تناولت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية الأوضاع في مدينة درعا السورية بعد جولة العنف الأخيرة والتي سلَّطت الضوء على محدودية جهود المصالحة التي ترعاها روسيا بين الحكومة السورية وفصائل المعارضة في درعا.

يبدأ التقرير الذي أعدَّته مراسلة الصحيفة سارة دعدوش بالإشارة إلى أن مدينة درعا السورية كثيرًا ما يُطلق عليها لقب «مهد الثورة»؛ لأنها شهدت باكورة الاحتجاجات ضد الرئيس بشار الأسد في عام 2011. وبعد أن تحولت الاضطرابات إلى ثورة مسلحة وهزيمة المعارضة لاحقًا هناك في عام 2018، أبرمت المعارضة اتفاقًا فريدًا من نوعه في سوريا، والذي يسمح ببقاء مقاتليها ومؤيديهم في مدينة درعا تحت حكمٍ ذاتي جزئي، في مقابل تسليم أسلحتهم الثقيلة.

وتتابع الكاتبة قائلةً: بيد أن هذا النهج، الذي يعد نموذجًا لأجزاء أخرى مضطربة من البلاد، انهار خلال الصيف وسط تجدد القتال وسفك الدماء بعدما حاصرت قوات النظام السوري المدينة، وقصفت الحيَّ القديم من درعا البلد وغيره من الأحياء في المدينة بالصواريخ والمدفعية والبراميل المتفجرة. وقد انقطعت إمدادات الغذاء والدواء، وقالت الأمم المتحدة إن أكثر من 38 ألف مدني فروا في المدة من أواخر يونيو (حزيران) وحتى تنفيذ هدنة مؤقتة اتُّفق عليها قبل أسبوعين.

قصور جهود المصالحة

ويوضح التقرير أن اندلاع أعمال العنف في درعا، الواقعة في جنوب سوريا على مقربة من الحدود الأردنية، يبرز استمرار المقاومة المناهضة للحكومة حتى في المناطق التي استعادت قوات الأسد السيطرة عليها. كذلك يسلِّط القتال الضوء على حدود جهود المصالحة، التي طالما دعا إليها وأشرف عليها حلفاء الأسد الروس بوصفها وسيلة لتهدئة البلاد، وعجز روسيا أو عدم رغبتها في إبقاء قوات الحكومة السورية تحت السيطرة.

Embed from Getty Images

وتعود جذور الجولة الأخيرة من العنف إلى قرار اتخذه سكان درعا بالدعوة إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسية التي جرت في مايو (أيار)، والتي كان من المؤكد أنها ستمنح الأسد ولايةً جديدة. وقبل يومين من بدء التصويت، أصدرت جماعات المعارضة بيانًا أدانت فيه الانتخابات وعدتها غير شرعية ودعت إلى الإضراب في يوم الانتخابات، ووصفته بأنه «يوم حزن وحداد».

وجاء رد الحكومة قاسيًا، وإن لم يكن فوريًّا؛ إذ بعد أربعة أسابيع من الانتخابات، فرضت القوات الحكومية حصارًا استمر عدة أشهر، معتبرة الحملة العسكرية فرصةً لتفكيك شبكات المعارضة التي لا تزال نشطةً في درعا والضغط من أجل استعادة النظام السوري السيطرة الكاملة على البلاد. وقد قادت الهجوم الفرقة الرابعة المدرعة الشهيرة، التي يرأسها ماهر الأسد شقيق الرئيس، بالتنسيق مع الميليشيات المدعومة من إيران.

ولكن روسيا، التي أيدت الوضع الراهن في درعا، كانت أقل حماسًا للهجوم، ذلك أن استعادة السلام، حال تحقيقه، قد يساعد روسيا في تعزيز الحل الدبلوماسي للصراع السوري الأوسع نطاقًا. وقال بعض المراقبين المحليين إنهم لاحظوا غيابًا واضحًا للطائرات الحربية الروسية، التي تحلق دائمًا دعمًا للجيش السوري.

تضارب المصالح

ويشير التقرير إلى أن تضارب الأهداف بين الأسد وحلفائه جعل التفاوض على إنهاء القتال في درعا أمرًا صعبًا، بحسب عضو في لجنة درعا المركزية المكونة من مقاتلين سابقين في المعارضة وأعضاء في المعارضة المدنية المحلية.

وقال عضو اللجنة، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، بسبب اتفاق بموجب هدنة أخيرة على عدم التحدث إلى وسائل الإعلام: إن «المفاوضات كانت معقدة بسبب تضارب مصالح كل طرف. لكنهم اتفقوا جميعًا بوجه عام على فرض شروطهم الخاصة علينا، والتي لم نقبلها وبدلًا من ذلك أصررنا على مطالبنا بالسلامة والكرامة حتى النهاية».

وناشد سكان درعا روسيا مرارًا للتدخل وفرض تطبيق الاتفاق القائم منذ ثلاث سنوات، والذي نص على عدم دخول الجيش والمخابرات مناطق المعارضة. وحثت لجنة درعا روسيا على المساعدة في رفع الحصار وإحباط «الهيمنة الإيرانية» في المنطقة ومنع المليشيات المدعومة من إيران من اقتحام الأحياء.

Embed from Getty Images

وفي يوليو (تموز)، وعد الجنرال الروسي أسد الله، كبير مفاوضي موسكو في درعا، بأن روسيا ستمنع التقدم العسكري الإيراني إذا لبَّت اللجنة مطالب الحكومة، بما في ذلك تسليم الأسلحة الخفيفة، بحسب ما ذكره عضو اللجنة. لكن عضو اللجنة قال إن جنرالًا روسيًّا آخر حل محله بعد شهر، ولم يتضمن اقتراحه التفاوضي رفع الحصار أو إنهاء القصف أو وجود الميليشيات المدعومة من إيران.

ونقلت الصحيفة عن دارين خليفة، كبيرة المحللين السوريين في مجموعة الأزمات الدولية، قولها: «شهد النهج الروسي تجاه هذه الجولة من العنف تحولًا ملحوظًا في التكتيكات والإستراتيجيات. فقد دعموا مطالب دمشق المتطرفة، ولم يُظهِروا أي تسامح مع ما وصفوه بأنه طلبات غير واقعية من المتمردين».

وقالت دارين إن الروس ربما لم يكن لديهم رغبة في محاولة استخدام نفوذهم مع حكومة الأسد في وقت بدَت فيه حكومة الأسد مصممةً على متابعة أهدافها الخاصة. وببساطة، كان هناك عدم توافق بين ما تريده دمشق وبين رأس المال السياسي الذي أرادت موسكو الاستثمار فيه، وقيمتهما المتصورة في الحفاظ على الوضع الراهن».

فرصة في الاتفاق المشروط

ويلفت التقرير إلى أن الطرفين توصَّلا في نهاية المطاف في الأول من سبتمبر (أيلول) إلى هدنة بوساطة روسية. وهذا الاتفاق، الذي دعا إلى وقفٍ فوري لإطلاق النار ورفع الحصار، يشترط لأول مرة أن يُسلِّم مقاتلو المعارضة في درعا أسلحتهم الخفيفة وكذلك السماح للحكومة بإنشاء نقاط تفتيش للجيش داخل المدينة. وسيجري ترحيل السكان الذين يرفضون قبول هذه الشروط إلى محافظة إدلب في شمال غرب سوريا، وهي الجيب الوحيد المتبقي للمقاومة في البلاد. وتنص الصفقة أيضًا على نشر الشرطة العسكرية الروسية وإعادة الخدمات مثل الكهرباء والمياه.

عربي

منذ شهرين
«ستراتفور»: عودة مرة أخرى للمعارك.. ماذا يحدث في جنوب سوريا؟

وحتى قبل أحداث العنف الأخيرة، كانت درعا منطقةً مضطربةً، فقد شهدت المدينة الاغتيالات والاشتباكات المتقطعة مع الفرقة الرابعة المدرعة. لكن هدنة الأول من سبتمبر أعطت السكان فرصةً لاستئناف حياتهم اليومية. وقال صاحب سوبر ماركت إنه أغلق متجره منذ شهرين لأنه لم يكن قادرًا على العمل خوفًا من القصف وعدم تمكنه من شراء البضائع. وأدَّى الحصار إلى قطع المياه والكهرباء والاتصالات وكذلك القمح ومواد غذائية أخرى.

وبدوره عاد أبو عصام، صيدلاني يبلغ من العمل 40 عامًا يقيم في درعا البلد، أخيرًا إلى منزله في الأيام الأخيرة مع زوجته وأربعة أطفال ليجد أن منزله قد تضرر، إذ دُمرت ألواح الطاقة الشمسية الموجودة على سطح المنزل، وستكون تكلفة إصلاحها باهظة. وقال أبو عصام إن صيدليته نجت من الأحداث الأخيرة، لافتًا إلى أنه فتح أبوابها بعد تأمين بعض الأدوية من مخازن قريبة، لكن لم يأتِ زبائن تقريبًا لشراء الأدوية. وقال: «الناس يتملَّكهم الخوف، لكنني عُدت لأصلح المكان»، حسب ما يختم التقرير.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد