صدر قبل أيام في 7 أغسطس (آب) 2018 كتاب «في أيدي العسكر»، عن الثورة المصريّة، و«لماذا فشلت؟» وهو الكتاب الذي أعده الصحافي الأمريكي ديفيد كيركباتريك، الذي كان مديرًا لمكتب «نيويورك تايمز» بالقاهرة في فترة ثورة 2011. وفي هذا التقرير الذي نشرته الصحيفة ذاتها، يستعرضَ الصحافي ستيف نيجوس الكتاب، في ظل تجربته الطويلة بمصر؛ إذ عملَ فيها منذ 1993، وحتى 2003.

رؤية مختلفة للأحداث: عينُ صحافيّ

يبدأ نيجوس مراجعته لكتاب «في أيدي العسكر» بعبارة: «الناس ضدَّ السلطة»؛ هكذا يتذكر معظمنا انتفاضات مصر 2011-2013. الجموع تُقاتل الشرطة تحتَ غيومٍ من الغاز المسيّل للدموع على جسر النيل، مُسقطين الديكتاتور حسني مبارك. وقاموا لاحقًا ليتَحدوا محمد مرسي الإسلاميّ الذي جاء بعده، ولكنهم غُدروا تمامًا، وسُحقوا على يد نظام عسكري عائد للحياة. أحداث الشارع الدراميّة هذه تظهر كثيفةً في أعمال كوثائقيّ «الميدان» الذي يروي قصةً بطلها الشارع المصري، وعلى الأخص: شبكات نشطاء اليسار الموهوبة في تنظيم التظاهرات. شجاعتهم فشلت أن تخلق ديمقراطيّة جابهتها قوى الثورة المضادة بمكرها وشراستها. ولكن تستمر القصة!

صورة أرشيفية لثورة 25 يناير، يوم 10 فبراير (شباط) 2011. ميدان التحرير، القاهرة.

 يصفُ نيجوس كتاب «في أيدي العسكر» بأنه روايةُ كيركباتريك المعمّقة للأحداث، روايةٌ جاءت من الوقت الذي كان فيه مديرًا لمكتب صحيفة نيويورك تايمز في القاهرة لتغطية الثورة المصريّة 2011، وهي روايةٌ مُفيدة أكثر من كونها ملهمة، بمساهمتين جديدتين: اتصال التايمز المميّز بصناع القرار؛ ما سمح لكيركباتريك أن يقدّم تغطية فذّة وتفصيلية لدبلوماسية إدارة أوباما في مصر، والتي تراجع وزنها وأهميتها مع «الإشارات الأمريكية» المُختَلِطَة. عقد كيركباتريك مقابلات كثيرة مع مسؤولين مصريين ومُساعدين لمرسي كجزءٍ من جهده الأوسع لفهم النتيجة النهائية لما حصل.

مساهمته الأساسية الأخرى في قدرته على اقتحام الفوضى وعنف الشوارع المفتوحة، ليُرينا كيف اعتبرَ كل جانب نفسه ضحيةً، وكرد فعل يرفعُ وتيرة تكتيكاته الاستفزازيّة. كان كيركباتريك مأخوذًا بـ«الناشطين المثاليين»، فقفزَ سريعًا عن مرحلة الانتفاض ضد مبارك، على خلافِ من كتبوا مبكرًا عن الثورة، ليبدأ سرديته بالحديث عن قوى الثورة المضادة التي تَلت فوز مرسي. يشكرُ زميلته الشجاعة مَي الشيخ ومراسلي التايمز الآخرين، ولكن كيركباتريك يستحقُ الثناء أيضًا؛ لأنه لاحظَ المثاليين – الذين أحبهم – عندما بدأوا يضلّون طريقهم. ورغمَ أنّه ضيفٌ جديدٌ على المنطقة، كان مكتبهُ بالقاهرة في المقدمة، ناقلًا كيف تلاعب الجيش بالنشطاء ليتحوّلوا إلى مُمهدين للأرضية المناسبة لقيام انقلاب.

أسطورة في كلّ جانب

يرصدُ نيجوس ما يميّز كتاب «في أيدي العسكر»، فيذكر أن كيركباتريك يُعيد مراجعة بعض الأحداث المفصليّة التي شكَّلت أساطير كلا الطرفين: (الإخوان، والليبراليين)، كأحداث ديسمبر (كانون الأول) 2012، «معركة القصر». (يقصدُ الكاتب هنا أحداث الاتحاديّة، أمامَ القصر الرئاسيّ). في النسخة الليبرالية تبدأ الأحداث بإصدار مرسي لمرسوم تسلّطي يمنحه قوةً غير محدودة، وعندما تظاهر الناس ضدّه لاحقًا، نادى «الميليشيات» الإسلامية لتفضّ الاحتجاجات. يقول نيجوس إنّه غطَّى هذه الأحداث بنفسه، ووجدَ رواية كيركباتريك لها أكمل بكثير.

http://t2.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcTiA-QxARHJoqr96mzbV2Vhrq_yVnCYRR13yho3uS0ZD8Rfc68s

غلاف الكتاب: بينَ أيدي الجنود. العنوان الفرعيّ: الحرية والفوضى في مصر والشرق الأوسط.

يقول التقرير: «استلم مرسي الرئاسة عامًا ونصف، وتعلّم أن الفوز في الانتخابات ليس كالحكم. سمحت الشرطة المُعادية لمرسي بموجة جرائم لهزِّ الاطمئنان العام لحكومته. كانَ كيركباتريك على اتصال قريب بمساعدي مرسي مع تصاعد التوتر. رأى الإدارة الإسلاميّة مشوّشة ومرتبكة إزاء كيفية فرض سلطتها، ويائسةً بشكل مثير للشفقة حدّ تملقها الشرطة. مرسوم مرسي كان – في الغالب – محاولةً لاستباق أحكام المحكمة العليا في مصر التي قد تشلُّ رئاسته. لم يكن المرسوم ديمقراطيًا أبدًا، وَكَذَا تحيّز القضاة الواضح».

وأضاف نيجوس: حاصرَ مُعارضو مرسي القصرَ الرئاسي في ذروة الأزمة. كانَت مواجهةً كبيرة لا يمكن فيها لفرد واحد أن يرى المشهد الكامل. معظمُ المحتجين كانوا سلميين، ألقى بعضهم قنابل المولوتوف على الأسوار، ولم تحرك الشرطة ساكنًا. نادى الإسلاميون مؤيديهم، وأحيا المدنيّون معًا ليلة قتال شوارع. قُتل قرابة 12، معظمهم بإطلاق النار. تتبع كيركباتريك القتلى قدر استطاعته، ويعتقدُ أن معظمهم إسلاميّون. ولاحظَ أن كلا الجانبين يمكن أن يرَوا أنفسهم – بشكل طبيعي – كضحايا للبلطجة.

أقنعت أحداث الاتحادية الليبراليين أنه قد آن لمرسي أن يرحل. ومالوا بنظرهم نحوَ عبد الفتاح السيسي، القائد العسكريّ، ليتدخل نيابةً عنهم. وخرجت من العدم مجموعة ناشطين صغيرة نظَّمت حملة وطنية واسعة لإخراج مرسي من الرئاسة، حملةُ «تمرد». كيركباتريك يعدُّ الشواهد التي تُظهر كيف قدَّم السيسي وحلفاؤه، بمن فيهم قوى إقليمية كالسعودية، دعمًا حاسمًا لتمرد مع التظاهر بالحياد.

ينقلُ نيجوس تأكيد كثير من النشطاء على أنهم لم يُريدوا انقلابًا، ويسأل: ماذا قد يعني «تدخلٌ عسكريّ»، إلا أن يكونَ انقلابًا؟ خلعَ الجيش مرسي بعد تظاهرات ضخمة في 30 يونيو (حزيران)، وتوزّع مُؤيدو الرئيس على اعتصامين. اشتعلت صدامات بجوار المَكانين، وقتل المئات من الناس، وإسلاميّون، على يد الحكومة، وقَتَل الإسلاميون بعض المشاة. نادت القنوات التلفزيونية بشن حملة على «الصراصير» (الإسلاميين)، وانضمَ للنداء عددٌ من النشطاء. يقول كيركباتريك إنّه «وقع في حب ليبراليِّي مصر الشباب. وانفطر قلبي لرؤيتهم في هذا الحال».

في 14 أغسطس (آب) تحرّك الجيش نحو الاعتصامين. كيركباتريك وزميلته مَي الشيخ كانوا من بين قلّة من الصحافيين ممن شهدوا المذبحة التي حصلت تاليًا. قضوا ساعات يختبئون من وابل النار الكثيف دونَ انقطاع، يعدّون الجثث التي تمر أمامهم. كلهم قالوا إن القتلى غالبًا يفوقون الألف قتيل. وسرعان ما تجاوزت البلاد الأزمة! في اليوم التالي عاد كيركباتريك إلى موقع المذبحة؛ ليجد مجموعة شباب فَرحين، ويرقصون على أغنية «بوب» تحتفي بالسيسي وبالجيش.

السلطة السياسية هي قصة خيالية

يُتابع نيجوس بوضع يده على معضلات أساسية تواجه الثوار في كلّ مكان: الاستقرار الذي يطلبه الناس، والحفاظ على الديمقراطية.

أرادت مصر الاستقرار، والسيسي وفَّر ذلك، أو على الأقل بقايا استقرار. لا تَسَامُحَ مع الاحتجاجات، نظامٌ جديد أقسى من نظام مبارك. التظاهرات الجديدة طُحنت، وسُجنَ مُنظّموها. يتابع كيركباتريك رواية المشهد المرير: يتراشق الرفاق القدامى بالتهم المضادة كلّما ذكّرهم «فيسبوك» بالذكرى السنوية لإحدى المسيرات المهمة، ويعلق أحد الناشطين: «كنا مَعميين بالكراهية. كنا غيرَ اليهود في ألمانيا النازيّة. فشلنا في الاختبار». انقضَّ النظام على الإسلاميين المتروكين ولا أحد معهم.

كتاب «في أيدي العسكر» ليسَ توثيقًا تاريخيًا شاملًا، وإنما رؤيةً للأحداث بعين صحافيّ. كيركباتريك يتجاوز سريعًا تظلّمات مُعارضي مرسي الرئيسة، المزيّف منها (كتزوير الانتخابات بابتزاز الجيش)، والحقيقيّ (تواطؤ الإسلاميّون في القتل قربَ مخيّمات الاحتجاج، وفي العنف ضد المسيحيين بعد الانقلاب). ولا يعامل أنصار الجيش كذوي مخاوف مشروعة.

تظاهرة لمؤيدي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

يجادل كيركباتريك أنه لو تحمّل الناشطون حكم مرسي غير الليبرالي والضعيف حتّى يتمكنوا من إخراجه بالانتخابات من منصبه، لأعطى هذا فرصةً للديمقراطية في مصر. ويرى خطأهم في أنهم «وَثقوا في السيسي»، اختاروا أكبر الشَرَّين، ولكن كيركباتريك لا يشرح بشكل كامل مخاطر البقاء تحت حكم مرسي، ولا يُحلل كيف تشتعلُ ثورة، ولا كيف تُؤخذ السلطة وتُفقد بسهولة تامّة. أبعد ما توصل إليه ملاحظة أن السلطة السياسية كـ«القصص الخيالية»، تتحرك وتتغيّر الأمور والظروف عندما تؤمن بالقصّة. هذه الملاحظة مُؤصلةٌ جيدًا في النظرية السياسية: تقع الثورات عندما يتوقف عددٌ كافٍ من الناس عن اعتقادهم الأعمى بِعُقمِ مقاومة النظام القائم.

يقول كيركباتريك: أُجادل بأن قدرة الناشطين على تنظيم مظاهرات الشارع أشبهُ بـ«سحرٍ» يقدر – لمدةٍ محددة – أن يجعل قيام ثورةٍ (أو انقلابًا) أمرًا ممكنًا. لكن لم يلتقطوا أن لهذا السحر حدود. أتذكر الليبراليين وهم يدفعون التخوّف من السيسي: إذا حاولَ السيطرة على السلطة، فليس عليهم إلا أن يقيموا ثورةً أخرى. فاتهم أن الظروف لا تواتيك بسهولة لتخلق ثورة؛ أسبوعٌ من الاضطراب المدنيّ، أسبوعٌ مُثير، أما ثلاث سنين من الاضطراب، فتسبب الإنهاك. التحالفات المنكسرة صعبٌ إصلاحها. تَرمي بالديمقراطية بعيدًا بتخلّصك من الحكومات المنتخبة، حتى السيئة منها.

كيركباتريك يُنهي الجولة بتنصيب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة. ظلّ أوباما دون سياسة واضحة مع السيسي، أما إدارة ترامب فدونَ أدنى خلاف: السيسي رجلٌ قوي في منطقة لا تحسن التعامل مع الديمقراطية. لا تختلفُ الولايات المتحدة عن مصر كثيرًا في ذلك: محسوبيّة ترامب وامتعاضه من «الدولة العميقة»، هي نفس شكاوى النشطاء المصريين، ويقذفها أحدهم بقوله: «عالم ثالث لذيذٌ جدًا».

يقول نيجوس في ختام تقريره: «من السهل تمييز الميول السلطويّة لزعيمٍ ما، ولكن المُعضلة في مقاومة ميوله بطرقٍ لا تُضعف المعايير الديمقراطية أكثر».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد