60,655

كتب الصحافي الهولندي هينك فان إس*، المتخصص في البحث على الإنترنت وأدوات التحقُّق من صحة المعلومات، مقالًا على مدوَّنته بموقع Medium، عن تجربة صحافية مميَّزة للتحقُّق من الفيديو الذي نشرته صحيفة التليجراف البريطانية، يزعم العثور على قاذفة صواريخ في مكانٍ بالقرب من مطار القاهرة في مصر. فكيف تساعد أدوات التحقُّق في هذه المهمة؟ وما النتيجة التي توصَّلت إليها مجموعة البحث؟

يروي لنا هينك القصَّة التي نترجمها بإذنٍ منه:

تعجَّب ضابط المرور المصري حينما رأى قاذفة صواريخ محمولة ملقاة على كومة قاذورات بالقرب من مطار القاهرة. انتشرت القصة انتشار النار في الهشيم هذا الأسبوع. لم تؤكد الحكومة القصة، بينما أنكرتها بعض الصحف. ذهبت مع تلاميذي في أكاديمية أكسل سبرينجر في برلين، وشبكة بلينجكات (Bellingcat) وآخرين إلى خنادق معركة معلومات صرفة، وعدنا منها أحياء، لنجلب لكم هذا الدليل الإرشادي لكيفية فضح الأكاذيب.

كان إبراهيم يسري متجهًا إلى عمله في القاهرة، عندما صدم لرؤية نظام سلاح مضاد للطائرات. كانت قاذفة صواريخ محمولة ملقاة على كومة من القمامة بالقرب من المطار، فاتصل بالشرطة.

جاء ضباط من الإدارة العامة للمرور، وقرروا أنَّ هذا ليس المكان المناسب لقاذفة صواريخ محمولة، ومن ثم أزالوها. نشر يسري فيديو لاكتشافه على موقع فيسبوك، السبت الماضي. انتشرت القصة انتشارًا كبيرًا في مصر بعد أن نشرتها صحيفة التليجراف البريطانية، مع أنَّ الصحيفة لم تستطع تأكيد القصة بنسبة 100٪.

قال أحد الخبراء إنَّ من المحال معرفة إذا ما كان السلاح حقيقيًّا من مجرد النظر إلى صورة منشورة على وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي، لكنَّ ما في الصورة يبدو شبيهًا بـSA-7b، وهو سلاح محمول شائع مضاد للطائرات.

بعد ذلك ذكرت صحيفة الوطن المصرية الموالية للحكومة أنَّ هذا الأمر خطأ مهني فاضح. ذلك أنهم وجدوا رابطًا للفيديو ذاته، يعود تاريخية إلى الثامن من شهر فبراير (شباط) 2011. بدت القصة برمتها وهمية. هذا الفيديو عمره ستة أعوام! هل يستطيع يسري أن يعلق على هذا الأمر؟ لا. فقد كتب يسري: «الصيد في المياه العكرة ليس أسلوبي. كان هدفي أن أعلم السلطات. تواصلت مع مسؤول في القوات المسلحة. وغيرت إعدادات خصوصية الفيديو المنشور على صفحتي من عام إلى متاح للأصدقاء فقط». حذف مصمم المواقع الفيديو في نفس اليوم الذي حاولت فيه الصحيفة المصرية تفنيد قصته. ثم حذف حسابه على موقع فيسبوك بالكامل ليلة أمس. بعد نشر الفيديو والصور على وسائل التواصل الاجتماعي، تدخَّل الجيش فأصدر أمرًا بحذفه من وسائل الإعلام. وهكذا انتهت القصة.

ومن هنا تبدأ قصتنا. كيف يمكنك تعيين تاريخ قاذفة صواريخ غامضة دون أن تكون هناك فعليًّا؟ كيف تفرق بين الصواب والخطأ؟

قام كل من كريستيان تريبرت من وكالة بلينجكات، وهينك فان إس (كاتب هذه المقال)، وطلابي من أكاديمية أكسل سبرينجر في برلين، ومختار عوض، زميل باحث في برنامج شؤون التطرف، ببحث استقصائي استغرق 24 ساعة. تعال معنا، وعش رحلتنا، واستمتع بالنتيجة: دليل إرشادي لتقصي الحقائق.

التحقق من المصدر

1. الفحص المزدوج عبر جوجل:

كان مصدر المادة فيديو منشورًا على فيسبوك من إبراهيم يسري، الذي حذف حسابه بعد انتشار الفيديو. ما العمل الآن؟ إنَّ رقم الـID للحساب المحذوف هو 100000476775077. إليك طريقة سؤال جوجل على هذا الرقم، لكن في فيسبوك فحسب (1):

لم تكن هناك أية ذاكرة مخبأة لهذه الصفحة. الضغط على الرابط الموجود يؤدي إلى خطأ. ولم تكن هناك أية نسخة في أرشيف الإنترنت. سوف يرى المتحدثون بالعربية اسمًا في (2). نسخنا هذا الاسم إلى (ترجمة جوجل) وهناك وجدنا من نبحث عنه: إبراهيم يسري.

2. حيلة سكايب

كان عندي دليلٌ قوي يقود إلى عنوان البريد الإلكتروني هذا، لكنني لم أكن متأكدًا. كتبت تخميني مباشرة إلى سكايب كما هو موضَّح بالصورة أدناه. اضغط على إضافة جهة اتصال (1)، واكتب البريد الإلكتروني (2)، ثم انظر إذا ما ظهر شيء ما (3). تطابق الاسم الظاهر في النتيجة مع اسم إبراهيم يسري.

3. تحديد الموقع على سكايب

لقد تأكدنا الآن من هوية الشخص، لكن ماذا عن مكانه؟ هناك عنوان ادعاه إبراهيم لنفسه. من الصعب إيجاد هذا العنوان، إذ لو ضغطت على (3) في الصورة الماضية، لن يحدث شيء. ينبغي لك أن تفعل ما يلي أولاً:

والآن، أصبح البروفايل ظاهرًا بالكامل.

اضغط على الموقع (location) وسوف تحصل على الصورة التالية:

نحن الآن متأكدون من البريد الإلكتروني (ماذا) وربطناه بشخص (من) وموقع مُحتَمَل (أين) وتمكَّنا من الوصول إلى جزءٍ من حساب فيسبوك المحذوف (متى). ليس هذا سيئاً كبداية. ثمَّة احتمالٌ قويٌ لأن يكون الرجل الذي نبحث عنه حقيقيًا.

4. هل وجدتَ شيئًا؟ تخلَّص من مصادرك

لقد استخدم إبراهيم الاسم المستعار hemavb6 على كل من فيسبوك وتويتر.

هذه حيلة مهمة، على بساطتها، أستخدمها يوميًّا. هل وجدت شيئًا مثيرًا للاهتمام؟ عظيم، الآن تخلص من مصادر الحقائق المثيرة للاهتمام تلك؛ فأنت تريد الوصول إلى معلومات مجهولة بالنسبة لك. هذا هو ما أعنيه:

بسبب هذه الحيلة الصغيرة، عرفنا مهنة إبراهيم.

5. معرفة تواريخ النشر على فيسبوك

بعد أن حذف صاحبنا الفيديو، ظهر هنا فجأة، لكنَّ التاريخ كان خطأً بالكامل. كان تاريخ الفيديو 2011، لا 2017.

والآن اضغط على رمز الساعة الصغير:

أين الحقيقة؟ من الواضح أنه لا يمكن أن يكون التاريخان صحيحين في الوقت ذاته. فلنضع فرضيات لهذا الأمر:

هل الفيديو يعود إلى عام 2011، لكنه نشر الآن فقط؟

أم أنَّ الفيديو قد التقط الآن، لكن عزي إلى عام 2011؟

من الطرق الجيدة لوضع أيدينا على تلك المشكلة أن ننزل قليلاً في الخط الزمني لحساب فيسبوك:

عادة ما يكون أول منشور لأي حساب جديد على فيسبوك (انظر الجزء المظلل بالأصفر) هو صورة البروفايل (المحدثة) نزولاً في الخط الزمني للحساب. هنا، نجد الصورة متبوعة بالفيديو (الأحمر).

يبدو أنه ليس ثمة منشورات عامة في الفترة من 2011 حتى 2014.

وفي غضون ذلك.. في خنادق الحرب المعلوماتية:

بحث مختار عوض بنفسه، وكتب تغريدة على موقع تويتر تتحدث حول ذلك الأمر. لم يقتنع عوض بتفنيد الصحف الحكومية وهوجم من قبل «جيش من المتصيدين» الذين اتهموه باختلاق القصة، وأنه هو من ضلل التليجراف.

وأخبرني عوض أنه متهم «بالحديث مع مراسلين أجانب. وأنني (أتعاون) بمحض إرادتي مع الأجانب ضد بلدهم عن طريق نشر هذه القصة الكاذبة». وهذه تهمة خطيرة في مصر. وشرحت مذيعة في الراديو، ومقدمة برامج تلفزيونية مصرية السبب الذي من أجله تريد وسائل الإعلام الموالية للحكومة إنهاء هذه القصة:

6. تحديد المكان والزمان

فحصت، مع تلاميذي من برلين، الفيديو مرة أخرى هذا الصباح. فحص الصحافي الطموح المتخصص في مجال السيارات، روبن كيتلمان، كل سيارة استطاع رؤيتها في الفيديو على أمل أن يجد بعضها أنتجت في أحد الأعوام بعد 2011، ليثبت بذلك أنَّ الفائز في هذه الحرب المعلوماتية هو مصمم المواقع، لا المسؤولون المصريون. لكنَّ كل السيارات كانت من إنتاج عام 2011، أو قبل ذلك.

اقترحت سورين هابرلاندت أن نقوم بعمل فحص لحالة الجو بالقرب من مطار القاهرة لكلا التاريخين في عامي 2011 و2017. لسوء الحظ، فالجو مشمس دائمًا في مصر.

حلل آخرون «التذبذب» البادي في الفيديو، والذي رجح كفة أن يكون قد التقط من كاميرا قديمة لكن لم يصلوا إلى أي شيء قاطع.

هناك مفتاح كبير لحل هذا اللغز في الصورة التالية، حيث نجد ضابط المرور يحمل هاتفًا. أي هاتف يحتوي على ثلاثة ثقوب أفقية في غلافه؟ أحد المرشحين المرجحين لذلك الأمر هو هاتف سامسونج S3.

وما هو تاريخ إنتاج هاتف سامسونج S3؟

وقد كانت السترات الصفراء التي يرتديها رجال شرطة المرور في الفيديو مُحيِّرةً أيضًا؛ فقد جرى استخدامها رسميًا في عام 2012. وأيضا وجود حزمة البطاريات الارتجالية يُشير إلى أن الفيديو أحدث من عام 2011، لأنَّ الأدلة المُتاحة تقول إنَّ هذه الحزمة قد صُنعِت للمرة الأولى (في سوريا) بين عامي 202 و2013.

من الواضح أنَّ هذا سبب كافٍ للاستمرار في عملية التحقق تلك. وهنا يأتي دور تحديد المكان جغرافيًّا.

7. فن تحديد المواقع

أحب هذا البرنامج الصغير الذي يمكنك من خلاله أن تُحوِّل صورة مهزوزة من فيديو أخذ بكاميرا مهزوزة إلى صورة بانورامية لطيفة، تصلح لأن تكون بداية رحلة مثمرة خلال تطبيق جوجل إيرث. تلك هي الطريقة التي يعمل بها عادة مركز بلينجكات. وضع تيمي ألين لقطات من الفيديو في ذلك البرنامج، ووصل إلى تلك النتيجة:

والآن صارت عندنا فكرة أفضل عن المكان. هناك مبانٍ إلى اليسار، وشقة، وطريق، وبعض القمامة، وعلى اليمين نجد بداية طريق سريع. وبإمكانك أيضًا أن ترى، جزئيًّا، إحدى اللافتات.

كل ما أنت بحاجة إليه الآن كوب من القهوة، وغرفة هادئة، وإنترنت سريع، وتطبيق جوجل إيرث. الآن، حان دور كريستيان تريبرت للعمل في تحقيقنا الصغير. طلبت من كريستيان أن يصف ما جرى في هذه الغرفة في العشرين دقيقة التالية. قال كريستيان:

«لأكون صريحًا معكم، كان هذا الفيديو صعبًا في تحديد موقعه. كان أول ما فعلته أنني بحثت عن المكان المحتمل للادعاء، في هذه الحالة بالقرب من مطار القاهرة الدولي. بعد ذلك، من المنطقي أن نبدأ بالمنطقة المحيطة بالمطار. هل هناك أي كلمات عربية قد تعطينا مزيدًا من التفاصيل عن الموقع؟ لا. هل هناك أدلة بصرية؟ نعم: برج، ومبنى، وطريق. ليست هذه الأدلة معالم ضخمة كبرج إيفل مثلاً، لكنها بداية لا بأس بها. لم يحالفنا الحظ في إيجاد برج مشابه بالقرب من المطار على تطبيق موقع بانوراميو ما الذي يمكنني أن أفعله أيضًا لأضيق دائرة البحث؟ قال أحد الأشخاص على تويتر إنَّ هذا الفيديو لا بد أنه التقط بالقرب من الطريق الدائري. حاولت ذلك.. وحالفني الحظ! كل مبنى في الصورة، والطريق، والحائط، والبوابتين، والمبنى الشبيه بالسوق، والبرج، كل ذلك وجدته في صور الأقمار الصناعية. هذا أسلوب متقدم لتحديد الموقع، وفكرته ببساطة أن تنظر في الكثير من الشوارع والمباني المختلفة حتى تجد ما تظنه يشبه ما تبحث عنه. وهو ما حدث في هذه الحالة، وكان هذا بالفعل هو الموقع الصحيح».

الخطوة التالية أن أتخلص من مخزون الصور في تطبيق جوجل إيرث؛ لأنها صور ثابتة من وقت محدد، وأنا أريد أن أختار التوقيت والمكان الذي التقطت فيه الصورة، وهنا يأتي دور موقع تيراسرفر، نزّل كريستيان صورًا للتواريخ التالية:

الجزء الشمالي من المبنى لم يكن قد انتهى قبل تاريخ 13-08-2016. لذا فلا يمكن أن يكون الفيديو قد التقط قبل ذلك. لا يمكن أن يكون قد التقط عام 2011. هذا الفيديو ليس أقدم من 6 شهور. وبينما كنت أعمل مع طلابي في برلين، طلبت من كريستيان أن يقارن الصور أيضًا بصور من عام 2011.

هذا هو الدليل القاطع: إنَّ المبنى الذي صوره إبراهيم يسري لم يكن موجودًا في 2011. لذا فلا يمكن أن يكون الفيديو قد التقط عام 2011. إنَّ التفنيد الذي قامت به وسائل الإعلام المصرية لم يكن مبنيًا على حقائق.

واستمرت حرب المعلومات

سألت، على سبيل الفضول، إن كانت المذيعة المصرية، داليا، قد قرأت المقال. أجابت داليا بالإيجاب، ولكنها قالت: «أنا ما زلت عند رأيي أن هذه مسألة أمن قومي».

أخبرتني: «أنا مؤيدة لمصر». إنَّ نقل هذه الحادثة دون مباركة من المسؤولين هو ضربٌ من المستحيل بالنسبة لها.

بعد فترة وجيزة من نشر هذا المقال، تواصل معي أكثر من 30 متصيدًا مجهولًا عبر تويتر. كلُّهم طرحوا الحُجَّة نفسها: فيسبوك ليس وسيلة جادةً للبحث، وتساءلوا: أين دليلك؟

فقمت بالتحقيق في الأمر لأرى إن هناك نمطٌ يُمكن اكتشافه في صوت المواطنين الشرفاء الغاضب هذا، والذي يُحتَمَل أنَّه موجَّه.

داخل خنادق معركة المعلومات الصغيرة هذه يعيش أشخاصٌ مُتعلِّمون تعليمًا جيدًا. لقد تمكَّنت من توثيق 24 من هؤلاء المتصيدين المجهولين؛ وجدت أسماءهم الكاملة، وأرقام هواتفهم، وعناوين البريد الإلكتروني الخاصة بهم، وما هي وظائفهم في الواقع. إنَّ معظمهم من المثقفين الذين يعملون بوظائف جيدة.

فكيف استطعت الوصول إلى هذه المعلومات؟ أتمكن من القيام بذلك؟ وجدتها عن طريق.. تمهَّل قليلًا، تلك قصة أخرى… لحرب معلومات أخرى.

تساءل وليد: «يا ترى كم عامًا تستحق السجن لو نشرت هذا النصب في بلدك؟ أنا فقط أتساءل».

التقطتُ الطعم وأجبته قائلاً: «في بلدنا لو نشرنا ذلك فإننا نحصل على جائزة صحافية، لا السجن».

وهذا هو وليد الذي يعمل بوظيفة رائعة:

*تمَّ تحديث الترجمة بتاريخ 24 فبراير (شباط) بعد تحديث المقال الأصلي بطلبٍ من الكاتب.

*هينك فان إس صحفي هولندي المولد، يُدرِّس مهارات البحث على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي والوسائط المتعددة. يسافر هينك، المُدرِّب والمُحاضر الزائر، عبر أوروبا ليعقد ورش عمل لمهارات البحث على الإنترنت

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك