حزب المحافظين في المملكة المتحدة مَدِين بالفضل على نحو متزايد لمجموعة صغيرة من المانحين المؤثرين وأموال التبرعات.

نشر موقع «بوليتيكو» الأمريكي مقالًا لـ«بيتر جيوجيجان»، المحرر الصحفي في موقع «أوبن ديموكراسي» السياسي الإخباري، حول الأموال التي تؤثر في السياسة في بريطانيا، موضحًا الدور المؤثر والفعال لمانحي هذه الأموال.

وفي مستهل مقاله يُشبِّه الكاتب الفضائح المتعلقة بالأموال المُستخدَمة للتأثير في السياسة البريطانية بالحافلات التي تجوب العاصمة البريطانية لندن: ينتظر الواحد منا دهرًا أملًا في أن تأتي حافلة، ومن ثم يصل عدد كبير منها في آن واحد. وصدر  مؤخرًا تقرير حول تدخل الكرملين في السياسة البريطانية – والذي أشار على نحو لاذع إلى العلاقة المالية الحميمة بين النخب الروسية في لندن وكبار السياسيين، دون تسمية حزب المحافظين صراحةً – في أعقاب صيف بريطاني تعصف به سلسلة من التساؤلات حول التبرعات السياسية.

ومنها التساؤلات التي أُثيرت عقب اعتراف وزير الإسكان، روبرت جينريك، بأنه أبدى «تحيزًا واضحًا» لتطوير عقار سكني خاص بأحد المانحين المحافظين الذي تبرع بمليار جنيه إسترليني للحزب.

دولي

منذ شهرين
«فورين بوليسي»: هكذا تتحوَّل بريطانيا إلى أسوأ نسخة من أمريكا

وأوضح الكاتب أن الغضب الذي أعقب ذلك دفع نيك تيموثي – الذي كان يومًا الذراع اليمنى لرئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي – للتحذير من تسلل الفساد والرشوة إلى السياسة البريطانية. وكتب تيموثي في ​​صحيفة «ديلي تلغراف» المحافِظة الشهر الماضي: «لا ينبغي أن تصيبنا الدهشة عندما نعلم أن أعضاء هذه الطبقة المتميزة يحققون مصالح متبادلة لبعضهم البعض، لكن هذا لا يعني أننا يجب أن نقبل ما يحدث بخنوع أو سلبية». وتيموثي محق في قلقه – بحسب التقرير – إذ أصبحت السياسة البريطانية تبدو أكثر فأكثر مثل السياسة الأمريكية؛ حيث تشتري الأموال الخاصة المزيد من النفوذ والتأثير داخل أروقة السلطة. وسيؤدي هذا التدفق النقدي، إذا لم يُوضَع حد له، إلى إحداث فوضى أكبر في نظام بريطانيا السياسي.

تغيُّر بسيط

وشدد الكاتب على أن وستمنستر (المدينة التي تضم أهم مباني حكم البلاد وإدارتها) ليست غريبة على فضائح «المال مقابل الخدمات» بطبيعة الحال؛ فقد باع رئيس الوزراء الأسبق، ديفيد لويد جورج، (كان رئيسًا للوزراء أثناء النصف الأخير من الحرب العالمية الأولى) بلا خجل ألقاب النبلاء إلى صغار المجرمين والمستغلين في زمن الحرب؛ للإنفاق على أسلوب حياته في رئاسة الوزراء.

وبعد مرور قرن من الزمان، ما تزال الأحزاب السياسية البريطانية – على عكس نظيراتها في العديد من البلدان الأوروبية – تعتمد على جمع الأموال من أجل البقاء والاستمرار. ونظرًا إلى أن المانحين على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي (في أمريكا) ينفقون الملايين بانتظام على جماعات ضغط الشركات وتمويل السياسيين، فإنه في بريطانيا يمكن لمبالغ مالية صغيرة نسبيًّا شراء الكثير من النفوذ. وهذا يُسهِّل كثيرًا التلاعب بالنظام.

يذكر الكاتب أن الوزير المحافظ السابق، غوتو بيب، قال له إن: «قليلًا من المال سيفي بالغرض جدًّا. ونحن لسنا أمريكا، ولستَ مضطرًا إلى إنفاق نصف مليار على حملة انتخابية عامة. وإذا كنتَ على استعداد لوضع ربع مليون في مركز أبحاث، فسوف تحصل على مردود هائل مقابل الأموال التي دفعتها».

Embed from Getty Images

ولفت الكاتب إلى أن أرقام المبالغ التي تُنفَق صارخة؛ إذ قُدِّرت تكلفة انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لعام 2018م بحوالي 6 مليارات دولار. أما في بريطانيا، فيمكن لأي شخص يمتلك 50 ألف جنيه إسترليني، ويتلهف لإنفاقها بسرعة، الانضمام إلى جماعة زعيم المحافظين. وفي المقابل، يتمتع المانحون الذين ينفقون الأموال على جماعة الزعيم بحفلات عشاءٍ وغداءٍ ومشروباتٍ منتظمة في أجواءٍ غير رسمية مع رئيس الوزراء والوزراء في الحكومة. يقول أحد منظمي هذه الحفلات: «يُعامل المانحون وكأنهم في نادي معجبين ذكي. وإذا كان هناك رجل أعمال يريد التحدث إلى رئيس وزراء مستقبلي، فهذه فرصته».

والمعلومات المتعلقة بالأعضاء في جماعة الزعيم ليست متاحة للعامة. ففي عام 2012، وافق رئيس الوزراء آنذاك، ديفيد كاميرون، على الإفصاح عن تفاصيل بشأن المانحين بعد أن تبين أنه كان يستضيفهم في حفلاتٍ خاصة في شقة داونينج ستريت. لكن المحافظين توقفوا عن نشر مثل هذه المعلومات منذ بضع سنوات. يضيف الكاتب: «عندما تحققت من ذلك مؤخرًا، وجدتُ أن جميع المعلومات التي كُشف عنها في الماضي حُذِفت من على موقع الحزب على الويب».

وتساءل الكاتب قائلًا: ما الفائدة التي تعود على المانحين؟ بالنسبة للبعض، هي وجاهة اجتماعية. إن إنفاق 90 ألف جنيه إسترليني نظير لَعِب مباراة تنس مع رئيس الوزراء بوريس جونسون – كما فعلت لوبوف تشيرنوخين، زوجة وزير مالية روسي سابق، في وقتٍ سابق من هذا العام – يحمل طابعًا اجتماعيًّا. بينما يسعى البعض الآخر إلى الحصول على التأثير والنفوذ.

وعلى مدى العقد الماضي، حصل ما يقرب من خُمْس المانحين المحافظين البارزين على مراتب شرفية، بما في ذلك ألقاب تتعلق بالفروسية والنبلاء، بعد التبرع للحزب. وقد وُثِّق عدد العقود الحكومية الممنوحة للشركات التي لها علاقات طويلة الأمد مع المحافظين خلال تفشي جائحة كوفيد-19.

نفوذ هائل

يضيف الكاتب: أخيرًا، يلعب المال دورًا قويًّا على نحو متزايد في السياسة البريطانية. وفي أثناء المدة التي سبقت الانتخابات العامة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تلقى المحافظون وحدهم أكثر من 40 مليون جنيه إسترليني من التبرعات الضخمة. وهذا التوجه واضح أيضًا، ولكن بدرجة أقل، في حزب العمال المعارض. وعلى الرغم من أن الحزب ما يزال يعتمد إلى حد كبير على النقابات العمالية والمانحين الصغار والمانحين فاحشي الثراء الذين دعموا توني بلير في الماضي، فقد عادت بعض الأموال الخاصة إلى الظهور منذ أن حل كير ستارمر محل جيرمي كوربين بصفته زعيمًا للحزب، في وقت سابق من هذا العام.

Embed from Getty Images

زعيم حزب العمال كير ستارمر 

واستدرك الكاتب قائلًا: لكن ربما يتمثل الأمر الأكثر إثارة للقلق في أن الأموال التي تتغذى عليها السياسة – والمحافظون على وجه الخصوص – قد تغيرت. وبعد التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في يونيو (حزيران) 2016، تقلص حجم التمويل الضعيف بالفعل لحزب المحافظين تقلُّصًا حادًّا. وخرجت النخبة التجارية الموالية لأوروبا من الحزب. وخفَّضَ حوالي ثلثي المانحين الحاليين من إسهاماتهم، أو توقفوا تمامًا عن التبرع للحزب.

والآن، أصبح المحافظون، الذين خسروا دعمهم التقليدي، يعتمدون إلى حد كبير على التمويل من عدد صغير من المانحين المؤيدين غالبًا لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وعندما أصبح جونسون رئيسًا للوزراء في يونيو 2019، ووعد بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، زادت التبرعات زيادة ضخمة، لا سيما من الشركات والأثرياء المشاركين في صناديق التحوط وغيرها من أشكال تمويل المضاربة.

وأشار الكاتب إلى أنه من السهل أن نرى ماذا يمكن أن يحدث عندما يكون لمجموعة صغيرة من المانحين تأثير كبير في السياسة. يقول أداڤ نوتي، محامي الانتخابات الأمريكي في المركز القانوني للحملة في واشنطن العاصمة، إنه: «من المفترض أن يحدِّد 150 مليون ناخب نتيجة الانتخابات الفيدرالية في الولايات المتحدة، ومع ذلك يحدِّد تفضيلات السياسة 20 شخصًا، و20 مانحًا رئيسًا».

ويحدث شيء مشابه لذلك في المملكة المتحدة. يقول الخبير الاقتصادي فرانسيس كوبولا إن: «حزب المحافظين الآن غير مُمثِّل كليًّا وبأي شكل من الأشكال لمواطني المملكة المتحدة. كما أن مصدر تمويل الحزب محدود للغاية. ولأنه يعتمد بشدة على هذه المجموعة الصغيرة من المانحين، فإن سياسة حزب المحافظين ستحيد عن الطريق الصحيح».

منحنى خطير

ونوَّه الكاتب إلى أن هناك بالفعل أمارات على هذا النوع من التأثير للمانحين، كالمشروعات الغامضة –على سبيل المثال «الموانئ الحرة» بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي- التي بدأت تشق طريقها نحو الأجندة السياسية البريطانية. ولا يمكن الرجوع عن أي شيء من هذا القبيل. ويمكن تقليص دور المال في السياسة البريطانية على نحو كبير.

Embed from Getty Images

وإذا كان الحد الأقصى للتبرع الفردي، على سبيل المثال، 10 آلاف جنيه إسترليني سنويًّا، فستضطر الأحزاب إلى الاعتماد على قاعدة مانحين أوسع وأكثر شمولًا. ومع ذلك، لا توجد أي مؤشرات على الاستعداد للتغيير. وعلى الرغم من أن لجنة معايير الحياة العامة في البرلمان أعلنت في يونيو مراجعة طال انتظارها للوائح الانتخابات البريطانية، على سبيل المثال، فإن اختصاصها لا يشمل تمويل الأحزاب.

ويقول النائب عن حزب العمال ستيفن كينوك، رئيس مجموعة العمل البرلمانية المعنية بالإصلاح الانتخابي: «للأحزاب السياسية مصلحة مُحقَّقة في الوضع الراهن. إنهم يفضلون البقاء مع نظامنا المعطل حاليًّا لأنهم يعرفون كيف يُعظِّمون من مكاسبهم بداخله». إن بريطانيا، كما يحذر كينوك، في طريقها إلى «الأمركة»، وتلعب الأموال السوداء والبيانات المراوغة دورًا متزايدًا في سياستنا. وبهذا قد وصلنا إلى منحنى خطير للغاية. لقد كنا راضين عن ديمقراطيتنا. واعتقدنا أنها وحدها ستعتني بنفسها».

واختتم الكاتب مقاله محذرًا: ما لم تتحرك المملكة المتحدة لحماية ديمقراطيتها من النفوذ الذي يُشترَى بسهولة، فإن سياستها ستصبح مُستَعْبدَة أكثر من أي وقت مضى لذلك النوع من الأموال التي اشترت لنا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد