استعرض كلٌ من الصحفي كريستوفر بلير وعالمة السياسية الأمريكية إيريكا تشينويث والمحلل السياسي مايكل سي هورويتز والأستاذ المساعد في العلوم السياسية بجامعة كاليفورنيا إيفان بيركوسكي والبروفيسور المتخصص في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية فيليب بي بوتر، كيفية استمرار التنظيمات المسلحة وبقائها على قيد الحياة، والسر الكامن وراء ذلك، وما هي الطريقة المثلى للقضاء على هذه التنظيمات، في تقرير نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية.

استهلت المجلة الأمريكية تقريرها قائلة: إن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) «ينهض بهدوء من تحت الرماد» في أجزاء من العراق وسوريا، لكن هذه ليست المرة الأولى التي يتعافى فيها التنظيم من تجربة أوشك فيها على الانتهاء. إذ تمكن سلفه، تنظيم القاعدة في العراق، من إعادة تكوين بنيانه من جديد بعدما كادت أن تلحق به الهزيمة في المدة ما بين عامي 2007-2008. وقد أظهر تنظيم داعش مرونة غير عادية، إذ بينما يفشل حوالي نصف جميع التنظيمات المسلحة خلال عامه الأول، صمد التنظيم طيلة الجزء الأكبر من العقدين الماضيين على الرغم من قتاله ضد تحالف دولي شُكِّل للقضاء عليه.

دولي

منذ سنة واحدة
«ناشيونال إنترست»: كيف يبدو مستقبل الجماعات الجهادية العالمية بعد سقوط داعش؟

الحلفاء في السراء والضراء

ولفت التقرير إلى أن هذه المرونة ربما تبدو أمرًا مفاجئًا، لكنها ليست كذلك. إذ ثَبُت، على مدى العقود الماضية، أنه من الصعب إلحاق الهزيمة بالتنظيمات المسلحة التي تمتلك شبكة دولية ضخمة من الفروع والأنصار والمؤيدين كالتي حشدَتْها داعش. وساعدت التحالفات داعش على كسب النفوذ والتوسع في السراء، وخفَّفت عنها الضغط من خلال تحويل الانتباه إلى التنظيمات الفرعية التابعة في الضراء. ولذلك، فإنه من دون هزيمة هذه الشبكة بأسرها، سيكون من الصعب القضاء على المجموعة الرئيسة للتنظيم بالكامل.

وأوضح معدو التقرير أنه خلال السنوات القليلة الماضية، لُوحظ على نحو متكرر قيمة التحالفات بالنسبة للمنافسة الجيوسياسية بين الدول. وتبيَّن أن للتحالفات أهمية خاصة بالنسبة للتنظيمات المسلحة عديمة الجنسية في أغلب الأحيان. وشتان شتان بين تنظيم مسلح لديه حلفاء منحازون له أيديولوجيًّا وتنظيم مسلح آخر بلا هؤلاء الحلفاء، وهو ما يعني الفرق بين البقاء والفناء –في ظل القتال المستمر للقضاء على تنظيم داعش والذي يجعل الأمور كافة واضحة تمامًا في الوقت الراهن.

هذا سر بقاء التنظيمات الإرهابية وهكذا يمكن القضاء عليها

 التنظيمات المسلحة وعقيدة التسلّح

يقول الباحثون: وفي تحليل لسلوك التنظيمات المسلحة على مدار السبعين عامًا الماضية، جمعنا كل المعلومات عن التحالفات المعروفة بين التنظيمات المسلحة منذ عام 1950. ومن خلال استخدام مجموعة واسعة من المعلومات المستقاة من مصادر مفتوحة، استطعنا تحديد أثر هذه العلاقات التعاونية وموقعها ومحتواها. وهل كانت التنظيمات تتقاسم المعدات والأدوات أم تتبادل الأموال؟ وهل كانت تنسق فيما بينها لتخطيط الهجمات وتنفيذها؟ أم أن التعاون كان عبر الخطابات البلاغية المنمقة فحسب، ويشمل ذلك الإعلانات والتصريحات المعلنة الأخرى، لكن ذلك يُعد قليلًا مقارنةً بوسائل التبادل المادي؟

ونوَّه التقرير إلى أن البيانات الناتجة –بحسب التقديرات المتوافرة والأكثر شمولًا لشبكات التنظيمات المسلحة حول العالم المتمردة والمارقة– كشفت عن عدة أشكال مهمة لهذه التحالفات. الشكل الأول: في المدة ما بين عامي 1950 و2016، كوَّنت التنظيمات المسلحة شبكات أكبر بكثير من الشبكات المُقدَّرة بوجه عام. واستطعنا تحديد قرابة 15 ألف حالة من التعاون بين 2.613 منظمة مسلحة متنوعة، وهو ما يُقوِّض الاعتقاد السائد بأن التنظيمات المسلحة تعمل بالأساس في عزلة عن بعضها البعض. أما الشكل الثاني: فقد أصبحت هذه الشبكات العالمية مع مرور الوقت أكثر اتساعًا وشمولًا، فلم تتضاعف أعدادها فحسب، بل توسع نطاقها الجغرافي كذلك.

التحالفات تصل إلى الذروة

ولفت التقرير إلى أن أعداد التحالفات النشطة تزايدت على نحو ثابت في المدة من أواخر الستينيات وحتى بداية الثمانينيات، إذ انتقل عددها من أقل من 50 تحالفًا بقليل إلى قرابة 175 تحالفًا، بما يتواءم مع موجات التخلص من الاستعمار الأوروبي وصعود الحركات الشيوعية في أوروبا الغربية وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا. وعادت التحالفات للنمو من جديد، بعد مدة هدوء وجيزة في أواخر الثمانينيات، حتى وصلت إلى ذروتها تقريبًا في عام 2010. وسيطرت على هذه الموجة الأخيرة، الصلات التي تربط بين التنظيمات الإسلامية المسلحة التي كان وجود القوات الأمريكية في أفغانستان والعراق سببًا في دوافعها. وتضمَّن عديدٌ من هذه التحالفات تبادل السلع المادية، مثل البنادق والمتفجرات وغيرها من المعدات، بالإضافة إلى تبادل الجهود لمساعدة التنظيمات المسلحة على تهريب الإمدادات إلى أفغانستان والعراق لمواصلة قتالها ضد قوات التحالف.

وخلُص معدو التقرير إلى أن هذه التحالفات، بالنسبة للتنظيمات المسلحة، تساعد في ضمان البقاء والاستمرارية. إذ بمقدور هذه التنظيمات ذات الشبكات القوية والكثيفة الاعتماد على حلفائها عندما تمر بأوقات عصيبة، بينما ينبغي على هؤلاء الذين يعيشون في عزلة تدبير أمورهم بأنفسهم. لكن المعلومات التي توصَّلنا إليها أظهرت أيضًا أن التحالفات ليست جميعها متوازنة، فكثير منها لم يستمر طويلًا وانهار سريعًا أمام القمع الحكومي. وأثبتت تحالفات أخرى كتلك التي شكلتها داعش أنها أكثر مرونة.

هذا سر بقاء التنظيمات الإرهابية وهكذا يمكن القضاء عليها

هل يصعب القضاء نهائيًّا على المجموعة الأساسية لتنظيم داعش؟

ومع نمو داعش في عام 2013، توسَّعت شبكة تحالفاته، إذ تزايدت من ثلاثة حلفاء فحسب في عام 2013 إلى أكثر من 30 حليفًا في عام 2016. واعتمد التنظيم، في المدة ما بين عامي 2013 و2015، على صندوق مؤونة الحرب الضخم (الذي قُدِّرت قيمته في مرحلة الذروة بحوالي 2.6 مليار دولار) للحصول على أسلحة حلفائه وغيرها من المعدات لتعزيز قدرات عناصره. وأرسل مؤيدو داعش في أوروبا والدول المجاورة مقاتلين للقتال إلى جانب التنظيم، فضلًا عن غسيل الأموال وإخفائها. كما أرسلت الفروع التابعة للتنظيم في آسيا عددًا من المقاتلين وتقاسمت مع التنظيم أرباحًا لم تكن في الحسبان.

وأبرز التقرير أن حلفاء داعش حول العالم أسهموا بالأسلحة والتكنولوجيا والمعلومات حينما شنوا هجمات لمَّعت صورة داعش وقوَّضت التصورات المدَّعية أن التنظيم كان في حالة فرار. وعندما اشتد القتال مع قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2015 وتأزَّمت الأمور المالية للتنظيم وأصبح التعاون المادي أكثر صعوبة، بدأت داعش في تكوين علاقات جديدة تستند إلى أواصر البيانات المنمقة وإعلانات التعهد بالولاء للتنظيم. وهذا الأمر أتاح للتنظيم توسيع تأثيره العالمي والاحتفاظ «بطابعه» على الرغم من النكسات التي مُنِيَ بها في ساحات القتال في العراق وسوريا.

الأيديولوجية المشتركة سبب بقاء التحالفات

وشدَّد التقرير على أن أحد أسباب ثبات هذه التحالفات وصلابتها القوية هو قيامها على أسس أيديولوجية جهادية متطرفة مشتركة. إذ أن الأيديولوجية المشتركة، لا سيما الديانة الواحدة المشتركة، تعد أمرًا ضروريًّا وحاسمًا للحفاظ على التحالفات عندما تمر بأوقات عصيبة. ومن دون هذه الأيدولوجية المشتركة، ربما تنهار التحالفات على الأرجح تحت وطأة الضغط العسكري، إذ تتراجع التنظيمات عن التزاماتها وتصبح الأولوية لبقائها على قيد الحياة.

 وتتمتع هذه العلاقات بين التنظيمات المسلحة القائمة على أيديولوجية دينية مشتركة بعديد من الفوائد. إذ أنها تتيح إمكانية الوصول إلى جمهورٍ أوسع من المؤيدين والمسؤولين الذين بمقدورهم فرض الالتزام بهذه العلاقة ومراقبتها. ويتمثل أحد الشواغل الرئيسة لأي تحالف في نكوث أحد الشركاء عهده من جانب واحد، ويمكن للدين أن يمنح بعض أفراد المجتمع الداخلي من المراقبين، ومنهم أئمة المساجد ورجال الدين والوعَّاظ، صلاحية تحفيز التعاون ومعاقبة مَنْ ينشق عن العلاقات التي تربط بين التنظيمات من نفس العقيدة.

واعتمد تنظيما القاعدة وداعش على رجال دين سلفيين بارزين لإضفاء الشرعية على قضاياهم وجذب المناصرين والحلفاء والاحتفاظ بهم. إن التماثل الأيديولوجي يعني أنه إذا تخلى عدد من حلفاء التنظيم عن الشبكة، فإنهم قد يُوصمون بسمعة سيئة داخل الدوائر الجهادية التي ستلاحقهم لسنوات قادمة.

وتابع التقرير: وإلى جانب ذلك، تعمل المعتقدات الدينية المشتركة على زيادة مستويات الثقة، إذ أن الأهداف والآراء الدولية المشتركة تعني أن التنظيمات ستُوفِي بالتزاماتها وتدعم شركائها، حتى في أحلك الأوقات. وتأمَّل معنا العلاقة بين داعش وجماعة أنصار بيت المقدس في مصر، حيث تعرَّضتْ كلتا الجماعتين لضغوط كبيرة لمكافحة التمرد (ضغوط قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة على داعش وضغوط قوات الجيش المصري على جماعة أنصار بيت المقدس). وفي أغلب الأحيان سيكون من الصعب الحفاظ على التحالفات في ظل هذه الظروف، لكن القيادات الدينية المتشددة في مصر حثَّتْ جماعة أنصار بيت المقدس على إعلان ولائها لتنظيم داعش والالتزام به. ونتيجةً لذلك، حصلت جماعة أنصار بيت المقدس على أسلحة، وتلقت دعمًا دعائيًّا واستطاعت أن تعزز صفوف مقاتليها بمجندين أجانب، بينما حصلت داعش على موطئ قدم في مصر وحظِيت بالمصداقية بين صفوف المتشددين المصريين.

استغلال الدين

ويرى معدو التقرير أن تنظيم داعش كان ماهرًا بوضوح في استخدامه للدين لتعزيز قوة الشبكات التابعة له، وتضخيم نجاحه وانتشاره العالمي تبعًا لذلك. وعلى الرغم من أن شبه الدولة التي أسسها التنظيم في العراق وسوريا أثبتت أنها قصيرة الأجل إلى حد ما، لكن تحقيق الهدف الجهادي طويل الأمد لإنشاء خلافة إسلامية في قلب منطقة الشرق الأوسط سمح لداعش باستغلال الدين كما فعلت تنظيمات أخرى، وهو الأمر الذي منح شبكتها الواسعة المرونة في مواجهة القوة العسكرية الضخمة على نحو خاص. وتدل قوة مِثل هذه العلاقات أيضًا على أن هزيمة تنظيم مثل داعش هو تحدٍ عالمي، وليس محليًّا، يلزمه وضع مطالب سياسية واجتماعية تحد من جاذبية الأيديولوجيات الأساسية.

ولا تقتصر فوائد الأيدولوجية المشتركة على تنظيم داعش أو الجماعات السلفية الجهادية، ولا حتى على الدين فحسب، إذ في كثير من الأحيان تؤدي أيديولوجيات أخرى دورًا مماثلًا، مثل هذه الأيديولوجيات التي وحَّدتْ بين عديد من التنظيمات المسلحة ذات التوجه اليساري خلال الحرب الباردة. لكن الأيديولوجيات غير الدينية لن تثمر بوجه عام سوى علاقات أقل استمرارية. وتقل إمكانية انهيار العلاقات القائمة على أيديولوجية دينية مشتركة، في مواجهة القمع الحكومي، بنسبة 25% مقارنةً بتلك العلاقات القائمة على أيديولوجية مشتركة أخرى غير دينية. وعلى نحو خاص، توفر الأيديولوجيات الدينية مجموعة كاملة من إمكانية رصد المجتمع وكيانات السلطة والثقة والشبكات العابرة للحدود الوطنية.

هذا سر بقاء التنظيمات الإرهابية وهكذا يمكن القضاء عليها

الدروس المستفادة

ومع ذلك، هناك أيديولوجيات غير دينية تمتعت بفوائد مماثلة في الماضي – ويمكن أن تستمر في ذلك مستقبلًا. على سبيل المثال، بمقدور شبكات التشدد اليميني المتطرف المتنامية في الوقت الحاضر، والتي تدعمها «عولمة» أيديولوجية اليمين المتطرف، أن تكون عَصيَّة على الهزيمة إذا كوَّنت مزيدًا من الروابط الأيديولوجية القوية. وقد أصدرت لجنة الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن مؤخرًا تقريرًا عن التهديد المتنامي العابر للحدود على نحو متزايد الذي يشكله «الإرهاب» اليميني المتطرف. كما أصدرت سلطات كل من أستراليا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة مبادئ توجيهية حول التهديد الذي يشكله «الإرهاب» اليميني المتطرف، وأدرجت الحكومة الأمريكية في أبريل (نيسان) مجموعة روسية متشددة للبيض على قوائم المنظمات المسلحة بوصفها «منظمة مسلحة عالمية» – وهذه هي المرة الأولى التي تُصنَّف فيها منظمة عنصرية تعتقد تفوق البيض على هذا النحو، ما يتيح لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية حظر المعاملات المالية مع هذه المنظمة وفرض حظر السفر على المنتمين إليها.

وتوصَّل التقرير في ختامه إلى عدة دروس مستفادة من بينها أن استمرارية بقاء تنظيم داعش وغيره من التنظيمات المسلحة الناجحة طيلة السبعين عامًا الماضية يؤكد على ضرورة ألا تُقلِّل الدول من أهمية قوة الأيديولوجية المشتركة، حتى في ظل الضغوط العسكري أو ضغوط تنفيذ القانون التي تمارس بحقه. كما أن تحجيم دور الشبكات المتشددة يعني الاستفادة من قدر مهم من الموارد في تشويه سمعة جوهر الأيديولوجية وتقليص جاذبيتها – حتى قبل أن تصبح هذه الشبكات تهديدًا عظيم الشأن.

وعندما يُسمح للأيديولوجِيات المتشددة المشتركة بالنمو والازدهار من دون عائق، تغدو هزيمة التنظيمات التي تنتهج هذه الأيديولوجيات أكثر صعوبة بعدما تنتبه الحكومات لها وتقرر اتخاذ إجراءات صارمة أو شن حملة قمعية ضدها.

عربي

منذ 4 أسابيع
كيف أصبحت البادية السورية محل ميلاد «داعش» الجديد؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد