قال الكاتب روبرت ماكي في مقاله على موقع «ذي إنترسبت»: إذا كنت تتابع باهتمام الحرب الكلامية حول ما إذا كانت الحكومة السورية قد استخدمت الغاز السام في هجومها الأخير على مدينة دوما، فمن الممكن أن نكتشف ذلك من أصداء نزاع مشابه حدث خلال حرب أهلية أخرى، منذ عقود. يشير ماكي إلى الحرب الأهلية الإسبانية التي اندلعت عام 1936، بعد أن انقلب القوميون بواسطة الجيش بقيادة فرانكو على الحكومة اليسارية المُنتخبة.

في الأيام التي تلت إلقاء قنابل حارقة على بلدة جرنيكا الباسكية غير المحمية بقوات عسكرية، في 26 أبريل (نيسان) 1937، لفتت الحكومة الإسبانية المحاصَرة انتباه العالم إلى فظائع غير مسبوقة في ذلك الوقت، إذ قصفت طائرات هتلر وموسوليني مدينة جرنيكا لأكثر من ثلاث ساعات، من أجل دعم حليفهم الفاشي، الجنرال فرانسيسكو فرانكو.

وفي غضون 24 ساعة، لفت المدون جوي أيوب في حديث حول سوريا مؤخرًا إلى أحداث تلك الحرب الأهلية، قائلاً: «عرض المتحدثون باسم المجلس العسكري المتمرّد الذي يرأسه فرانكو تفسيرًا مختلفًا للهجوم؛ وقال الفاشيون إن جرنيكا لم تُقصَف إطلاقًا، لكن أعداءهم (بإقليم الباسك) أشعلوا النار أثناء انسحابهم كجزء من مؤامرة لحشد التعاطف الدولي».

كيف حاول إعلاميو فرانكو التشكيك في المسؤول عن إبادة جرنيكا؟

الطريقة التي حاول بها إعلاميو فرانكو زرع الشكوك حول المسئول عن إبادة جرنيكا، لها صدى واضح اليوم، إذ يتكتم المسؤولون السوريون والروس على الهجوم الكيميائي المشبوه الشهر الماضي في دوما، ويثيرون حوله أجواء ضبابية. جزء أساسي من الجهود السورية والروسية يتمثل في منع خروج التقارير المستقلة من موقع الهجوم، وعرض التقارير الواردة من المنظمات الإخبارية التي تديرها الدولة، وشهادات الشهود الذين يتحدثون أثناء وجود المسؤولين الحكوميين.

طائرة نازية

ويلفت الكاتب إلى أن التقارير الأولى عن قصف جرنيكا كانت على النقيض من ذلك، إذ زار أربعة مراسلين أجانب المدينة، بينما كانت ما تزال مشتعلة، وقضوا ساعات في مقابلة الشهود وتقييم الأدلة المادية. وأذهلت تقاريرهم الجمهور العالمي، وخصوصًا تقرير جورج ستير، مراسل صحيفة «تايمز أوف لندن»، الذي أعيد طبعه على الصفحة الأولى لصحيفة «نيويورك تايمز» في 28 أبريل 1937.

وكتب ستير عن الغارة، وحجم الدمار الذي أحدثته قائلاً: «إن الغارة على جرنيكا لا مثيل لها في التاريخ العسكري؛ فجرنيكا لم تكن هدفًا عسكريًّا؛ وكان هناك مصنع لإنتاج مواد حربية خارج البلدة ولم يمسه أحد؛ وكذلك كان هناك ثكنتان على بُعد مسافة من المدينة». وأضاف ستير: «كان هدف القصف على ما يبدو إحباط المدنيين وتدمير مهد الباسكيين؛ فالمدينة بأكملها، التي يبلغ عدد سكانها سبعة آلاف نسمة، بالإضافة إلى ثلاثة آلاف لاجئ، قُصفت ببطء وبصورة منتظمة».

مع أن تقرير ستير الذي ألهم بابلو بيكاسو لبدء العمل على لوحته حول المجزرة كان دقيقًا تمامًا، عرض المكتب الصحافي لفرانكو رواية مضادة، في بيان بعنوان «أكاذيب، أكاذيب، أكاذيب». (الكاتب يلمح ضمنيًا إلى الشبه بين خطاب فرانكو وخطاب ترامب)، قالوا إن رئيس الباسك، خوسيه أنطونيو أجيري، كان يحاول إلقاء مسئولية الحرائق التي أشعلتها قواته على القوات الجوية الفاشية.

وبعد ثلاثة أيام من الهجوم، عندما سقطت جرنيكا في أيدي الفاشيين، قال ويليام كارني، مراسل صحيفة نيويورك تايمز الذي كان يعمل من وراء خطوط فاشية، «إن الجدل ظل مستمرًا حول هوية المسئول عن تدمير عاصمة الباسك القديمة: القاذفات الألمانية التي تساعد الجنرال فرانكو أم الأناركيين». وأضاف كارني: «يتهم المجلس العسكري بقيادة فرانكو العدو المُتراجع بنسف مدينة جرنيكا بالديناميت قبل التخلي عنها».

ونقل المراسل عن بث إذاعي فاشي أُذيع على مكبرات الصوت في المناطق التي كانت تحت سيطرة فرانكو: «السجناء الذين أخذناهم في اليومين السابقين سيشهدون أنهم رأوا جرنيكا تحترق بعد إخلائها، وسنأخذ الصحافيين الأجانب لرؤية أنقاض المدينة عندما تسنح الفرصة».

لوحة بيكاسو «جرنيكا»

وأعقب تقرير كارني، تقرير غير موقع يلخص رد فعل صحيفة ملحقة بوزارة الخارجية النازية في برلين، وصف التقارير التي قالت إن الطائرات الألمانية شاركت في قصف جرنيكا بالكاذبة. كما أضافت الصحيفة النازية تنويهًا لتحويل الانتباه عن الأمر، وقالت «نذكّر العالم، وخاصة بريطانيا، بأن القصف الجوي استُخدم بحرية في شمال الهند وعدن».

ثم أضافت الصحيفة الألمانية أنه «ينبغي لوم ما تُسمَّى منظمات «الباسك الأحمر» الموجودة في أنحاء بلباو على نشرهم تقارير كاذبة لجذب التعاطف الأجنبي».

وفي 30 أبريل 1937، نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقرير كارني إلى جانب تقرير مغاير وجديد لجورج ستير، أشار فيه ستير – من خلف خطوط الحكومة في بلباو– إلى أن القنابل الحارقة التي تحمل علامات صناعية ألمانية، كالتي رآها في جرنيكا، قد استُخدمت مرة أخرى في قصف مدينة جلْدَسانو.

وتابع ستير قائلاً إن التكتيك الألماني الجديد المنطوي على قصف مدن إقليم الباسك بقنابل حارقة لإرهاب المدنيين كان مصحوبًا «بجهود أخرى – متمثلة في نشر الأخبار الكاذبة لتخفيف الأثر السيئ الذي سيخلّفه لا محالة هذا التكتيك العسكري على الرأي العام الأجنبي».

ويقول الكاتب إنه بعد ثمانية أيام من الهجوم، وبعد أن أزالت القوات الفاشية المحتلة لجرنيكا الأدلة على وجود أسلحة ألمانية، وملأت التجاويف والحفر التي خلّفها القصف، اصطُحِب الصحافيون الأجانب في جولة إعلامية موجَّهة حول المدينة. ومثل بعض الصحافيين الغربيين الذين أُخِذوا الشهر الماضي إلى دوما تحت حراسة الجيش الروسي، وصف كثير من الصحافيين الذين زاروا جرنيكا مع الإسبان الفاشيين في 1937 سبب دمار المدينة في تقاريرهم بأنه قد يكون لغزًا لا يمكن حله.

ويستطرد كاتب المقال قائلاً إن جيمس هولبرن، مراسل صحيفة «تايمز أوف لندن» الذي كان مصاحبًا للقوات الفاشية، قد ذكر في تقريره بعد الجولة الصحافية التي نظمها الفاشيون حول جرنيكا أنه كان عاجزًا عن العثور على علامات القصف الشديد هناك، ولام الحريق على معظم الخراب الذي لحق بالمدينة. وقد بدا على هولبرن أنه لا يعلم ما ذكره زميله ستير: وهو أن الطيارين الألمان والطليان الذين دمروا المدينة قد أسقطوا عددًا كبيرًا من القنابل الحارقة، إلا أن العديد منها لم ينفجر، وقد رآها ستير وثلاثة صحافيين آخرون – في جرنيكا في ليلة الهجوم– تحمل علامات صناعية ألمانية.

ثم يشير الكاتب إلى اعتراف هولبرن بعد ذلك بأن قدرًا كبيرًا من المعلومات الواردة في تقريره، والتي أثارت الشكوك حول الأدلة المادية على القصف، كان مصدرها رئيس لجنة المهندسين المدنيين، التي عينها فرانكو لتجري تحقيقًا هزليًّا حول أسباب دمار جرنيكا.

ويقول الكاتب إنه عندما أعيد نشر تقرير هولبرن في صحيفة «نيويورك تايمز» يوم 5 مايو (أيار) 1937، كان مصحوبًا بتقرير آخر تحت عنوان «غياب أدلة القصف» كتبه كارني، الذي كتب قبله بأيام قليلة التقرير الذي ردد دون تمحيص الادعاءات الفاشية بخصوص قصف جرنيكا. وقد أورد كارني في تقريره الجديد الذي كتبه من جرنيكا، التي وصلها أخيرًا، أنه «وجد أن معظم الدمار هنا ربما كان نتيجة الحرائق والديناميت كما يدّعي القوميون؛ لأن جدران العديد من المباني التي انهارت سقوفها كانت ما تزال قائمة، مع أن القنابل الضخمة التي تُلقى من الطائرات لا تصنع تجويفات في المباني، بينما تترك الجدران الأربعة قائمة».

هتلر على يسار الصورة بجانب فرانكو على يمين الصورة

وفي اليوم نفسه، أتبعت صحيفة «نيويرك تايمز» تقريري هولبرن وكارني مباشرةً بتفنيد صريح وواضح للرواية الدعائية الفاشية كتبه ستير. وقد بدأ ستير تقريره مؤكدًا أن «البيان الذي أصدرته قيادة القوميين (جماعة فرانكو المتمردة) بأن جرنيكا دُمِّرت بسبب (قنابل حارقة تابعة للحُمر) هو بيان كاذب».

وبعد سرد شهادة قس كاثوليكي، تحول ستير إلى وصف «الدليل المباشر على تدمير جرنيكا بسبب القصف الجوي» بناءً على ما شاهده هناك شخصيًّا بعد ساعات فقط من الهجوم.

وتابع ستير –بحسب الكاتب– قائلًا إنه «رأى أشجارًا مقطعة وأوراق أشجار ممزقة بفعل شظايا القنابل، ولقد جمعت العديد من هذه الشظايا، وهي مصنوعة من المعدن نفسه التي صُنعت منه القنابل التي استخدمها الطيران الألماني الموالي للمتمردين مؤخرًا على جبهة القتال. وقد التقط زميل صحافي معي ثلاث قنابل حارقة، كلها ألمانية، مصنوعة في عام 1936، وقد أرسل إحداها إلى لندن القنصل البريطاني».

ويضيف الكاتب أن المسؤولين الإعلاميين لفرانكو قد استمروا في إصرارهم على أن الباسكيين هم من أحرقوا جرنيكا، وليس -كما هو معروف الآن– فيلق كوندور التابع لسلاح جو ألمانيا النازية. ومع ذلك، ازدادت صعوبة الحفاظ على هذه الرواية الخيالية بعد أن أحكم حلفاء الفاشيين سيطرتهم على شمال إسبانيا في صيف عام 1937.

لقد قصفناها وقصفناها وقصفناها.. ولمَ لا؟!

ويورد الكاتب نقلًا عن فيرجينيا كاولز، الصحافية الأمريكية في صحيفة «صنداي تايمز»، ما كتبته في مذكراتها من أن إجناسيو روساليس –وهو مليونير فاشي ومسؤول إعلامي متطوع لدى فرانكو– قد اصطحبها في رحلة إلى جرنيكا في شهر أغسطس (آب) من ذلك العام.

وكتبت كاولز –بحسب الكاتب– بعد ذلك في مذكراتها: وصلنا جرنيكا لنجدها فوضى موحشة من الخشب والطوب، كحضارة قديمة أثناء عملية التنقيب عنها. كان هناك ثلاثة أو أربعة أشخاص فقط في الشوارع. وكان هناك رجل مسن يقف داخل عمارة سكنية لها أربعة جدران؛ لكن لم يكن بداخلها سوى بحر من الطوب. كانت مهمته إزالة الحطام، وبدا أنها ستستغرق حياته بأكملها؛ فمع كل طوبة يلقيها من فوق كتفه، كان يقف ليمسح جبينه. ذهبتُ إليه بصحبة روساليس وسألته عما إذا كان موجودًا في المدينة أثناء تدميرها. أومأ برأسه بالإيجاب، وعندما سألته عما حدث، لوح بذراعيه في الهواء وصرح بأن السماء كانت سوداء بسبب الطائرات، وقال: «طائرات ألمانية وإيطالية» فبُهِت روساليس، ثم عارضه بحماس قائلًا: إن «جرنيكا قد أُحرِقت». ومع ذلك، تمسك الرجل المسن بموقفه، مؤكدًا أنه بعد أربع ساعات من القصف لم يبق سوى القليل لإحراقه. أخذني روساليس بعيدًا وعلّل ساخطًا: «إنه من الحُمر».

ويختتم الكاتب مقاله قائلًا: ذكرت كاولز أنه بعد زيارتهما إلى جرنيكا، أخبر روساليس ضابط ركن (رتبة عسكرية) لدى قائد جيش فرانكو الشمالي بأن سكان المدينة «حاولوا إخبارنا أنها قُصِفت ولم تُحرَق». فأذهله ضابط الركن طويل القامة برده: «بالطبع قُصِفت، لقد قصفناها وقصفناها وقصفناها، ولِمَ لا؟».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد