نشر مركز «ستراتفور» للدراسات الإستراتيجية والأمنية، تقريرًا استعرض فيه تداعيات مقتل الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي على المشهد السياسي في تشاد ومنطقة الساحل الأفريقي. وكان ديبي قد مات متأثرًا بجراح أصيب بها في اشتباكات مع المتمردين شمال البلد نهاية الأسبوع الماضي، وفرض الجيش التشادي حظر تجوال في البلاد وأغلق المجال الجوي والحدود وأعلن تولي نجل الرئيس الراحل، محمد إدريس ديبي إيتنو، إدارة البلاد.

وتوقع المركز الأمريكي في مطلع تقريره أن تعوق الوفاة غير المتوقعة للرئيس ديبي انخراط تشاد في عمليات مكافحة التمرد الإقليمية، وقد تجد فرنسا نفسها مضطرة إلى التدخل لتجنب انتقال عنيف للسلطة، والذي من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم الأزمات الأمنية في أماكن أخرى في أفريقيا.

دولي

منذ شهر
«الدكتاتور الشجاع».. إدريس ديبي رئيس تشاد الذي قُتل في ساحة القتال

وقد أعلن الجيش التشادي أن الرئيس التشادي إدريس ديبي لقي مصرعه في 19 أبريل (نيسان) أثناء تفقده للخطوط الأمامية للقتال ضد جماعة متمردة غَزَت تشاد في 11 أبريل. كذلك أعلن الجيش تعليق الدستور التشادي وحل الحكومة والجمعية الوطنية، وإنشاء مجلس عسكري انتقالي. وسيترأس محمد «كاكا» إدريس ديبي، أحد أبناء الرئيس الراحل، المجلس الانتقالي خلال مرحلة انتقالية مدتها 18 شهرًا.

حالة عدم اليقين

ونوَّه التقرير إلى أن ديبي تولى زمام السلطة منذ عام 1990، وقد أُعيد انتخابه في 11 أبريل الماضي، لافتًا إلى أن عددًا من الدول الغربية طلبت من مواطنيها وموظفيها غير الدبلوماسيين مغادرة العاصمة التشادية جامينا قبل وفاة ديبي، في ظل هجوم شنته «جبهة التغيير والوفاق» المتمردة واقترابها من العاصمة التشادية. وبدا أن الهجوم انتهى في 19 أبريل بعد أن قال الجيش التشادي إنه أوقف توغل المتمردين، وأعلن زعيم الجبهة أيضًا أن قواته نفذت «انسحابًا إستراتيجيًّا». لكن الجماعة المتمردة أعلنت أنها ستواصل هجومها بعد إعلان وفاة ديبي.

وقد تحاول جماعات متمردة أخرى أيضًا استغلال حالة عدم اليقين التي تحيط بوفاة ديبي، بما في ذلك «مجلس القيادة العسكرية لإنقاذ الجمهورية» و«اتحاد قوى المقاومة»، اللذان شنَّا غارات على تشاد من ليبيا في السنوات الأخيرة.

تشاد.. تأهب لصراع داخلي

وأوضح التقرير أن تحرك الجيش للقيام بانقلاب فعلي من خلال تجاوزه لعملية الخلافة الدستورية يشير إلى أنه يتأهب لصراع داخلي كبير. ومع استمرار هجوم جبهة التغيير والوفاق، يحاول المجلس العسكري الجديد تقديم نفسه بصفته استمرارًا لنظام ديبي على أمل الحصول على دعم من فرنسا، التي تدخلت في مناسبات عدَّة لدعم ديبي ضد التمرد المسلح.

Embed from Getty Images

وتشكيل مجلس عسكري انتقالي وتعليق الدستور يضع نجامينا فعليًّا تحت حكم عسكري، وهو ما يمنح الجيش مساحة أكبر في التعامل مع التهديدات التي تستهدف العاصمة إذا ما وصل متمردو جبهة التغيير والوفاق إلى هذا الحد. وتشير حقيقة أن المجلس يتكون من مسؤولين عسكريين رفيعي المستوى عيَّنهم ديبي ومنحازين إلى مجموعته العِرقية، الزغاوة، إلى وجود نية لحماية مصالح الجيش التي يمكن استهدافها في حال أصبحوا خارج السلطة.

الموقف الفرنسي

ورجَّح التقرير أن تنحاز فرنسا إلى المجلس العسكري الانتقالي الجديد في تشاد وتحاول حمايته من الجماعات المتمردة انطلاقًا من مخاوفها من الانهيار الكامل للحكومة. لكن المخاوف الأوسع بشأن قضايا حقوق الإنسان وتعليق الدستور ستُحِد من دعم الدول الغربية الأخرى. وقد كان رد فعل فرنسا على هجوم جبهة التغيير والوفاق ومقتل ديبي خافتًا نسبيًّا حتى الآن. كذلك لم يشن الجيش الفرنسي ضربات جوية ضد جبهة التغيير والوفاق، كما فعل في عام 2019 ضد جماعة مختلفة (كان ذلك بالتنسيق مع الجيش التشادي ضد جماعة مسلحة جاءت من ليبيا وتوغلت في عمق الأراضي التشادية).

وتحاول فرنسا، في إطار إستراتيجيتها لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، تعزيز الدعم الأوروبي والتمويل وعمليات الانتشار في المنطقة ليشاركُوها جزءًا من العبء. ولكن في حين أظهرت باريس استعدادها للتدخل ودعم الحكومات المستبدة في أفريقيا لحماية المصالح الأمنية الفرنسية، فإن بلدانًا أوروبية أخرى تُعطي أولوية أعلى للعواقب الإنسانية.

ورغم ذلك، وبينما تواصل فرنسا مساعيها لإقناع بلدان أوروبية أخرى بالتدخل العسكري في منطقة الساحل، فمن المرجح أن تحاول الضغط على المجلس العسكري التشادي من أجل الحفاظ على الجدول الزمني للانتخابات ومدته 18 شهرًا من أجل استرضاء حلفائها الأوروبيين، لأن عديدًا منهم يرغب في احترام العملية الدستورية في البلاد.

وأضاف التقرير أن الصراع الذي طال أمده مع متمردي جبهة التغيير والوفاق من شأنه أن يجبر الجيش التشادي، الذي يُعد أحد أكثر الجيوش نشاطًا واحترافية في المنطقة، على تقليص وجوده في مبادرة مجموعة دول الساحل الخمس (أسستها موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو في 2014)، الأمر الذي سيدفع فرنسا على الأرجح إلى إعادة تقييم إستراتيجيتها في المنطقة. وعلى أقل تقدير، سيضطر المجلس العسكري الانتقالي إلى إعادة نشر بعض قواته بعيدًا عن بعثة دول الساحل الخمس المدعومة من فرنسا، وذلك بهدف التعامل مع أزمة أمنية ووجودية محلية أكثر إلحاحًا.

Embed from Getty Images

وكانت تشاد من أكبر الدول المُساهِمة في قوة مجموعة دول الساحل الخمس وأعلنت في فبراير (شباط) أنها ستزيد من عمليات الانتشار التي تقوم بها قواتها التي يبلغ قوامها 1200 جندي في منطقة الحدود الثلاثية بين بوركينا فاسو ومالي والنيجر. وسيؤدي تقليص القوات التشادية وتعطيل العمليات العسكرية ضد الجماعات المسلحة إلى تعقيد هدف الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، المتمثل في تقليص وجود فرنسا في منطقة الساحل بحلول عام 2022، وربما يؤدي إلى مزيد من التأخير.

مخاطر إقليمية محتملة

وتطرَّق التقرير إلى مخاطر تقليل أعداد القوات التشادية التي تحارب مختلف فصائل تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا وهو ما من شأنه أن يزيد الرقعة التي ينتشر فيها مقاتلو الدولة الإسلامية في النيجر ونيجيريا والكاميرون. وقد نشط الفصيلان الرئيسان في تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا على نحو خاص في عام 2021؛ إذ اجتاحوا معسكرات عسكرية في شمال غرب نيجيريا.

وفي مناسبات عدَّة، عملت تشاد مع نيجيريا والكاميرون في عمليات نشر مشتركة على الحدود من أجل تحقيق الاستقرار في منطقة بحيرة تشاد. ولكن مع وجود أزمة أكثر خطورة في نجامينا نفسها، فمن غير المرجح أن تعطي تشاد الأولوية للجهود ضد فصائل تنظيم الدولة، والتي لا تزال تشكل تهديدًا وجوديًّا لنيجيريا.

وفي ختام تقريره، يلفت المركز الأمريكي إلى أن الأزمة الداخلية في تشاد تثير أيضًا خطر انتشار العنف في السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى، في ضوء تدخل ديبي التاريخي في المنطقة. ويشهد كل من السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى صراعات أو تحولات سياسية هشة.

وعلاوةً على ذلك، ترتبط مجموعة الزغاوة العِرقية، التي ينتمي إليها ديبي، ارتباطًا وثيقًا بنزاع دارفور تاريخيًّا، ذلك أن موطن الزغاوة التاريخي يمتد بين الجماعات العِرقية في المنطقة، والتي كانت تُستخدَم بوصفها بيادق بين ديبي وحاكم السودان المستبد المخلوع عمر البشير. وتجد بعض الشخصيات السودانية التي تحالفت مع ديبي نفسها الآن تلعب أدوارًا بارزة في العملية الانتقالية السودانية الدقيقة التي يمكن أن تتأثر بما يحدث، وذلك اعتمادًا على كيفية تطور الأزمة السياسية في السودان.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد