المنتشرة بدمشق، يجلس إلى جانب خليلته، «إليدا سنجار»، طالبة الاقتصاد، منهكين من حفلة الليلة السابقة. كل أصدقاء كنان تقريبًا غادروا البلاد، لكنّه قرر البقاء في ظلّ الاستقرار الذي توفره الحكومة في أماكن تواجدها، فالاستقرار هو الشيء الوحيد الذي يكترث له. «إليدا» سعيدة؛ لأنّها ما زالت قادرة على دراسة الاقتصاد والذهاب إلى الحفلات، خاصة وأن القذائف لم تعد تتساقط بغزارة كالسابق.

بسؤال المجموعة عن القنابل التي تنهمر على مدارس حلب ومستشفياتها، في إطار الهجوم السوري الروسي علي المدينة، كانت إجاباتهم مقتضبة. قال كنان «إن هذا طبيعي في الحرب»، بينما التمست إليدا العذر للحكومة؛ لأنّها مضطرة إلى الدفاع عن دمشق؛ من أجل البقاء. بينما ألقى قائد المجموعة باللوم على المدنيين في حلب، ممّن آووا الإرهابيين في المدينة وتسببوا في دمارها.

بعد ساعتين، وصلت المجموعة إلى مشارف حمص. كانت الشمس تتوسط كبد السماء، حين برزت المدينة التي يتصاعد الدخان من أنقاضها في الأفق، والتي تحوّلت أغلب أجزائها إلى مدينة أشباح، عقابًا على دورها في الثورة السورية. لم يُعلّق أفراد المجموعة على الأمر، مفضّلين الحديث عن الجعّة اللبنانية سيئة الطعم التي يضطرّون إلى تجرّعها بعد أن دُمّرت أغلب مصانع البيرة السورية.

حياة طبيعية

وفقًا للتقرير، فالحياة في دمشق، الواقعة على بعد 350 كيلومترًا جنوب حلب، تبدو للوهلة الأولى طبيعية تمامًا. لا شيء فيها يدل على أن حربًا ما زالت قائمة في البلاد، إلا بعض نقاط التفتيش، والمنشورات التي تحمل أسماء وصور الشهداء في كل مكان. الحجاج يأتون من كل مكانٍ لزيارة المسجد الأموي، والطُهاة يتفنّنون في طهو الكباب السوري الشهير، والأسواق ممتلئة بالناس والبضائع، والأكشاك التي تبيع «ملابس داخلية وحمالات صدر تنفكّ حين تصفّق بيديك»، على حد وصف التقرير. يمحو النظام كل آثارٍ لأية قذيفة تسقط في أحد أحياء دمشق، إذ تتم أعمال الترميم والطلاء بسرعة وكفاءة ولا تترك خلفها ما يشي أن هذا المكان تضرر قط. حتى في حلب نفسها، يزعم قائد المجموعة أنّ «حفلاتٍ عظيمة» ما زالت تُقام. والمقاطع الدعائية التي تُطلقها حملة النظام تُصوّر حلب الغربية جنّة خضراء لم يمسّها السوء،  زاخرة بحمامات السباحة والملاهي الليلية.

إلا أن هذه ليست الصورة الكاملة. الحياة في دمشق أبعد ما تكون عن الطبيعية. في دمشق الآن قرابة 1.8 مليون لاجئ ونازح لا يملك السواد الأعظم منهم ثمن وقود المدفأة في برد الشتاء القارس، وفي البلدة القديمة يتكدّس ما قد يصل إلى 10 عائلات في المنزل الواحد. التضخّم يلتهم رواتب الناس بعد انخفاض قيمة العملة السورية إلى عُشر قيمتها ما قبل الحرب. وفي أنحاء المدينة، يُمكنك أن تسمع هدير مولدات الكهرباء التي تعمل بالديزل في الطرقات؛ لأن الكهرباء تنقطع لساعاتٍ طوال كل يوم.

أمّا فيما يخصّ الحالة النفسية لسكّان دمشق، فينقل التقرير عن أحد الأطباء النفسيين ارتفاع الطلب على المهدئات والأدوية ارتفاعًا هائلًا، مستنكرًا العقوبات التي تمنع وصولها إمداداتٍ جديدة منها إلى سوريا. يعيشُ الناس في خوفٍ دفع العديد منهم إلى الحصول على رخصة قانونية لحمل السلاح؛ إذ يتواجد المئات من مقاتلي «الدولة الإسلامية» و«جبهة فتح الشام» على بعد أربعة كيلومترات من الحانات والمراقص، في موضع مخيّم اليرموك الفلسطيني. ومن استمرّوا في مُتابعة الأخبار صارت الحياة رمادية بالنسبة لهم. «لا تهمّ الجهة التي ينحازون إليها، إنّهم متعبون، وحزانى، مكتئبون؛ لأن وطنهم يحتضر».

ومن ليس مضطرًا إلى النظر في وجه العنف، يُشيح بوجهه بعيدًا، على حد قول التقرير. الشباب من أمثال كنان وإليدا توقفوا عن متابعة الأخبار، ولا يرغبون في معرفة ما يحدث في حلب، فارّين من الواقع المأساوي إلى رحلات التجوال وتدخين «الماريجوانا» وشُرب الكحوليات. يقول «كنان»: إنه لا يعد يهتمّ بما يحمله المستقبل؛ لأن الشباب يأتي مرّة واحدة. قبل الحرب، كان «كنان» يعمل في وحدة لمكافحة الاحتيال في أحد البنوك، إلا أنّ عقوبات الولايات المتّحدة والاتحاد الأوروبي على سوريا في ربيع 2011، واقتراب نيران الحرب من دمشق في مرحلة من المراحل، أدّى إلى انهيار الاقتصاد، ولم يعُد العمل في البنوك ذا معنىً من الأصل. الآن، كل ما يحلم به كنان هو إنشاء حانة في حصنٍ يقيه من القذائف المستمرة في التساقط. «سوريا الخاصة بهؤلاء ليست تلك التي نسيها العالم، والتي يقصف الحاكم فيها شعبه، ويجوّعهم».

المُحاصرون

الحربُ، التي قسمت البلاد كلها نصفين، لم تستثنِ دمشق. هي منقسمة إلى هؤلاء الذين رضوا بالنظام، والذين لم يرضوا به. واحدٌ من هؤلاء الآخرين هو محامٍ يعيش في أحد أحياء دمشق الجنوبية الشرقية الفقيرة، يُدعى «حسام» (كما طلب تسميته في التقرير). لم يذهب حسام إلى أبعد من نهاية الشارع على مدار العام الماضي؛ لأنه مقل آلاف الشباب في مناطق سيطرة النظام، يختبئ لأسبابٍ سياسية، وهربًا من التجنيد الإجباري.

عندما بدأت التظاهرات في 2011، خرج حسام من سُباتٍ سياسي كان قد دخل فيه على إثر اعتقاله وتعذيبه الشديد من قبل قوات النظام، والذي وصل إلى ضرب ركبتيه وكاحليه بالعصي البلاستيكية؛ حتى صارت المشاركة في المسيرات والمظاهرات خيارًا مؤلمًا بالنسبة له. اعتُقل حسام مرة أخرى، وتعرض للتعذيب قبل إطلاق سراحه. ولم يُغادر شارعه منذ يوم الثامن عشر من أكتوبر (تشرين الثاني) من عام 2015، والذي مشّطت فيه قوات أمنٍ مرتدية ملابس مدنية الشوارع، وجمعت الآلاف من الشباب بين مُعتقلٍ ومجنّد.

يعيش حُسام على المساعدات التي يتلقّاها من والديه، وأحيانًا من أصدقائه. المال لا يكفي للطعام، والإيجار، ووقود المدفأة في الشتاء. إلا أن همّه الأول هو البقاء. النظام يُراقب الجميع بلا رحمة، وعندما لا يراقبك النظام، على حد قول حسام، فإن المجتمع والجيران يتولّون المهمّة. «إمّا أن تكون مع النظام أو من الأعداء. إمّا جزءً من ميليشيا مسلّحة، أو رجلًا يمتلئ بالخوف».

هذا الأحد، يقول حسام، جلبت زوجته صديقة لها في زيارة. حكت صديقة زوجته عن ابنها ذي الثمانية أعوام، والذي حاول الانتحار عدة مرات، ولم يعُد ينطق، منذ أن سقطت قذيفة «هارون» وقتلت أخواته البنات. ترك حُسام الغرفة وخرج. «لم أعد قادرًا على الاستماع إلى هذه القصص بعد الآن».

المُتربّحون من الحرب

على بعد أمتارٍ من منزل حسام المختبئ، يكمن من أخرجتهم الحرب السورية إلى الأضواء؛ هؤلاء الذين استفادوا أقصى استفادة من الحرب: أفراد الميليشيات، الذين يُقاتلون للأسد حربه. يسير هؤلاء في دمشقٍ كأنهم سادتها. الكثير من هؤلاء أعضاءٌ في قوات الدفاع الوطني: تجمّع من الميليشيات المسلّحة التطوعّية، ويتصرّفون كأعضاء أية منظمة إجرامية. يرتكبون جرائم النهب، والسرقة، والاختطاف، والمتاجرة في المخدرات. والنظامُ عاجزٌ عن التصرّف، والجيش ليس قويًا بما فيه الكفاية ليتصرّف حيال الأمر، وفقًا لـ«علي حيدر»، وزير الدولة لشئون المصالحة الوطنية، في حوارٍ له مع «دير شبيجل».

واقتصاد الحرب الذي تربّح منه المجرمين ورجال العصابات ازدهرت فيه أيضًا تجارة الجنس أيّما ازدهار. «ريم»، 37 عامًا، تقول: إن وظيفتها إحدى الوظائف المستقرة في زمن الحرب. هي تريد طعامًا على الطاولة، واستمرار ابنتها في دروس الباليه. هذه أقصى طموحاتها. هكذا عادت تجارة الجنس إلى سوريا، بعد أن حدّ بشار من انتشارها في منتصف العقد الأول من الألفية. يُريد أفراد الميليشيات «استراحة» بالليل بعد نهارٍ من القتال والدمّ والخطر، وتُريد النساء طعامًا على الطاولة. هكذا تستقيم الأمور.

وعندما تكون الأوضاع بهذا السوء؛ عندما لا يكون من الواضح إن كنت ستعيش غدًا، فإن «التابوهات» والتقاليد المجتمعية تصبح شديدة الهشاشة. لذا فإن الحرب التي دمّرت المدينة دمّرت معها الكثير من التابوهات، وجنّست السوريين إلى حدٍ ترى معه شابًا وفتاة يتبادلان القبلات، ويدفعان بعضهما البعض إلى مداخل العمارات.

ينتهي المقال إلى أن دمشق ما زالت مدينة جميلة على السطح. وحين ينحسر الغطاء، تدرك أنها مدينة تنزف حتى الموت، وتسحق سكّانها، دافعة بهم إلى الاحتماء بالنظام، أو الهرب، أو الموت.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد