ابتكر مراسل الحرب، كريم بن خليفة، تطبيقًا للواقع المعزَّز ينقل المستخدمين إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، البلد الفقير جدًّا على الرغم من ما تتمتع به من ثروات طبيعية هائلة، حيث يُجبَر الفتيان الصغار والرجال على العمل لصالح المتمردين المسلَّحين، والوسطاء المشبوهين الذين يسيطرون على المناجم التي تتمتع بمعادن ثمينة نحتاجها لتصنيع هواتفنا الذكية وغيرها من السلع الإلكترونية.

هذا ما افتتحت به أوليا هورتون، الصحافية الإذاعية ومحررة الويب، تقريرها الذي نشرته محطة «آر إف آي» الإذاعية الفرنسية والذي تحدثت فيه عن الثمن الباهظ الذي يدفعه أشخاص مطحونون في مناجم المعادن الثمينة كي تزدهر صناعات التكنولوجيا المختلفة.

سِفن جرامز ينقلك إلى مناجم الكونغو الديمقراطية

تقول أوليا: لترى تجربة سِفن جرامز (Seven Grams)، فأنت بحاجة إلى هاتف آيفون وسماعة، يبدو هذا وكأنه مفارقة عندما تُدرك أن الصحافي يندد بالممارسات ذاتها التي استُخدِمت في صنع الهاتف، ولكنك تحتاج إلى هذا الهاتف بصفته جزءًا من الخطة.

إفريقيا

منذ شهر
«فورين بوليسي»: كيف تحولت أزمة بطالة الشباب في أفريقيا إلى مشكلة عالمية؟

ستضغط على زر «ابدأ» وستظهر لك صورة لهاتف محمول، وعندما تنقر عليه يتفتت إلى أجزاء صغيرة تبدو وكأنها تطير في الهواء. وتظهر بعد ذلك كرة أرضية تدور أمام عينيك وتظهر الرسالة: مرحبًا بك في عالم الواقع المعزَّز.

وهناك يخبرك الصحافي عن كل ما لا تعرفه عن السبعة جرامات من المعادن الثمينة الدقيقة اللازمة لعمل هاتفك، والأهم، هو من أين تأتي هذه المعادن وكيف وصلت إلى هاتفك. لقد كان المصور البلجيكي التونسي، كريم بن خليفة، في جمهورية الكونغو الديمقراطية يقدم تقريرًا آخر عام 2015، عندما سنحت له الفرصة لزيارة المناجم في شرق البلاد.

وفي تطبيق سفن جرامز، يعرفنا خليفة على «تشانس» الذي كان من المحظوظين، كما يوحي بذلك اسمه؛ إذ كان صبيًّا صغيرًا عندما جُنِّد قسرًا في إحدى الجماعات المتمردة المحلية «ماي ماي» في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، ولكنه تمكن من الفرار. وتُسرَد قصة «تشانس» باستخدام مشاهد متحركة مبنية على رسومات بالأبيض والأسود رسمها بالفحم الفنان تي تي هيرنانديز.

مناجم الكوبالت في الكونغو

يقول خليفة إن هذه الصور «تسمح لنا برواية القصة بقدر كبير من الحساسية»، ومع أنها تُظهر قليلًا من العنف، فإنه لا يُعد شيئًا موازنةً بما اختبره «تشانس» في الواقع. وتمامًا كما فعل في تجربة الواقع الافتراضي «العدو»، التي تنظر إلى الحرب من الجانبين، يدعو خليفة المُشاهِد هنا إلى «الدخول» في المسألة وفهمها من منظور بقياس 360 درجة.

لا حماية

يلفت التقرير إلى أن هناك الآلاف مثل «تشانس» ما زالوا عالقين هناك، يعملون في مناجم تُدار على نحو غير قانوني في أماكن مقفرة، ويسكنون في أكواخ مؤقتة مبنية على سفح التل. ويقضي الفتيان والرجال 12 ساعة يوميًّا في الحفر بأيديهم للعثور على المعادن التي تجعل الهواتف الذكية تهتز، والشاشات تعمل باللمس، وتكون البطاريات أكثر قوة.

يُغطيهم الغبار والتراب مقابل أجر يومي لا يزيد على سعر زجاجتي ماء. وعلى جدران المعرض، نرى معروضات لأحذية مطر وسراويل ممزقة لم تُغسَل منذ أشهر، ومنجلًا صدئًا وكيسًا مصنوع من الخيش، ولا شيء أكثر من ذلك لحماية العمَّال من الغبار السام في المناجم. وقال خليفة لـ«آر إف آي»، موضحًا سبب رغبته في نقل هذه المقالات اليومية من الجحيم المخفي ووضعه أمام أعين العالم: «كنتُ حقًّا أحاول الانتقال من العالم الرقمي إلى العالم المادي، وهذا يجلب نوعًا من الحقيقة».

وفي مكان قريب، تصطف صناديق البرسبيكس التي تحتوي على معادن التنجستن والكوبالت والقصدير (معدن أكسيد القصدير) وصخرة بها قطعة صغيرة من الذهب. وهي العناصر التي تتدافع الشركات الكبرى لتأمينها لخطوط الإنتاج الخاصة بها بأقل تكلفة. وتخضع هذه المناجم لسيطرة الجماعات المتمردة المتنافسة التي تبيع هذه المعادن عن طريق شبكة معقدة من الأسواق والوسطاء، ثم ينتهي بها المطاف في مصانع الشركات المتعددة الجنسيات، مثل «أبل» و«سامسونج» و«هواوي»، إضافة إلى عديد من شركات السيارات.

ويسألنا خليفة في تطبيقه: كيف يمكن لجمهورية الكونغو الديمقراطية، بمواردها المعدنية المقدرة بنحو 24 تريليون دولار أمريكي، أن تحتل المرتبة 175 من أصل 181 في مؤشر التنمية البشرية؟

وكان مسح جيولوجي أمريكي عام 2019 قد أظهر أن الكونغو الديمقراطية أنتجت 100 ألف طن من الكوبالت، موازنةً بـ 6100 طن أنتجتها روسيا، تليها كندا بـ3 آلاف طن.

دعوة للعمل

ومع أنه يرغب في رؤية هذا النوع من التطبيقات مُستخدَمًا في المدارس مستقبلًا لزيادة الوعي، فإن خليفة يريد أن يفعل أكثر من مجرد تثقيف الجمهور، فهو يريدهم أن يتصرفوا، كما تنقل عنه الكاتبة. يقول خليفة: «أردتُ بالتأكيد أن أعلم الناس، ولكنني أريد أيضًا أن أقدم لهم حلًّا، وليس فقط إخبارهم بوجود مشكلة في الهواتف الذكية والإلكترونيات بوجه عام».

احد عمال مناجم الكونغو

وتختم الكاتبة تقريرها بالقول: ومن خلال الكشف عن الممارسات التجارية، يمكن للمستهلكين أن يختاروا شراء المنتجات التي لا تأتي من الشركات المصنعة التي لا تشتري معادنها من المناجم غير القانونية، والتي تختار إعادة التدوير بدلًا من إنتاج المزيد من المواد الخام. فالآن لا يمكنك أن تقول إنك لم تكن تعرف.

وتطبيق سفن جرامز باللغتين الإنجليزية والفرنسية عبارة عن تجربة واقع معزَّز أنشأه كريم بن خليفة يمكن تنزيله مجانًا من متجر جوجل أو أبل بلاي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد