قد تبدي الشعوب في الديمقراطيات الغربية شكوكها بشأن الكثير من الأمور، ولكن هذا الأمر لا ينسحب على اتفاقهم على أن شخص واحد، صوت واحد هو وسيلة جيدة لاختيار الحكومات. هذا جزء من الإيمان. أي اقتراح على العكس من ذلك هو أمر مروع.

دانيال بيل، في كتابه الجديد «نموذج الصين: الجدارة السياسية وحدود الديمقراطية»، يجرؤ على القول بأن نسخة الكمال من الاستبداد الصيني ليست مجرد بديل قابل للتطبيق للقاعدة الغربية، ولكنها في الواقع قد تكون الأفضل، وربما ليس فقط بالنسبة للصين.

أنا غير مقتنع ولكن (مثل جدعون راتشمان، الذي استعرض الكتاب لصحيفة فايننشال تايمز) أنا معجب بالكتاب الذي جعلني أفكر. بيل، أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة تشينغهوا في بكين، كتب دراسة رائعة. سيجد القراء المنفتحون أن بيل أعد لهم فهمًا أكثر ذكاء للسياسة الصينية، وليس أقل قيمة، أجبرهم على دراسة ولائهم للديمقراطية.

بيل يبدأ بالتفكير في ملاحظة ونستون تشرشل، «إن الديمقراطية هي أسوأ أشكال الحكم، باستثناء جميع الأشكال الأخرى التي تم تجربتها من وقت لآخر.» في الغرب، يجري التعرف على عيوب الديمقراطية القائمة، ومع ذلك، يتم رفض فكرة أن أي شيء آخر قد يكون أفضل، باعتبارها فكرة لا يمكن تصورها. بالنسبة لبيل، هذا هو اللغز.

ما يجعل منه لغزًا خاصًا، في رأيه، هو النجاح الاقتصادي المذهل الذي حققته بعض البلدان غير الديمقراطية – سنغافورة والصين في العقود الأخيرة – بيل يتذكر قاعدة نُقلت كثيرًا عن أمارتيا سين وهي أن المجاعات لا تحدث في الديمقراطيات. الصين، كما يشير بيل، لم تستأصل فقط المجاعة، وإنما لديها سجل أفضل بكثير فيما يتعلق بمعالجة سوء التغذية بدرجة أكبر من الهند الديمقراطية.

هذا ما كان يهدف إلى إثباته. وهو يقارن، بطريقة متوازنة، نقاط القوة والضعف في الديمقراطية الغربية وحكم الحزب الواحد في الصين. الكتاب يركز على قضية رئيسية واحدة: كيف تختار الأنظمة قادتها السياسيين.

وفي هذا الصدد تسائل بيل عن أي من الأنظمة التي من المتوقع أن تؤدي على نحو أفضل، اختيار صارم على أساس الجدارة، أو الأصوات التي أدلى بها ناخبون لا يعرفون ماذا يفعلون؟

بيل يفضل الجدارة. هو يفسر نظام الصين المحكم لاختيار وتشجيع المسؤولين، ويعزوه إلى تقليد طويل من الكونفوشيوسية السياسية، ويجادل لشرعيته، ويرجع نجاح الاقتصاد المذهل في جزء كبير منه إلى هذا الأسلوب.

إنه غير متحيز حول العيوب، الجدارة السياسية عرضة للفساد والرضا عن النفس، و الصين كان لديها الكثير من كليهما على حد سواء. يناقش بيل باستفاضة ما يتعين على الصين القيام به لتحسين نظامها. لكن مبدأ الجدارة السياسية ليس خاطئًا، ويخلص إلى أن هذا المبدأ هو النموذج الأكثر ملاءمة بالنسبة للصين من السياسة الانتخابية الغربية، وهناك الكثير مما يمكن للغرب أن يتعلمه من فهم كيفية عمل ذلك المبدأ.

وأنا أتفق مع هذه النقطة الأخيرة. يمكن للحكومة أن تكون جيدة أو سيئة، مع أو بدون شخص واحد، صوت واحد. للعمل بشكل جيد، الديمقراطية تحتاج الى أكثر من امتياز عالمي: إنها تحتاج أيضًا القوى المقسمة والجهاز الدستوري الذي يضع الناس القادرين في السلطة في مستويات مختلفة من الحكومة وينظم أداءها. الديمقراطيات، بعبارة أخرى، تحتاج أيضًا إلى أن تكون جديرة بما فيه الكفاية. احتقار الغرب للنظام الصيني لا يأتي فقط بنتائج عكسية (لأنه يلهب الشوفينية المعادية للغرب)، بل أيضًا يشجع على الكسل والخمول. الأنظمة تواجه تحديات مشتركة. شاهد وتعلم.

في نقاط أخرى، هو غير مقتنع. يناقش بيل صعوبات اختيار الجدارة، ولكنه يقلل من حجم المشكلة. عند أدنى المستويات، تبحث الصين عن ألمع الشباب؛ لأنهم يتحركون لأعلى ويكتسبون الخبرة في الحكومة، كما يواجهون اختبارات صعبة وأكثر تطلبًا. في هذا النظام الدقيق، يلاحظ بيل (نقلًا عن رأسمالي من شنغهاي)، أن شخصًا قليل الخبرة فيما يتعلق بالحكومة مثل باراك أوباما “لن يكون حتى مديرًا لمقاطعة صغيرة.”

قد يبدي بعض الأمريكيين إعجابهم بالنظام الصيني. ولكن قائمة الزعماء الذين لم يصعدوا إلى الدرجة الأولى من سلم الجدارة هي قائمة طويلة. تشرشل لم ينجح في الرياضيات. فرانكلين روزفلت لم يكن نجم الأكاديمية. إبراهام لنكولن ذهب بالكاد إلى المدرسة. عندما يتعلق الأمر بالاعتراف بالقدرة على القيادة، فإن الناخبين ليسوا دائمًا جاهلين.

 

يتعلق بهذه المسألة سؤال حول الهدف الذي يأتي من وراء الحكومة. بيل يتوافق مع الفكرة القائلة بأن الحكومة الجيدة تختص بصياغة وتنفيذ السياسات الصحيحة بموضوعية. ووفقًا لهذا الرأي، ليس هناك حاجة ماسة لإتاحة الخيارات أمام الشعب. ولكن هذا الرأي غير صحيح، لأنه ليس هناك شيء مثل السياسة الموضوعية الصحيحة.

بشكل أساسي، بيل يعطي اهتمامًا قليلا لفكرة أن شخصًا واحدًا، صوت واحد له قيمة ذاتية: إن «المسألة ذات الصلة السياسية هي ما إذا كانت الانتخابات الديمقراطية تؤدي إلى عواقب جيدة». ومع ذلك، وكما يشير، فالناس ليسوا على استعداد للتخلي عن التصويت طالما أُتيحت لهم الفرصة لذلك، وهذا هو الصحيح في مجتمعات شرق آسيا مثل اليابان وتايوان كما هو الحال في الغرب.

ولكن لا تدع هذه الانتقادات تصرفك عن قراءة كتاب «نموذج الصين». فهو ليس فقط لأولئك الذين يريدون أن يفهموا الصين بشكل أفضل. فالكتاب سيدفعك إلى التفكير فيما هو جيد وسيء عن أنظمة الحكم الغربية. من البداية إلى النهاية، الكتاب متعة وتعلم.

 

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد