تسمع بالتأكيد كلمة الشعبوية في وسائل الإعلام كثيرًا هذه الأيام، لكنَّها تُقدّم دون شرحها بافتراض قدرة الجميع على تعريفها.

لكن يرى بيتر بايكر، في تحليله الذي نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية، أنَّ الجميع يُمكنهم تعريف الشعبوية بشكلٍ أسهل عن طريق الإشارة إلى التطوُّرات المُعاصرة التي يُفترض بالشعبوية تفسيرها، مثل انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (البريكسيت)، وتولي ترامب رئاسة أمريكا، وسيطرة فيكتور أوربان على المجر، وصعود جايير بولسونارو إلى السلطة في البرازيل.

بحسب بايكر، تُثير الكلمة مشاعر الاستياء القديمة لدى الشخص العادي، والتي خلقها الساسة ذوو الشخصيات الجذابة بوعودهم المستحيلة.

ويُشبِّه الكاتب في تحليله الشعبوية بأفلام الرعب في كثيرٍ من الأحيان؛ وكأنَّها بكتيريا تسلَّلت بطريقةٍ ما عبر دفاعات الديمقراطية، بمساعدة السياسي الإعلامي ستيف بانون على الأرجح أو غيره ممن يتلاعبون بالجموع، لتُسمِّم الحياة السياسية وتخلق فئاتٍ جديدةٍ من الناخبين الشعبويين. (ويشير الكاتب إلى أنَّ مُعظم الكتابات عن الشعبوية تفترض مسبقًا وجود جمهورٍ غير متعاطفٍ مع الشعبوية).

مترجم: هل تخيم «الشعبوية» على مصر؟

ظهور الكلمة للنور: محاولاتٌ مُبكِّرة لتعريفها

يوضح بايكر أنَّه حين اجتمع المُنظرون السياسيون من مختلف أنحاء العالم داخل كلية لندن للاقتصاد عام 1967 لإجراء أول مؤتمرٍ أكاديميٍ عن الشعبوية، وجدوا صعوبةً في تحديد ما سيتحدثون عنه.

أتت الكلمة حينها من «شعبويي البراري»، وهي حركة قادها الفلاحون الأمريكيون في تسعينيات القرن التاسع عشر، طالبوا فيها بتنظيمٍ أكثر فاعلية للرأسمالية. لكنَّها استخدُمت في وصف مجموعةٍ من الظواهر العريضة والمتنوعة على مدار العقود المتتابعة، بدايةً من مطاردة المكارثيين المُناهضين للشيوعية داخل الولايات المتحدة ووصولًا إلى زعماء أمريكا اللاتينية.

وفي النهاية، فشلت وقائع المؤتمر في توضيح الأزمة التي بين أياديهم، بحسب بايكر. وكُتِب في التقرير الختامي: «لم يعد هناك شكٌ في أهمية الشعبوية حاليًا. لكنَّ توضيح ماهيتها يستعصي على الجميع».

ونحيا الآن في حقبةٍ بدأت خلالها الشبكات المألوفة التي تربط بين المواطنين والأيديولوجيات والأحزاب السياسية في التراخي والتحوُّل، وربما الانهيار، ويُرجِع بايكر الفضل في ذلك بشكلٍ كبيرٍ إلى فشل الحكومات الغربية المستمر في تطبيق أي رؤيةٍ ذات مصداقيةٍ للرخاء والأمن المشترك في الفترة التي أعقبت الحقبة الصناعية.

ونتيجةً لذلك، ستظل الشعبوية سؤالًا يطرح نفسه بقوةٍ على الساحة. وستشهد السنوات القادمة على الأرجح تزايدًا في الحركات التي تُوصف بالشعبوية، والحركات التي تصف نفسها بالشعبوية والحركات التي تنفي عن نفسها صفة الشعبوية، فضلًا عن توسُّع الحوار حول ما إذا كانت الشعبوية تُمثِّل المُشكلة أم حلها.

«واشنطن بوست»: عالم اليوم يشبه عالم ما قبل الحرب العالمية الأولى بشكل مخيف

صورة مشوهة أمام الرأي العام

تنتشر الأصوات البارزة التي تُحذِّر من خطورة الشعبوية، وتُؤكِّد على ضرورة اتِّخاذ خطواتٍ فوريةٍ لمكافحتها. إذ يقضي توني بلير أيامه في إدارة معهد التغيير العالمي الخاص به، والذي ورد على موقعه الإلكتروني أنه أُسِّس «للتصدِّي لمنهج الشعبوية المُدمِّر».

وفي تقريرها العالمي لعام 2018، حذَّرت منظمة هيومان رايتس ووتش ديمقراطيات العالم من «الاستسلام للتحدِّي الشعبوي». وقال باراك أوباما في خطابٍ ألقاه الصيف الماضي إنَّ نهضة «الحركات الشعبوية» ساعدت على إطلاق شرارة ظاهرةٍ عالميةٍ من «سياسات الترهيب والاستياء والخندقة»، التي تُمهِّد الطريق أمام السُلطوية والاستبداد. وأضاف أوباما: «لا أرغب في إثارة القلق، لكنَّني أسرد الحقائق فقط».

تنطوي صياغة الشعبوية بهذا الأسلوب على معنًى ضمنيٍ واضح من وجهة نظر بايكر، ألا وهو حثُّ كل مواطنٍ مسؤولٍ أن يُؤدِّي دوره في المعركة، وأن يتعرَّف إلى الشعبوية حين يراها ويُدرك جاذبيتها (دون أن يسقط فريسةً لها)، ويدعم السياسات التي تتصدَّى للشعبوية من أجل إنقاذ الديمقراطية كما نعرفها. وكتب ياشا مونك، مُناهض الشعبوية البارز الذي عمل مديرًا تنفيذيًّا في معهد توني بلير للتغيير العالمي حتى وقتٍ قريب: «بمكافحة العدوى الحالية، سنتمكَّن من تكوين الأجسام المُضادة التي تُبقينا مُحصَّنين ضد نوبات المرض الشعبوي لعقودٍ قادمة».

لكنَّ بايكر يرى أن تراكم المقالات الافتتاحية وتقارير مراكز الأبحاث المذعورة من التهديد الشعبوي أدَّى إلى إثارة ردود فعلٍ مرتابةٍ من النقاد، الذين باتوا يُشكِّكون علنًا في وجود الشعبوية. وأصبح من المُعتاد الآن مناقشة فكرة عدم وجود شعبويين حقيقيين في السياسة، بل مُجرَّد أشخاصٍ وتصرُّفاتٍ وحركاتٍ تُسيء التيارات السياسية الوسطية فهمها وتخشاها، وترغب في أن يخشاها القارئ أيضًا، دون أن تتكبَّد عناء تفسير السبب. وتُضحي الشعبوية وفقًا لهذه الصياغة أشبه بالبعبع الذي خُلِقَ من العدم بهدف إثارة الخوف.

شقَّت تلك الحجة طريقها إلى التيار الوسطي السائد. إذ كتب روجر كوهين، كاتب أعمدة صحيفة «نيويورك تايمز»، في يوليو (تموز): «دعونا نتخلص من كلمة (شعبوي). لقد أصبحت غامضةً لدرجةٍ فقدت معها معناها، وتحوَّلت إلى كُنيةٍ مُستهلكةٍ عن مختلف تعابير الغضب السياسي. والأسوأ هو كونها مشحونةً بالازدراء المُوجِّه إلى كافة الناخبين الذي قرَّروا أن الأحزاب السياسية السائدة لم تُؤدِّ

دورها في ما يتعلَّق بدخلهم الثابت ووظائفهم المتناقصة وشعورهم بتدهور بلدانهم على مر العقدين الأخيرين».

أدَّى الإفراط في الحديث عن الشعبوية إلى تمويه القضية بحسب بايكر، وأصبح ذلك الحدِّيث مُعبِّرًا عن المُناهضين للشعبوية أكثر من أي أحزابٍ أو ناخبين شعبويين حاليين. لكنَّ مجموعةً صغيرةً من الأكاديميين حاولت دراسة الشعبوية واكتشاف ماهيتها الحقيقية، والدروس التي تُقدِّمها للسياسات الديمقراطية، قبل وقتٍ طويلٍ من تحوُّلها إلى هوسٍ أصاب وسائل الإعلام في مختلف أنحاء العالم، وقبل أن تتحوَّل إلى تفسيرٍ عصريٍ لكل شيء.

خرج الأكاديميون بنقاشٍ يصفه بايكر بالتعقيد وذاتية المرجع، على غرار العديد من النقاشات الأكاديمية التي ستعيش دائمًا وأبدًا في الظل بالنسبة للخطاب الإعلامي والسياسي المُشوَّش. لكنَّ ذلك النقاش ساعد على النظر إلى فكرة الشعبوية بوصفها أكثر من مجرد حكايةٍ خياليةٍ يتداولها الوسطيون.

وبينما تسعى النقاشات الأكاديمية للخروج بتعريفٍ واضحٍ للشعبوية، فإنَّ فهم المشهد الشعبوي يتطلَّب أكثر من مجرد تعريفٍ للكلمة. ويُؤمِن بايكر أنَّنا لن نتمكَّن من الحديث عن الشعبوية دون التطرُّق إلى مفاهيمنا المُتضاربة حول الديمقراطية، وتحديد المعنى الحقيقي لسيادة المواطنين. ويُؤكِّد أنَّ الحوار العام حول التهديد الشعبوي المزعوم لا يتطرَّق إلى أفعال الديمقراطية نفسها إلَّا في ما ندر. ويرى أنَّنا نفترض دون تفكير أن الديمقراطية هي فكرةٌ تشرح نفسها، وأنَّنا نعلم كل شيءٍ عنها بالفعل، ونعتقد أنَّ الديمقراطية في شكلها الغربي الحالي، أي الديمقراطية الليبرالية، هي آخر مراحل التطوُّر السياسي. لكنَّ الشعبوية، بأشكالها المختلفة، تُذكِّرنا أن هذا الاعتقاد هو أبعد ما يكون عن الحقيقة.

كاس مود وتعريف الشعبوية المعاصرة

في عام 2004، نشر عالمٌ سياسيٌ هولنديٌ شابٌ يُدعى كاس مود رسالةً تحت عنوان «The Populist Zeitgeist الشعبوي المُعاصِر». وبحسب بايكر، قدَّمت الرسالة تعريفًا جديدًا وموجزًا للشعبوية، ذلك التعريف الذي أصبح العمود الفقري للدراسات الشعبوية الأكاديمية، وهو المجال الذي لم يكن له وجودٌ في ذلك الوقت.

آمن مود بأنَّ الشعبوية مفهومٌ مُفيدٌ وله معنًى أكثر تحديدًا من الديمقراطية، لكنَّه يُمارس بطريقةٍ كريهةٍ من وجهة نظر الكاتب. وكان مُهتمًا وفقًا لبايكر بتحدِّي فكرتين بديهتين شائعتين عن الشعبوية: إحداهما أنَّها تتميَّز بخطابٍ «يعتمد بالأساس على العاطفة والبساطة»، والأخرى هي أنَّها تتألَّف بشكلٍ أساسيٍ من «سياساتٍ انتهازيةٍ» تهدف إلى «شراء» دعم الناخبين.

ويرى مود أنَّ الشعبوية ليست مجرَّد فكرةٍ ديماغوجيةٍ أو انتهازية، وليست أيديولوجيةً سياسيةً مكتملة التكوين، لكنَّها أيديولوجيةٌ «دقيقةٌ» تتألَّف من بعض المعتقدات الأساسية القليلة. أولًا: يعتمد التقسيم الرئيسي للمجتمع على الفصل العُدواني بين «الشعب»، الذي يُفترض صلاحه، و«النخبة»، التي يُفترض فيها الفساد والانفصال عن الحياة اليومية للمواطن العادي. ثانيًا: يعتقد كافة الشعبويين أنَّ السياسات المُتبَّعة يجب أن تُعبِّر عن «الإرادة العامة»، وهي مجموعة الرغبات التي يُفترض كونها بديهيةً بين «الأشخاص الطبيعيين». (ويفترض ذلك الاعتقاد أيضًا وجود شيءٍ يُدعى «الإرادة العامة»).

مترجم: الشعبوية والدفاع عن الأقليات.. كيف تتشابه سياسات أردوغان وكوربين؟

ومن هنا يرى بايكر أن الحركة الشعبوية تَعِدُ بالتعبير عن الإرادة الموحدة للشعب دائمًا، وبذلك تُضعِف مخطَّطات مؤسسة النخبة التي تخدم ذاتها فقط. وكما قال جان ماري لوبان، مؤسس حزب الجبهة الوطنية الفرنسي، عام 2007: «سأمنح الشعب صوتًا، لأنَّ الشعب هو الطرف المُحِقُّ الوحيد في الديمقراطية، ولا يُمكن لمن يُواجههم أن يكون على حق» (لاحظ غياب الاختلافات بين أطياف «الشعب» في هذه الصياغة). وقالها دونالد ترامب مؤخرًا أيضًا، خلال حديثه أثناء تنصيبه: «سنسحب السلطة من واشنطن العاصمة ونعيدها لكم أنتم، الشعب … لقد حمت المؤسسة نفسها، ولم تحمِ مواطني بلادنا». (لاحظ استبعاد أعضاء «المؤسسة» من وصف «المواطنين»).

وعلى مدار عقود، تسببت التساؤلات عن كيفية ربط الشعبوية بالأحزاب والساسة المتباينين فكريًا في عرقلة محاولات فتح حوارٍ واضحٍ حول القضية، ويتساءل بايكر: كيف يُمكن أن نصف بيرني ساندرز ودونالد ترامب مثلًا بأنهم شعبويون؟ وكيف يُشار إلى «احتلوا وول ستريت» و«بريكسيت» بوصفها ظواهرَ شعبويةً محتملة؟ يرى بايكر أنَّ تعريف مود البسيط اكتسب زخمًا لأنه تمكَّن من الإجابة على تلك التساؤلات. وإذا كانت الشعبوية أيديولوجيةً «دقيقةً» بالفعل، فعليها أن تربط نفسها بأيديولوجيةٍ أكثر رسوخًا من أجل البقاء، لكن تلك الأيديولوجية يُمكن أن تقع في أي مكانٍ على الطيف السياسي من اليمين إلى اليسار. ولا يُعتبر التنوع الكبير للشعبوية مُشكلةً، لأنها دائمًا ما تُلحَقُ بأيديولجياتٍ أخرى بحسب تعريف مود. وهذا هو المتوقع منها.

كتب مود أن «الشعب» و«النخبة» هي مجموعاتٌ ليس لها تعريفٌ ثابتٌ بين مُختلف الحركات الشعبوية. وتُبنى تلك التصنيفات أولًا وقبل كل شيءٍ على أُسُسٍ أخلاقية تفترض طيبة الشعب وسوء النخبة. لكنَّ تحديد المنتمين إلى كل جماعةٍ منهما يعتمد على شخصية الحركة الشعبوية ونوعية الأيديولوجية «السميكة» التي ترتبط بها. ويُعرِِّف «الشعب» الشعبوي نفسه وفقًا لهويته العرقية التي يشعر أنَّها معرضَّةٌ للخطر، أو وفقًا للشعور المشترك بالوقوع ضحيةً للاستغلال الاقتصادي. والأهم هو أنَّ الشعب يُلقي باللوم على طبقة النخبة التي يفترض فسادها؛ ويُمكن أن يزدري أيضًا بعض الطبقات الدنيا في حالة الشعبويين اليمينيين، سواءٌ أكانوا مهاجرين أو أقلياتٍ عرقيةٍ، ويُتَّهم النخبة بمحاباتها باعتبارها جزءًا من خطتها للإبقاء على السلطة بعيدًا عن «الشعب الحقيقي».

وذكر بايكر أنَّ رسالة مود لم يُشَر إليها طوال عام 2005 سوى تسع مراتٍ فقط، إذ لم تكن الشعبوية موضوعًا ساخنًا للنقاش حين نُشِرَت رسالة الشعبوية المُعاصِرة. لكنَّ الرسالة اكتسبت اعترافًا عريضًا بوصفها إحدى كلاسيكيات مجال الدراسات الشعبوية إثر توسعه مع اهتمام الرأي العام بالموضوع. وأضحى مود الباحث الشعبوي الذي يُستشهد به ويُجري الصحفيون مقابلاتٍ معه في أغلب الأحيان، وخاصةً في المقالات التي يختلط خلالها تعريفه للشعبوية مع التعميمات الغامضة القديمة التي سعى لإسقاطها.

ولا يختلف اليوم أي أكاديمي على هيمنة تعريف مود بحسب بايكر، وخاصةً في أوساط الأعداد المتزايدة من الباحثين الراغبين في أن يكونوا جزءًا من الحديث الدائر حول الشعبوية بوصفها ظاهرةً عالمية. ونجحت الرسالة بفضل توقُّعها للأحداث التي أصابت السياسة العالمية، مثل انهيار الأسواق العالمية عام 2008 الذي أدَّى إلى ظهور الحركات المُناهضة للتقشُّف («بوديموس» في إسبانيا، و«سيريزا» في اليونان، و«احتلوا» في كافة أرجاء العالم)، مدفوعةً بالغضب تُجاه المؤسسات المالية والطبقة الصغيرة من الناس التي تستفيد من أرباحها. وازداد نشاط تلك الحركات بشكلٍ واضحٍ نتيجة معارضة «الشعب» لـ«النخبة»، لكنَّ النظريات القديمة بشأن الشعبوية، والتي عرَّفتها تحديدًا بوصفها يمينيةً أو عنصريةً أو مُعاديةً للمهاجرين، لم يكن بوسعها وصف تلك التطوُّرات الجديدة في السياسات الشعبوية.

وتعريف الشعبوية بوصفها أيديولوجية «دقيقة» يتناسب مع مشهد العلوم السياسية الأكاديمي المُعاصر، والذي يُضفي أهميةً كبيرةً على أُطر العمل الواسعة التي تسمح للباحثين الشباب بأداء أعمالهم التجريبية الكمِّية. إذ تخلَّص الكثير من الباحثين الجُدُدِ في موضوع الشعبوية من حاجتهم إلى الجدال حول التعريفات، ويميلون الآن إلى إجراء التحليلات النصية المُصممة لاكتشاف مدى تكرار ظهور أفكار الشعبوية الأساسية، الواردة في مقالة مود التي نُشِرَت عام 2004، على منصات الأحزاب وفي الخطابات السياسية والبيانات والتغريدات. ويقومون أحيانًا بإدارة استطلاعات الرأي المُصمَّمة لتتبُّع انتشار المعتقدات الأساسية للشعبوية بين الشعوب المُختلفة، في محاولةٍ لوضع نموذج أولي لماهية الناخب الشعبوي.

ويرى بايكر أنَّه في كل مرةٍ تُنشر رسالةٌ تعتمد على إطار العمل الأيديولوجي هذا، يزداد رسوخ الفكرة وراء ذلك الإطار، وهي المسألة التي تُثير إحباط أقليةٍ من الأكاديميين ما زالت تراه غير كافٍ لفهم المسألة.

شانتال ولاكلو وتأثيرهما على الحركات الشعبوية الحديثة

أدَّى صعود تعريف الأيديولوجية «الدقيقة» ونفوذه المتزايد على الحوار العام المُتضخِّم حول الشعبوية إلى إثارة اعتراضات معسكرٍ صغيرٍ ومُثابرٍ في أوساط الدراسات الشعبوية. يعتقد أولئك الأكاديميون بحسب بايكر أنَّ تعريف الشعبوية بناءً على المعتقدات الأساسية هو خطأ منهجي عميق، ويرون أيضًا أن تعريف الشعبوية بوصفها أيديولوجيةً يُخاطر بإظهار الاستراتيجيات السياسية الفعَّالة في صورة استراتيجياتٍ غير مسؤولةٍ وخطرة.

ووفقًا لبايكر، هؤلاء الأكاديميون يؤكدون عادةً على مدى تقارب الأحزاب السياسية السائدة في الولايات المتحدة وأوروبا خلال العقود الأخيرة، ما يضيِّق نطاق الآراء التي تجد النفوذ الحقيقي كامنًا في صناعة القرار الوطني. ويُسلِّمون بأن ذلك تسبَّب في زيادة أعداد الجماهير التي تشعر أن ما يُسمى ديمقراطيةً لا يستجيب لمخاوفهم يقدر ما يُلبِّي نزوات طبقةٍ ثريةٍ صغيرةٍ من النخبة التي تحمي مصالحها، وتنكر بشدةٍ تواطؤها في الحالة الراهنة بالإصرار على أنَّه لا بديل لها.

ويميل أولئك الباحثون إلى تركيز اهتمامهم على التحديات التي تُواجه الوضع الراهن من اليسار، مثل تحدِّي «99%» من حركة «احتلوا وول ستريت» وحملة بيرني ساندرز وحزب العمال البريطاني الذي يقوده جيريمي كوربين تحت شعار «من أجل الجميع، وليس القلة»، ويبرزون إصرارهم على أن السياسة لا تخدم الفئة الصحيحة حتى الآن. وهم منتبهون بالفطرة إلى محاولات الوسطيين، الذين يميلون للحفاظ على مصالحهم، لعرقلة التحديات الخارجية بجعل أي شخصٍ يدعمها يظهر في صورةٍ غير عقلانيةٍ ومُرعبةٍ وغير مُجهَّزةٍ دستوريًا للاضطلاع بمهام الحُكم الرشيد.

ويرى بايكر أن ذلك أدَّى إلى إثارة شكوكهم في أي اقتراحٍ بوجود أيديولوجية شعبويةٍ قابلةٍ للتعريف لها مبادئ أساسية واضحة أيًا كان موقعها على الطيف السياسي. ولذا يتحوُّل الحديث عن جوهر الشعبوية رغم وصفها بـ«الدقة» بسهولةٍ إلى اتهامٍ بالذنب بالنسبة لذلك الجمهور، مما يُؤدِّي إلى تحميل الحركات الشعبوية اليسارية (أو حتى الحركات التي تبدو شعبويةً) ذنب نُظرائهم اليمينيين العُنصريين الذين يُعانون رُهاب الأجانب. ويقلقهم التأكّيد على الأخلاقيات المُبالغ فيها بوصفها السمة المُميِّزة للشعبوية، مما يُسهِّل تصوير المُعارضة الشرعية لنفوذ النخبة في صورة الغوغاء اللاعقلانيين.

تُعزى معظم الاعتراضات على تعريف الأيديولوجية الدقيقة إلى اثنين من المُنظِّرين السياسيين اليساريين: شانتال موف، البلجيكية التي تُدرِّس في جامعة وستمنستر، وزوجها الراحل الأرجنتيني إرنستو لاكلو. ويرجع الفضل للمُفكِّرَيْن في تلقين الحركات الشعبوية اليسارية الأوروبية الجديدة مبادئها مباشرةً، مثل «سيريزا» و«بوديموس» و«فرنسا الأبية» التي أسَّسها جان لوك ميلونشون.

تشتهر كتابات شانتال ولاكلو عن الماركسية والشعبوية، والتي أعدُّوا بعضها معًا، بكثافتها التي تستعصي على التلخيص أحيانًا. لكنَّها تدور في الأساس بحسب بايكر حول فكرة كون الصراع سمةً تعريفيةً لا مفر منها في الحياة السياسية. بعبارةٍ أخرى، فإن عالم السياسة هو عالمٌ تسوده العدوانية بطبعه، وهي الطبيعة التي لا يُمكن تجنُّبها أو التوصُّل إلى توافقٍ دائم داخلها، لنظل دائمًا أمام ضميري «نحن» و«هم».

وتُصِرُّ شانتال على ذلك قائلةً: «ليست التساؤلات السياسية مشكلاتٍ فنيةٍ يجب حلها بواسطة الخبراء. إذ تنطوي التساؤلات السياسية السليمة على قراراتٍ تُلزمنا بالاختيار بين البدائل المتعارضة». ويرى بايكر أنَّ التركيز على الصراع يُنتِج رؤيةً راديكاليةً للحياة الديمقراطية، وهي أكثر راديكاليةً من الرؤى التقليدية السائدة عن الديمقراطية الليبرالية، لكنَّ لاكلو وشانتال يُجادلان بأنَّها رؤيةٌ تصف المنطق الواقعي للسياسة بدقةٍ أكبر.

من هذا المنطلق، يخضع أي نظامٍ اجتماعيٍ-سياسيٍ قائمٍ للتحدي (يصف الفيلسوف الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي النظام بالـ«الهيمنة»، وهي الصياغة التي تُفضِّلها شانتال ولاكلو). وكل وضعٍ راهنٍ هو مؤقتٌ، مهما كان متينًا، ويُمكن تحدِّيه دائمًا من حركةٍ تسعى لاستبداله بشيءٍ جديد. ويأتي التغيير السياسي بعبارةٍ أخرى نتيجةً للمطالبات المُضادة للنظام القائم، والتي يجب دمجها معًا داخل حركةٍ لتغييره، حركة ستبدو شبيهةً بالشعبوية إلى حدٍ كبير.

«واشنطن بوست»: ثورة مضادة.. كيف يتصدى العالم للشعبوييين وخطاب الكراهية؟

ويرى بايكر أنَّه حين تجتمع مطالبي ومطالبك ومطالب جيراننا داخل حركةٍ من هذا النوع، سيُصبِّح بمقدورها أن تتحوَّل إلى قاعدةٍ سياسيةٍ جديدةٍ لنا «نحن»: «الشعب» المُصِرُّ على تغيير النظام الحالي للسُلطة والاستحواذ عليه. ويُشكِّل مدى نجاح تلك الحركة «هيمنةً» جديدةً، أو خطًا أساسيًا جديدًا، يُصبح بمرور الوقت عُرضةً للتحدي في حد ذاته.

ومن هذا المنظور، تُعَدُّ الشعبوية بمثابة تعبيرٍ آخر لوصف السياسة الحقيقية: حيث يَخلِق الشعب («نحن») بشكلٍ مباشر على الأرض حالةً تُعبِّر عن استيائنا المُشترك، ومن نرغب في إلقاء اللوم عليهم («هم»)، وكيفية إجبارهم على التغيير.

لكنَّ المستفيدين من الوضع الراهن لا يرغبون في التغيير وفقًا لبايكر، لذا يُناصرون مناهجَ غير فعالةٍ لصُنع القرار الجماعي: مثل الحديث عن التوافق الحزبي بوصفه هدفًا نهائيًا، وتصوير الخبراء «العقلانيين» في صورةٍ أرقى من المُتحزِّبين المُتعصِّبين، ووسطية «الطريق الثالث» التي تتجنَّب النزاع الأيديولوجي لصالح «السياسات الفعالة» أو وساطة المؤسسات الليبرالية. وربما هيمنت تلك المناهج (التي وصفتها شانتال بأنَّها «لا سياسية») لفترةٍ من الوقت، كما حدث في التسعينيات وأوائل الألفية الثالثة في أمريكا وبريطانيا. لكنَّ دوام الحال من المحال، وخاصةً مع تزايد أعداد الناس الذين يشعرون أنَّ الساسة يجعلون حيواتهم أكثر عرضةً للخطر. وحينها تعود السياسة، السياسة الحقيقية التي يُمكن وصفها بالسياسة الشعبوية، إلى الظهور على الساحة مُجدَّدًا.

ووفقًا لشانتال ولاكلو، فإنَّ الرابط الفطري الوحيد بين الحركات الشعبوية اليمينية واليسارية هو أنَّ كليهما يتبنيان الحقيقة الأساسية نفسها بشأن الديمقراطية: وهو أنَّها منافسةٌ دائمة التغيُّر حول تعريف وإعادة تعريف «نحن» الافتراضية في عالم السياسة، حيث لا يضمن أي تعريفٍ بقاءه إلى الأبد. ويجادلان أنَّ الهدف هنا هو الوصول إلى «التعدُّدية التصارعية» وليس التوافق الساكن: وهي حالةٌ تُقبل خلالها المعارضة والخلاف بوصفهما سلوكًا طبيعيًا يُساعد الشعب في الحفاظ على قدرته على الاختلاف بشدةٍ دون تشويه الآخر أو الانزلاق إلى الحرب.

مترجم: حول مستقبل البشرية والرئيس الشعبوي والاقتصاد وأكثر.. حوار مع نعوم تشومسكي

وجادلت شانتال تحديدًا خلال السنوات الأخيرة بأن َّالتساؤل السياسي بشأن المستقبل القريب لا يجب أن يدور حول كيفية مناهضة الشعبوية، بل حول نوعية الشعبوية التي ترغب في الانضمام إليها. إذ يتعلَّق الأمر بمن تنتمي إليه (ومن ينتمي إلى «سلسلة التكافؤ» الخاصة بك)، ومن تُناهضه (من يُسبِّب المُشكلة وكيف)، وأي القضايا يجب أن يكون لديك موقف تجاهها. لذا لا تُعَدُّ الشعبوية هي المشكلة، بل إنَّ الشعبوية اليسارية هي الحل.

لا يذهب كافة الأكاديميين الذين ألهمتهم كتابات شانتال ولاكلو إلى ذلك الحد، وخاصةً في الرسائل الرصينة التي تُنشر على صفحات دوريات العلوم السياسية بعد مراجعتها. لكنَّ بايكر ذكر أنَّ أعمالهم يُحفِّزها شعورٌ واضحٌ بأنَّ التهديد الحقيقي لـ«الشعبوية» يكمُن في أنَّ ذعرنا من الكلمة سيحجب احتمالية ظهور أشكالٍ جديدةٍ من السياسات والتحدِّيات الجديدة للوضع الراهن، وأنَّ الخوف من الشعبوية بين اليساريين سيُؤدِّي إلى انتصار شعبوية اليمين.

يُفضُّل أولئك الباحثون التعريفات التي لا تحمل جوهرًا أيديولوجيًا، حتى لو كان جوهرًا «دقيقًا» كما صوَّره كاس مود. ويحمل تعريف الأيديولوجية الدقيقة بالنسبة لهم نغمةً تحقيريةً يصعب تغييرها، وتدفع المُشاركين في الحوار إلى اتخاذ موقفٍ «مُؤيدٍ» أو «مُعادٍ» لكل الشعبويات، رغم أنَّ التعريف الدقيق يعترف بقابلية أيديولوجية الشعبوية للنقل بكل سهولة. وبدون جوهرٍ داخلي، يصعب تصنيف الشعبوية على أنَّها جيدةٌ أو سيئةٌ فطريًا. ويصف باريس أسلانيديس، العالم السياسي بجامعة ييل، الشعبوية بأنَّها «خطاب»، أو طريقةٌ للحديث عن السياسة، وليست مجموعةً من المعتقدات، بل خطابٌ ينظر إلى السياسة من خلال «سُلطة السيادة الشعبية».

ويُشير بنجامين موفيت، المُحاضر السياسي في الجامعة الكاثوليكية الأسترالية، إلى الشعبوية بوصفها «طرازًا سياسيًا، لا يُخبرنا وجوده الكثير عن المحتوى الديمقراطي الجوهري لأي مشروعٍ سياسي». وبموجب تعريفاتٍ من هذا النوع، لم يعد السؤال المحوري مرتكزًا حول كون طرفٍ أو مجموعةٍ سياسيةٍ شعبويًا من عدمه. لكن السؤال الذي يجب طرحه من آنٍ لآخر، بحسب بايكر، هو هل «يُؤدون الشعبوية»؟ وكيف يُؤدُّونها؟ وما تأثير ذلك؟

خلافٌ أكاديميٌ على تعريف الشعبوية

لا يعتقد بايكر أنَّ تلك الخلافات تدور حول الفارق بين «الأيديولوجية الدقيقة» و«الأيديولوجية السميكة»، بل حول اعتبار «الشعبوية» إهانةً في حد ذاتها، وإمكانية فصل مشروع تعريف الشعبوية عن النظريات الازدرائية للمفهوم. وفي النهاية، ستظل الخلافات قائمةً حول أنواع السياسة التي تُثير ارتيابنا وأسباب ذلك.

اكتسب النقاش الحالي حول الشعبوية في الغرب صبغة أحزاب أقصى اليمين الشعبوية التي ظهرت في أوروبا أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، مثل حزب الحرية النمساوي وحزب الشعب الدنماركي وحزب الجبهة الوطنية الفرنسي. وكل ما عرفه الناس حول تلك الأحزاب في البداية هو كونها أهلانيةً وعنصرية.

تحدَّثت تلك الأحزاب عن المواطنين «الحقيقيين» في بلادها، وركّزت على قضية «النقاء» الوطني والعرقي، مُشَيطِنَةً المُهاجرين والأقليات. ولم يجد زعماؤها حرجًا في مغازلة «معاداة السامية» علنًا، إذ تزامنت انتصاراتهم الانتخابية مع عودة العنف اليميني المُتشدَّد في أوروبا، مثل هجمات عام 1991 على الُعمَّال المُهجارين وطالبي اللجوء في بلدة هويرسفيردا بشرق ألمانيا.

وحين بدأ الصحفيون والساسة في وصف تلك الأحزاب ومُؤيِّديها بالشعبويين، أتى المُصطلح للتنبيه من المُشكلة بلطفٍ يُمكِّن من إخفاء تفاصيلها الدقيقة، وفقًا لبايكر الذي رأى في ذلك فائدةً بالنسبة للصحفيين الذين يخشون من أن يظهروا بمظهرٍ غير موضوعيٍ سياسيًا. ولم يكن وصف الشعبوية مديحًا، لكنَّه كان أقل إثارةً للانتباه من «اليمين المُتشدِّد» أو «اليمين الراديكالي».

ويبدو أن المصطلح عبَّر عن التخلُّف أكثر من أي شيءٍ آخر، إذ وصف حالة انعدام القدرة الحداثية على تقديم التفضيلات الشخصية إلى الساحة السياسية والاندماج في التعاملات المعقدة للتسويات العقلانية. وشكلت الشعبوية التي تتضمن مزيجًا من قلة الخبرة والاستياء العاطفي والتعصب تهديدًا للديمقراطية الأوروبية في فترة ما بعد الحرب.

«فورين أفيرز»: كيف تسقط الديمقراطيات؟

لكنَّ بايكر يرى أن تعريف الأيديولوجية الدقيقة الذي نشره كاس مود فنَّد وجهة النظر تلك، وحرَّر الشعبوية من دلالاتها اليمينية المُتطرفة، وحذَّر من الخلط بين الشعبوية والأيديولوجيات الأخرى التي ترتبط باسمها عادةً.

وجادل مود وغيره من الباحثين الذين يستخدمون التعريف الأيديولوجي أنَّه لا يجب اعتبار ترامب والبريكسيت ظاهرتين شعبويتين في الأساس. لا شك أنَّ ترامب ومؤيدي البريكسيت يستخدمون خطابًا شعبويًا مطنبًا، لكنَّ الباحثين يرون أن الدعم الذي يحصدونه لا ينبع من الشغف بأفكار الشعبوية الأساسية، لكنَّه يرجع إلى عوامل أيديولوجيةٍ أخرى. وكتب مود عمودًا في صحيفة «الجارديان» ينتقد فيه إعلان قاموس كامبريدج أنَّ الشعبوية هي «كلمة العام» في سنة 2017. وقال بحسرة: «لقد أصبحت الكلمة الرنانة لهذا العام، نظرًا لإساءة تعريفها واستخدامها في غير موضعها على الأغلب».

وبالنسبة للأحزاب اليمينية المُتطرِّفة، في هولندا وفرنسا وألمانيا والنمسا، التي أثارت حملاتها الانتخابية الحذر في مختلف أرجاء أوروبا، «تأتي الشعبوية في المرتبة الثانية بعد الأهلانية، وتعمل الشعبوية داخل السياسات الأوروبية والأمريكية المعاصرة بوصفها غطاءً لتمويه الأهلانية القبيحة» كما أوضح مود.

تحولِّت الشعبوية بحسب بايكر رغم تلك التحذيرات إلى تهديدٍ من الأغلبية للديمقراطية الليبرالية كالعادة نتيجة تعريفها الدقيق. وهذا الحُكم هو سبب استمرار الصراع بين الباحثين الذين يتبنون التعريف الأيديولوجي من جهة، ونقادهم من مؤيدي شانتال ولاكلو من جهةٍ أخرى.

وينفي بايكر وجود علاقةٍ بين الليبرالية الديمقراطية في هذا السياق وبين الفروقات العصرية بين اليسار واليمين. لكنَّها تُشير عوضًا عن ذلك إلى فكرة أن الحكومة يجب أن تُسهِّل التعايش التعدُّدي بالموازنة بين السيادة الشعبية بعيدة المنال والمؤسسات التي تُقدِّس سيادة القانون والحقوق المدنية، وهو المزيج الذي يصعب الانقلاب عليه بواسطة الأغلبية السياسية. (ومن هذا المنطلق، تُعتبر الديمقراطية الليبرالية «ديمقراطيةً جزئيةً» كما وصفها مود في رسالته). والديمقراطية الليبرالية هي ما يعنيه معظم الناس حين يتحدثون عن الديمقراطية اليوم، لذا، فإن اعتبار شيءٍ تهديدًا للديمقراطية الليبرالية هو حُكمٌ سلبيٌ مُدمِّرٌ في سياق أغلبية النقاشات السياسية.

فيكتور أوربان – رئيس وزراء المجر

لأنَّ الشعبوية، كما يصفها التعريف الأيديولوجي، تتضمن مفهومًا أخلاقيًا لوصف «الشعب» مُكتمل السيادة، والذي تُعتبر أحكامه مُتفقٌ عليها بالإجماع عمليًا، ولا مفر من دخول الحركات الشعبوية في صراعٍ مع الجوانب الليبرالية للديمقراطية الليبرالية.

وإذا فكر جميع الشعب «الحقيقي» بنفس الطريقة حيال الأشياء الأكثر أهميةً في السياسة، تُصبح فكرة الحماية المؤسسية للأقليات المعارضة غير مُجديةٍ في أحسن الأحوال وعدوانيةً في أسوئها، وفقًا لبايكر. إذ يعتبرهم الشعبويين حائطًا آخر بنته النخبة الفاسدة للحفاظ على السلطة الحقيقية بعيدًا عن متناول الناس. وينطبق الأمر ذاته على استقلالية القضاء والمُشرِّعين أو نظام الضوابط والموازين بين أفرع الحكومة المختلفة، وخاصةً حين يبدو أنها تُشكِّل عقبةً في وجه القائد الشعبوي. ومن هذا المنطلق، تتحوَّل أكثر العناصر أساسيةً في الديمقراطية الليبرالية إلى وقودٍ وحريقٍ للنيران الشعبوية.

ولا يُمكن لأي شخصٍ يدرس الشعبوية بجدية، ولا حتى أكثر المشاركين انتهازيةً بين معارضيها الذين يحذرون منها، أن يُنكِر قدرة الحركات الشعبوية على توجيه نقدٍ شرعيٍ للوضع الراهن وسلطة النخبة المناهضة للديمقراطية، حسبما أوضح بايكر. ويتَّخذ الكثيرون وجهة نظرٍ مشابهة لوجهة نظر المُنظِّر السياسي المكسيكي بنيامين أرديتي، الذي وصف الشعبوية بالضيف المخمور في حفلة عشاء الديمقراطية، وهو ضيفٌ يُهين قوانين الاندماج الاجتماعي ويكشف في الوقت ذاته عن الفشل والنفاق الذي قرر جميع من في الغرفة تجاهله.

وفي كتاب «Populism: A Very Short Introduction»، يصف مود والعالم السياسي التشيلي كريستوبال كالتواسر الشعبوية المُعاصرة بأنها «استجابةٌ ديمقراطية غير ليبراليةٍ للليبرالية غير الديمقراطية»، وهي استجابةٌ «تطرح الأسئلة المناسبة، لكنها تُقدِّم إجاباتٍ خاطئة».

وبقراءة كتابات النُقَّاد اليساريين، يتملَّك المرء شعورٌ أنهم يُحاولون تجميل الصورة بمسحةٍ من الفوارق غير الملموسة والتحفُّظات التي تترك الشعبوية، بغض النظر عن خطوطها الأيديولوجية، موصومةً بوصمةٍ غير مستحقةٍ من الخطورة الفطرية. ويرى بايكر أنَّ زيادة التركيز على أولئك النقاد ترجع إلى حقيقة ندرة ظهور الشعبوية في الحوارات السائدة إلَّا باعتبارها إهانة، وخاصةً على ألسنة الخبراء والساسة الذين يعتبرون اليمين واليسار تهديدًا بالقدر نفسه.

ويسود الخوف في تلك الدوائر من أنَّ قول أي شيءٍ سلبيٍ عن «الشعبوية»، مهما كان صحيحًا وتحليليًا، يُسلِّح الأشخاص الذين ساعدوا في جعل السياسة أشبه بفوضى مجوَّفة وخالية من الديمقراطية في المقام الأول. ويُسهِم وضع الشعبوية في مظهرٍ مناقضٍ في جوهره للديمقراطية الليبرالية من هذا المنظور في تعزيز الارتباط بين الشعبوية وعلم نفس الحشود، مما يُذكي المخاوف من أنَّ الحقوق الفردية ستظل مسحوقةً تحت هويات المجموعة وفقًا لبايكر.

جايير بولسونارو – رئيس البرازيل

ويُجادل بعض الباحثين في هذا المعسكر الآن بأنَّنا يجب ألَّا نتحدث عن الشعبوية بقدر حديثنا عن «مناهضة الشعبوية» على يد الوسطيين، الذين يخشونها ويُشيطنون صورتها. وكتب عالم الاجتماع الإيطالي ماركو ديرامو في دورية «نيو ليفت ريفيو» عام 2013: «أعتقد أنَّ من يسلبوننا الديمقراطية هم الأكثر ميلًا لرؤية تهديداتها في كل مكان. لذا فإن كل الزخم حول الشعبوية ينم عن شعورٍ بعدم الارتياح ومسحةٍ من الإفراط».

وبالنسبة لطرفي هذا الجدال، يُعَدُّ الإغراء الواضح هو إقصاء الآخر بكل بساطة، أو الإصرار على أن ما يدعوه الطرف الآخر «شعبويةً» ليس شعبويةً في الواقع، بل مجرد شيءٍ يُشبه الشعبوية. لكنَّ استخلاص أن كلا المُعسكرين يظنان أنَّهما يتحدثان عن الأمر نفسه سيُفوِّت عليك إدراك مدى اتفاقهما، وما يخبرنا به ذلك عن اللحظة السياسية الحالية.

استغلال الشعبوية باعتباره تمويهًا

يُؤمن بايكر أننا أحرزنا بعض التقدُّم الآن، بعد مرور أكثر من نصف قرنٍ على اجتماع المُنظِّرين السياسيين داخل كلية لندن للاقتصاد عام 1967. إذ يتَّفق المختصون الآن على أنَّ الشعبوية هي وسيلةٌ أيديولوجيةٌ يمكن نشرها للنظر إلى السياسة كمنتدى للمعارضة بين «الشعب» و«النخبة». ويُولَّد هذا التعريف المزيد من الأسئلة: هل يُعرَّف مفهوم «الشعب» في الشعبوية فطريًا بأسلوبٍ يُشكِّل خطرًا على التعايش التعدُّدي؟ أم هل تُعَدُّ فكرة «الشعب» ضروريةً لكنَّها مفهومٌ قابل للتشكيل، على نحوٍ أقل تهديدًا، ليصبح جزءًا من لعبة السياسة؟

لكنَّه يرى أنَّ الشعبوية ليست كيمياء، بغض النظر عن ماهيتها، ولن يتمكن عالمٌ من الكشف عن تكوينها الموضوعي الدقيق. بل يُشبِّهها الكاتب بعدسةٍ داخل ممرٍ طويلٍ من المرايا، ننظر من خلالها إلى السياسة، بما في ذلك سياسة تحديد ما يُمكن وصفه بالشعبوية وتداعيات ذلك.

أوروبا بين اليمين واليسار والانهيار.. هل هي القصة التقليدية لنهاية الرأسمالية؟

وربما كانت التساؤلات بشأن الشعوبية أقل إلحاحًا في حالة عدم انتشار التوافق حول أوجه قصور الوضع السياسي الراهن، وحول الهاوية التي تفصل المُثل العليا البراقة عن مدى استجابة الحكومة لتطلعات الشعب، التي تظهر خلال حديثنا عن الديمقراطية والواقع المُزري للحياة على الأرض. ويرى بايكر أنَّ فكرة معاناة «الشعب» من قصور الخدمات التي تُقدِّمها له السياسة تلقى صدى ضخمًا في مختلف التيارات السياسية لأسبابٍ منطقية.

ويعتقد الكاتب أنَّ التساؤل عن حل تلك المشكلة هو تساؤل يرفض بعض مُؤيِّدي التعريف الأيديولوجي الإجابة عنه، زاعمين أنَّهم يسعون فقط لتعريف وقياس الشعبوية وليس أخذ موقفٍ منها. ويعترف آخرون باستحالة وصف الشعبوية دون الحكم عليها فعليًا. ومطلب العصر، من وجهة نظرهم، هو إقناع المواطنين بإعادة الالتزام بالديمقراطية الليبرالية ومؤسساتها.

لكن يسود اعترافٌ واسع النطاق في هذا المعسكر، أكثر مما يعترف به ناقدوه من اليسار، بأنَّه لن يكتفي بعد الآن بالإصرار على عدم وجود بدائلَ مقبولةٍ للديمقراطية الليبرالية القائمة. وجادل مود، في ما كتبه لصحيفة «الجارديان» عام 2017، بأنَّ الاستجابة للشعبوية تتطلب أكثر من «الحملات المجردة المناهضة للشعبوية»، إذ يزعم أنَّها تحتاج إلى «عودةٍ للسياسات الأيديولوجية». وسيضطر بعض الليبراليين الراغبين في «ألَّا تُسيَّس» بعض القضايا، وأن تُزاح من عالم الديمقراطية وتُسلَّم إلى الخبراء، إلى إعادة صياغة مبرراتهم لتلك القرارات على الأقل. إذ لا يُمكن أن يظل شيءٌ «غير مسيَّسٍ» إلى الأبد، وهذه هي السياسة.

وإذا نظرت من ناحيةٍ أخرى، يبدو هذا كرأي لاكلو موف، بإصرارهما على عدم وجود مساحةٍ خارج «اليمين واليسار»، وعدم وجود سبيلٍ لوضع القرارات السياسية المتعلقة بمصيرنا المشترك بعيدًا عن متناول السياسة. ويرى بايكر أنَّ المدافعين عن الديمقراطية الليبرالية يتعرَّفون الآن من جديد على ضرورة حشد كتلة ديمقراطية من الشعب («نحن») حول مطالبهم بحماية المؤسسات والأعراف الليبرالية، في معارضةٍ للأحزاب اليمينية الراديكالية التي تُسعدها مشاهدة انهيار تلك المؤسسات.

ووفقًا لبايكر، التحدي المماثل لأي شخصٍ في اليسار هو إدراك العلاقة بين أهدافه بعيدة المدى والمثل العليا للديمقراطية الليبرالية. ولطالما وُجِد نقادٌ يعتبرون الديمقراطية الليبرالية ديمقراطيةً زائفة، أو مجموعةً من المبادئ العالمية التي تبدو رائعةً، لكن ينتهي بها الحال عمليًا باعتباره غطاءً يُطبِّع الاستغلال وعدم المساواة في الرأسمالية.

جايير بولسونارو.. «شبيه ترامب» الذي قد ينسف الديمقراطية البرازيلية

في حين ينظر المنظرون الآخرون، ومن بينهم شانتال، إلى الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية في الستينيات والسبعينيات بوصفها الأعراض الأولية للأمراض التي أعقبتها، أو «الديمقراطية الراديكالية» التي تجبر الديمقراطية الليبرالية على الوفاء بوعودها بالمساواة. لكن شانتال لم تعد متفائلةً بقدرتنا على إحياء آفاقنا الديمقراطية، إذ كتبت منذ عامين: «قُلنا في عام 1985 إننا «بحاجةٍ إلى جعل الديمقراطية أكثر راديكالية»، والآن أضحت المهمة أكثر صعوبة، إذ نحتاج إلى استعادة الديمقراطية أولًا حتى نتمكَّن من جعلها أكثر راديكالية». ويظل السؤال مفتوحًا حول شكل تلك المهمة على أرض الواقع.

يصف بايكر صياغة وسائل الإعلام للشعبوية دائمًا وكأنها سؤالٌ حول الهوامش: حول القوى الخارجة عن السياسات «الطبيعية» أو «العقلانية»، تهدد بزعزعة الاستقرار والوضع الراهن. لكنَّ الخطاب الأكاديمي يُوضح أن هذا يعد تخلفًا، وأن الشعبوية متأصلةٌ في الديمقراطية، وخاصةً في الديمقراطية كما نعرفها في الغرب المعاصر. إذ وجدت الشعبوية الحياة في الشقوق بين وعود الديمقراطية واستحالة الوفاء الكامل والدائم بها.

ولذا يُعَدُّ سؤال الشعبوية دائمًا سؤالًا عن نوع الديمقراطية التي نريدها، وحقيقة أننا لن نكف عن الجدال بشأن الأمر. ويُمكن أن يكون القلق من الشعبوية بمثابة غطاءٍ للأشخاص الذين لا يرغبون في تغيير شكل العالم كما يعرفونه. لكنه ينبع أيضًا من إدراكٍ أساسي بأننا لن نعلم أبدًا أين ستأخذنا الديمقراطية، الآن أو في المستقبل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات